رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطرية في معادلة تجمع القدرة بالحكمة
- أهمية الخليج للاقتصاد العالمي لا تكفي لحمايته ببقاء الرؤى الخليجية متفرقة
- دول الخليج وفرت لمواطنيها رعاية أورثت بعضنا اتكالية
- من حق كل منا أن يسأل: ماذا آخذ من وطني وماذا أقدم له؟ وهل أقيس النجاح بما أملك أم بما أعمل؟
- التباهي بالسيارات الفارهة في الخارج سلوك لا يمثل مجتمعاتنا
- الرفاه المسؤول استهلاك بوعي وادخار للمستقبل واحترام للعمل
- إنجاز كبير للأزمة لو دفعتنا إلى التخلي عن الاتكالية والتنافس على المظاهر
- الدولة مطالبة ببناء الفرص والمجتمع بمراجعة معاييره والفرد بتغيير سلوكه
- إذا أيقظت الوعي وكشفت الخلل ودفعت إلى الإصلاح تحولت الأزمة إلى فرصة
- الثروة قد تمنح الدولة فرصة لكنها لا تضمن لها المستقبل وفنزويلا نموذج
- التحالفات ضرورية لكنها يجب أن تكون إضافة إلى قوتنا لا بديلًا عنها
- دويلات الطوائف استعان بعضها بالخارج على بعض فسقطت الأندلس
- دعوة الأمير إلى نظام إقليمي للأمن الجماعي تكتسب أهميتها من خطورة المواقف المنفردة
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية بالغة الخطورة. شخَّص الأزمة، ودعا إلى نظام إقليمي للأمن الجماعي، وتحدث عن الصمود والاستثمار في الإنسان والقدرات الوطنية. ودفعني إلى سؤال يتجاوز الدولة إلى المجتمع والفرد: كيف نحوّل الأزمة من ثمن ندفعه إلى درس نبني عليه المستقبل؟
تمر الأزمات والكوارث بالأفراد والأمم؛ منها ما تصنعه الطبيعة، ومنها ما يصنعه الإنسان بيده. وليس الفارق بين إنسان وآخر، أو بين أمة وأخرى، أن أحدهما يُعفى منها، بل فيما يصنعه بعدها. فإذا أيقظت الوعي، وكشفت الخلل، ودفعت إلى الإصلاح، تحولت إلى فرصة وطريق للبناء؛ أما إذا انتهت من دون مراجعة، فإن الكارثة الحقيقية تكون في ضياع العبرة بعد دفع أثمانها.
حين تهتز المسلَّمات
حققت دول الخليج خلال عقود قليلة نهضة عمرانية واقتصادية أصبحت مضرب المثل، وتحولت المنطقة إلى أحد أهم مصادر الطاقة وشرايين الاقتصاد العالمي. ونشأت قناعة بأن أهمية استقرار الخليج، والتعاون الوثيق مع القوة العسكرية الأكبر في العالم، يوفران له مظلة موثوقة من الحماية. كما وفرت دولنا للمواطن التعليم والعلاج والسكن والخدمات ومستوى رفيعًا من الرفاه.
كانت الحرب العراقية الإيرانية أول هزة كبرى أصابت المنطقة الحديثة. عشتها من موقع المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، ودرست صناعة القرار في مجلس الأمن خلالها. امتدت ثماني سنوات، وأمكن احتواء تداعياتها نسبيًّا حتى انتهت بإنهاك الطرفين. ثم جاءت أزمات أخرى، وصولًا إلى الحرب الراهنة التي امتدت آثارها إلى دول الخليج وممراته ومنشآته واقتصاده.
هزت هذه التطورات مسلَّماتنا: أهمية الخليج للاقتصاد العالمي لا تكفي لحمايته، والتحالفات تحكمها المصالح، والثروة تمنح إمكانات القوة لكنها لا تتحول وحدها إلى منعة. والسؤال اليوم: ماذا سيتغير بعد انحسار الحرب، وكيف نمنع تكرار أسبابها وآثارها؟
التاريخ للعبرة لا للرواية
نحن عرب ومسلمون، والاعتبار بالتاريخ جزء من رؤيتنا للحياة، لا فكرة نستعيرها من تجارب العصر. فالقرآن الكريم لا يروي أخبار الأمم للتسلية، بل لاستخلاص السنن: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ويقرر قاعدة التغيير الكبرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وفي تاريخنا تحذير لا يغيب: لم تسقط الأندلس في يوم واحد؛ فقد تآكلت حين لم تتحول الهزائم إلى مراجعة، ولم يدفع الخطر دويلات الطوائف إلى وحدة الموقف. استعان بعضها بالخارج على بعضها، وظن كل أمير أنه قادر على إنقاذ إمارته ولو ضاع الوطن الأكبر، حتى تبين أن النجاة الفردية وهم حين يكون المصير واحدًا.
