رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

132

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

دراما الأمم المتحدة

27 سبتمبر 2026 , 12:00ص

طالما كان منبر الأمم المتحدة وجبة دسمة للإعلام حول العالم؛ فمن حذاء «خروتشوف» – أعزكم الله – عام ١٩٦٠ في أوج الحرب الباردة رداً على المندوب الفلبيني، إلى الماراثون اللفظي للهندي «كريشنا مينون» عام ١٩٥٧ الذي ألقى خطابه لثماني ساعات متواصلة حتى أُغمي عليه، وصولاً لخطاب «فيديل كاسترو» الأطول تاريخياً، وتمزيق الميثاق عام ٢٠٠٩ بيد الرئيس الليبي السابق معمر القذافي! هذه التراكمات هي تماماً ما يلمسه المراقب في أروقة المنظمة اليوم؛ حيث تحولت من حصن لإقرار السلام العالمي وحماية المستضعفين إلى مسرحٍ مفتوح لـ «الدراما السياسية». تحت أضواء الكاميرات وفي مواجهة الميكروفونات، تتسابق الوفود في إلقاء الخطابات العصماء واستعراض المظلوميات اللفظية في مشهد يُتقن صناعة الشغف الإعلامي، لكنه يفتقر لأدنى أدبيات الفاعلية السياسية والضوابط الدبلوماسية، ويكاد يجرّد القرار الدولي من أي أثر تنفيذي على أرض الواقع.

إن المفارقة الصارخة في هذا المنبر الزجاجي لا تتوقف عند حدود الشغف الإعلامي، بل تتجلى في الاسترسال المفرط في الشكليات الخطابية العقيمة؛ حيث تُستنفد الطاقات في تقنين أوقات الكلمات بالثواني، وتدبيج بروتوكولات اللجان، وصياغة البيانات التي تُراعي القشور وتُهمل الجوهر. وفيما تئن أروقة المنظمة تحت وطأة أزمات الدعم المالي واللوجستي المهدد لأنشطتها ومقرها – لدرجة التلويح بالعجز عن صيانة التكييف في هذا المبنى الضخم بتأثيرٍ من الدولة المضيفة حين لا تتوافق قرارات المنظمة مع السياسات التي تفرضها عبر العالم – تُختزل قضايا الشعوب العادلة في جلسات طارئة لا يتعدى مخرَجها حدود «الإدانة» أو «القلق المفضوح»، لتتحول هذه الشكليات إلى أداة لامتصاص الغضب وتخدير ضمير الإنسانية، بينما يظل الواقع الميداني محكوماً بحديد القوة لا بمنطق الحق.

ومع تعاقب العقود، طرأت تحولات واضحة على ضوابط العمل داخل أروقة الجمعية العامة؛ حيث اندفعت المنظمة نحو إقرار قواعد إجرائية صارمة لضبط «فوضى المنبر»، كفرض الآليات الإلكترونية لقياس أوقات الخطابات، وتشديد بروتوكولات السجال والدبلوماسية الرادعة. غير أن هذا التغير الذي مسّ «شكل» الأداء ومظهره لم يمتد إطلاقاً إلى «جوهر» قراراته؛ إذ يُكشف الغبار عن أرشيف أممي مكدّس بآلاف التوصيات الصادرة عن هذا المنبر، والتي طرأ عليها الإهمال والتعطيل بفعل الفيتو وازدواجية المعايير. إن الانتقال من عهد الماراثونات اللفظية المفتوحة إلى عصر الضوابط التكنولوجية المشددة لم يزد المشهد إلا مفارقة؛ فالمنبر الذي نجح في ضبط مكبرات الصوت وتقييم أوقات المتحدثين بالثواني، فشل بالكامل في فرض هيبة قراراته أو حماية ضحايا الحروب، ليبقى التغير الملموس شكلياً بحتاً، بينما يظل الأرشيف شاهداً على عجز الإرادة الدولية.

وفي صدارة هذه المفارقات الدرامية، يتجلى المشهد الاستعراضي الذي يمارسه رئيس وزراء الكيان الصهيوني من فوق هذا المنبر؛ حيث يُظهر استخفافاً مطلقاً بكافة الأعراف والضوابط الدبلوماسية. ففي كل نوبة اعتداء، يصعد إلى المسرح الأممي حاملاً أقلامه الملونة، ورسوماته الكرتونية، وخرائطه المضللة التي تحوّل القاعة إلى شاشة عرض للتدليس والتضليل الإعلامي ومخاطبة الداخل السياسي، رغبةً منه في قلب الحقائق وتغليف الجرائم الميدانية بشعارات واهية. إن سماح المنظومة الدولية بمرور هذا المسرح التدليسي دون رادع أخلاقي أو إجرائي، يُثبت كيف تحول المنبر من أداة لإقرار العدالة إلى مساحة مفتوحة للبروباغندا، يُسمح فيها للمعتدي بتزييف التاريخ والتلاعب بالوعي الجمعي تحت أضواء الكاميرات.

ويبقى موقف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حاضراً في كل نوبة عجز أممي كصوتٍ للحق والضمير الإنساني؛ حيث لا يتوانى سموه من فوق هذا المنبر عن تعرية الزيف الدولي، والانتصار للقضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حاملاً رؤية قطرية ثابتة تُفرق بين الدبلوماسية المسؤولة وبين الاستعراض المفرغ من محتواه.

إن سمو الأمير لم يكتفِ بتشخيص الداء، بل وضع المجتمع الدولي بأكمله أمام مرآة مسؤوليته التاريخية حين صدح بتلك العبارة الجامعة التي اختصرت الأزمة وأعادت إرساء الميزان الأخلاقي والقانوني للشرعية الدولية:«فإما أن يكون القانون واحداً للجميع، وإما أن يفقد معناه حين يُطبق على الضعفاء ويُعفى منه الأقوياء».

مساحة إعلانية