رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد المري

مساحة إعلانية

مقالات

534

د. حمد المري

أين تكمن المسؤولية في صناعة الأثر؟

27 يوليو 2026 , 01:00ص

يُجمع كثيرون على أهمية التدريب، وتستثمر المؤسسات سنويًا ميزانيات كبيرة في تطوير كوادرها، لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان التدريب بهذه الأهمية، فلماذا لا يتحقق الأثر المنشود في كثير من الأحيان؟

الإجابة لا تكمن في جودة البرنامج التدريبي وحدها، بل في منظومة متكاملة تتوزع فيها المسؤولية بين جميع الأطراف، من مرحلة اختيار البرنامج وحتى متابعة أثره بعد انتهاء التدريب.

تبدأ المسؤولية من المؤسسة نفسها، فهي مطالبة بتحديد احتياجاتها التدريبية بدقة، واختيار البرامج التي تعالج فجوات الأداء وتدعم أهدافها الاستراتيجية، لا الاكتفاء بترشيح الموظفين لاستكمال خطة تدريبية أو زيادة عدد الساعات. كما ينبغي أن يكون المحتوى التدريبي مرتبطًا بواقع العمل وقادرًا على تلبية احتياجات المنظمة وتحقيق قيمة مضافة لها.

ويأتي دور المدرب الذي لا تقتصر مهمته على نقل المعرفة، بل تمتد إلى ربط المفاهيم بالواقع، وتحفيز التفكير، وتقديم أدوات عملية تساعد المتدرب على تحويل ما تعلمه إلى ممارسات قابلة للتطبيق داخل بيئة العمل.

أما المتدرب، فهو شريك في صناعة الأثر، وليس متلقيًا سلبيًا. فنجاح التدريب يعتمد على مدى استعداده للتعلم، ورغبته في التطبيق، وسعيه إلى تطوير أدائه. ومن الممارسات الفاعلة أن يُعد، بعد انتهاء البرنامج، تقرير أو عرض مختصر يوضح أهم ما اكتسبه، وكيف سيطبق ما تعلمه في مهامه، وما القيمة التي يمكن أن يضيفها لجهة عمله.

ولا يقل دور المدير المباشر أهمية، فهو من يهيئ البيئة المناسبة لتطبيق ما تعلمه الموظف، ويتابع أداءه، ويقدم له الدعم والتوجيه والتغذية الراجعة، لأن المعرفة إذا لم تجد فرصة للتطبيق سرعان ما تتراجع آثارها.

كما أن مشاركة المتدرب لزملائه بأبرز ما تعلمه تسهم في نقل المعرفة داخل المؤسسة، وتوسيع دائرة الاستفادة، وتحويل التدريب من تجربة فردية إلى فرصة للتعلم المؤسسي.

وتبقى إدارة التدريب الحلقة التي تربط جميع هذه الأطراف، من خلال التخطيط للاحتياجات، وقياس أثر البرامج، ومتابعة التطبيق، وترسيخ ممارسات واضحة ضمن منظومة الحوكمة الداخلية، بما يضمن أن يصبح التدريب استثمارًا مستدامًا في تطوير الإنسان والمؤسسة، لا مجرد نشاط ينتهي بانتهاء البرنامج.

إن صناعة الأثر ليست مسؤولية المدرب وحده، ولا المتدرب وحده، ولا جهة العمل وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ قبل التدريب، وتستمر أثناءه، ولا تنتهي إلا عندما تتحول المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة عمل مستدامة.

ويبقى السؤال الأهم: لماذا يغادر بعض المتدربين القاعة وهم أكثر معرفة، لكنهم يعودون إلى الممارسات نفسها؟

ذلك هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في المقالة القادمة: "لماذا لا يغيّر التدريب بعض السلوكيات؟"

مساحة إعلانية