وتقدم فنزويلا تحذيرًا آخر: امتلكت ثروة نفطية هائلة، لكن عدم الاستقرار وضعف المؤسسات والاعتماد المفرط على مورد واحد أعاق تحويلها إلى تنمية مستقرة. فالثروة قد تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تضمن لها المستقبل.
وفي المقابل، نهضت اليابان وألمانيا من ركام الحرب العالمية الثانية، وحوّلتا الدمار، بالاستثمار في الإنسان والمؤسسات والصناعة، إلى قوة اقتصادية متجددة.
وتبرز كوريا الجنوبية نموذجًا قريبًا من سؤالنا. زرتها مرارًا، ورأيت مكانتها الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية. خرجت من حرب مدمرة فقيرة ومنقسمة ومحدودة الموارد، فجعلت التعليم والعمل والصناعة والبحث العلمي قضايا أمن قومي.
وما أثار إعجابي، إلى جانب مصانعها وتقنياتها، حرصها على ألا تفقد نفسها في طريق التقدم. زرت قرى ثقافية تحفظ التراث والذاكرة الشعبية، وزرت مكتبة كوريا والتقيت بقيادتها، ورأيت في مركز تجاري مكتبة جميلة تضع الكتاب في قلب الحياة اليومية. بنى الكوريون المصنع والمختبر وأبقوا القرية القديمة والمكتبة حاضرتين؛ فالأمة التي تفقد ذاكرتها في طريقها إلى المستقبل قد تصل إليه متقدمة، لكنها لا تصل إليه هي نفسها.
ولا نقيس نجاح دولة بما أصبحت عليه فقط، بل بالمسافة التي قطعتها من حالها قبل الأزمة إلى حالها بعدها.
مراجعة الدولة: من الحماية إلى المنعة
أول دروس الأزمة أن التحالفات ضرورية، لكنها يجب أن تكون إضافة إلى قوتنا لا بديلًا عنها. والمقصود بالقوة هنا ليس السلاح وحده؛ فالمنعة أمنية واقتصادية ومعرفية واجتماعية وثقافية. تبدأ من القدرة على حماية القرار والسيادة، وتمر بتنويع الاقتصاد وتأمين الغذاء والدواء وسلاسل الإمداد، وتصل إلى تعليم ينتج المعرفة، ومؤسسات تعمل بكفاءة عند الأزمات، وثقافة تحفظ هوية المجتمع وتماسكه.
وهذه مسؤولية الدولة: أن تبني المؤسسات، وتضمن عدالة الفرص، وتراجع سياسات الرعاية بحيث تصون حق المحتاج وتشجع العمل والمبادرة، وأن توازن بين رفاه الحاضر وحقوق الأجيال المقبلة.
والقدرة الوطنية، على ضرورتها، لا تغني عن التكامل بين دول مجلس التعاون. لقد أكدت التجربة أن الخطر لا يقف عند الحدود، وأن المنشآت والموانئ والممرات والأسواق مترابطة. لذلك نحتاج إلى تكامل أوثق في الدفاع والسياسة الخارجية والأمن الغذائي والتقني، وإلى بناء قدرة خليجية مشتركة تجعل قرارنا أكثر استقلالًا وتحالفاتنا أكثر توازنًا.
ولن يتحقق الأمن الجماعي ما بقيت الرؤية الخليجية متفرقة في القضايا المصيرية؛ فالبيت الذي تتفرق كلمته لا يصمد أمام العاصفة مهما أُحكم بناؤه. وتزداد خطورة المواقف المنفردة حين تتصل بالتطبيع مع عدو أو بالقضية الفلسطينية عامة ؛ لأن آثارها لا تقف عند حدود دولة بعينها، بل تمس أمن الخليج ومصداقيته السياسية والأخلاقية. هذا في تقديري الشخصي.
وفي هذا السياق تكتسب دعوة سمو الأمير إلى نظام إقليمي للأمن الجماعي أهميتها: نظام يحترم سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويمنع التدخل والتهديد، ويجعل الحوار والقانون الدولي سبيلًا لتسوية النزاعات.
ولا يقوم هذا النظام على إقصاء إيران، فهي جار تفرضه الجغرافيا، بل على قواعد تضمن الأمن المتبادل وعدم التدخل ورفض الحروب بالوكالة. ولا يجوز أن يستثني اليمن؛ فاستقرار الجزيرة العربية لا يكتمل من دون استقراره، وموقعه على باب المندب يجعل أمنه جزءًا من أمن الملاحة العالمية. ودعم وحدته وسيادته وتسويته السياسية وإعادة بنائه ضرورة لأي ترتيب أمني جديد.
وعندما يضطرب مضيق هرمز تنتقل الأزمة من مياه الخليج إلى مصانع العالم وأسواقه، ومن أسعار الطاقة إلى كلفة الغذاء والدواء في قارات بعيدة. فاستقرار المنطقة مسؤولية دولها أولًا، ومصلحة عالمية أيضًا.
وقد لخَّص سمو الأمير السياسة الخارجية القطرية في حماية المصالح الحيوية، والوساطة، والعمل الإنساني، والمواقف المبدئية المنسجمة مع القانون الدولي. إنها معادلة تجمع القدرة بالحكمة وتبقي باب الحوار مفتوحًا.
مراجعة المجتمع والفرد: الرفاه المسؤول
والمجتمع أيضًا مطالب بمراجعة معاييره للنجاح والوجاهة. فإذا قاس قيمة الإنسان بما يملك وأعرض عن قيمة عمله، حوَّل الرفاه إلى سباق على المظاهر. والإنفاق على المسكن والملبس والمناسبات حق مشروع، لكن الإسراف يصبح مشكلة حين تفرضه المنافسة الاجتماعية، أو يتجاوز القدرة، أو يزاحم تعليم الأبناء والاستعداد للمستقبل. فلنمنح العمل العلمي والمهني والتطوعي ما يستحقه من تقدير، ولنساند الأسرة في التوفيق بين العمل والتربية؛ فالمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية شركاء في بناء الوعي والهوية.
والفرد شريك لا غنى عنه في هذه المراجعة. لقد وفرت دول الخليج لمواطنيها التعليم والصحة والسكن والخدمات، وهو إنجاز جدير بالشكر. وكثير من مواطنينا يعملون بجد ويبتكرون ويتطوعون؛ لكن الاعتياد الطويل على الرعاية أورث بعضنا اتكالية وشعورًا بأن ما تقدمه الدولة حق لا يقابله واجب. فالمواطن الواعي يصون المال العام، ويطور مهاراته، ويسهم في الإنتاج بقدر استطاعته.
وليس في ذلك إعفاء للدولة من واجباتها أو لوم للمواطن وحده؛ إنها ثقافة تشكلت عبر عقود. لكن من حق كل منا أن يسأل نفسه: ماذا آخذ من وطني، وماذا أقدم له؟ هل أقيس النجاح بما أملك، أم بما أعمل وأضيف؟ وهل أعد أبنائي لحياة المسؤولية، أم لحياة الانتظار؟
ومن الظواهر السلبية التي رأيتها في الخارج لدى قلة من شبابنا التباهي بالسيارات الفارهة واستعراضها أمام الناس. وهو سلوك لا يمثل مجتمعاتنا، ويقدم عنها صورة ضيقة تختزلها في الثراء والمظاهر، بينما أوطاننا أحق أن تُعرف على حقيقتها: بعلم أبنائها وأخلاقهم وإنجازاتهم.
وأهمس إلى الأم الخليجية: ما أجمل أن تعمل وتشارك بعلمها في تنمية وطنها، وأن تبقى قريبة من نشأة أطفالها ولغتهم وقيمهم. وقد تعين المربية في شؤون الطفل، لكنها لا تستطيع أن تمنحه لسان أمه ووجدان أسرته. وتربية الأبناء مسؤولية وطنية يشترك فيها الأب مع الأم، وتساندهما فيها المدرسة والمجتمع.
ولا تعني هذه المراجعة الدعوة إلى الزهد القسري أو التضييق على الناس؛ فديننا لم يحرم زينة الحياة ولا طيبات الرزق: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، لكنه وضع الميزان في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
شكر النعمة يكون بحسن استخدامها وصونها. والرفاه المسؤول استهلاك بوعي، وادخار للمستقبل، واحترام للعمل، وإقبال على المعرفة، وتضامن في الأزمات. ولو دفعتنا الأزمة إلى التخلي عن الاتكالية والإسراف والتنافس على المظاهر لكانت قد أثمرت إنجازًا كبيرًا على مستوى الفرد، كما نرجو لها أن تثمر على مستوى الدولة.
الدولة مطالبة ببناء الفرص، والمجتمع بمراجعة معاييره، والفرد بتغيير سلوكه؛ فالمواطن الواعي أساس الدولة القوية، وقدرتها على الصمود رصيد له ولأبنائه.
الأزمة والاختيار
سينحسر التصعيد الراهن يومًا، كما انتهت أزمات سبقته، لكن انحساره العسكري أو السياسي لا يعني أننا تجاوزناه حقًّا. نتجاوزه عندما تتحول مخاوفه إلى سياسات، وخسائره إلى معرفة، وهزاته إلى قوة ذاتية، وقلق الفرد فيه إلى وعي ومسؤولية.
أمام الخليج فرصة ليخرج من هذه الأزمة أكثر تكاملًا وأقدر على حماية مصالحه، وأمام المجتمع فرصة ليعلي قيمة العمل، وأمام المواطن فرصة ليعيد ترتيب علاقته بالنعمة والوقت والوطن.
ليست الكارثة في أن تمر الأمة بأزمة، بل في أن تدفع ثمنها كاملًا ثم تخرج منها كما دخلتها. فالأزمات تقع، ولكن مسؤوليتنا ألا ندعها تمر عبثًا، بل أن نجعل منها طريقًا للبناء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
645
| 12 أكتوبر 2026