رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبد العزيز الكواري

وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية

مساحة إعلانية

مقالات

453

د. حمد بن عبد العزيز الكواري

الأمم المتحدة.. كيف تستعيد ثقة العالم؟

20 سبتمبر 2026 , 12:00ص

- القضية الفلسطينية المتضرر الأكبر من تآكل دور الأمم المتحدة

- الإصلاح المؤسسي للمنظمة الدولية يبدأ بمجلس أمن أكثر تمثيلًا للعالم

- إذا لم تُصلح الأمم المتحدة نفسها سيتجاوزها العالم عبر تحالفات موازية

- المنظمة مطالبة بأن تستعيد عالميتها وقدرتها على إخضاع القوة للقانون

- عرفت الأمم المتحدة من داخلها مندوبًا دائمًا لدولة قطر في نيويورك 6 سنوات

- الدوحة استضافت دي كوييار في مهمة وساطة بين طهران وبغداد قادت لوقف الحرب

- الأمم المتحدة تستطيع أن تؤدي دورها متى توفرت الإرادة السياسية

- الأونروا وكالة أممية إنسانية تحمي حقوق ملايين اللاجئين وتتعرض لحرب إسرائيلية

- العالم العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والهند أطراف غائبة رغم ثقلها السياسي والسكاني

بدأت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعات دورتها الحادية والثمانين، وشدّ رؤساء الدول والحكومات الرحال إلى نيويورك للمشاركة في أكبر تجمع سياسي سنوي في العالم. وقد وجدت، بحكم ما ربطني بهذه المنظمة ومنظماتها المتخصصة طوال عقود، أن أدلو بدلوي في النقاش الدائر حول حاضرها ومستقبلها، مدركًا أن «فوق كل ذي علم عليم»، ولعل في ما أقول ما يفيد.

تدخل الأمم المتحدة هذه الدورة وهي تواجه واحدة من أخطر لحظاتها منذ تأسيسها عام 1945. فالأزمة المحيطة بها تتجاوز عجز مجلس الأمن عن وقف حرب، أو إخفاق المنظمة في فرض تسوية لأزمة دولية بعينها، إلى سؤال أعمق: هل ما زال القانون الدولي قادرًا على تقييد القوة، أم أننا نعود تدريجيًا إلى عالم تصبح فيه القوة هي التي تحدد معنى القانون وحدوده؟

ضرورة لا غنى عنها.. وثقة تتآكل

لماذا الأمم المتحدة؟ لأن البديل عنها عالم بلا مرجعية مشتركة، ولا قواعد متفق عليها، ولا مكان تلتقي فيه الدول مهما بلغت خصوماتها. ولو لم تكن الأمم المتحدة موجودة لوجب أن تكون؛ فالعالم يحتاج إلى مؤسسة تمنع الحروب، وتحمي السلم، وتمنح الشعوب الصغيرة صوتًا إلى جانب الدول الكبرى، وتتصدى للفقر والجوع والمرض والنزوح والكوارث.

ومع ذلك، تواجه المنظمة أزمة ثقة قادت كثيرين إلى التساؤل عن مبرر وجودها. ولم يعد هذا الشعور مقتصرًا على الحكومات المتضررة من قراراتها أو على الشعوب التي خذلتها؛ فقد امتد إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، ترى القواعد تُطبّق على الضعفاء وتتوقف عند مصالح الأقوياء.

المشكلة لا تكمن في غياب القواعد. فميثاق الأمم المتحدة قائم، والقانون الدولي لم يُلغَ، ومبادئ سيادة الدول وعدم استخدام القوة وحماية المدنيين واضحة في نصوصه. لكن الحرب تُدان حين يشنها الخصم، وتُبحث لها عن المبررات حين يخوضها الحليف. وتصبح السيادة مبدأ مقدسًا في حالة، وتفصيلًا قابلًا للتجاوز في حالة أخرى. وهنا جوهر الأزمة: القانون الدولي لم يختفِ، لكنه يفقد عالميته، وهي الصفة التي تمنحه شرعيته وقوته الأخلاقية.

وقد عرفت الأمم المتحدة من داخلها. عملت مندوبًا دائمًا لدولة قطر في نيويورك نحو ست سنوات، خلال الحرب العراقية الإيرانية، وكانت أطروحتي للدكتوراه في جامعة نيويورك عن صناعة القرار في مجلس الأمن، متخذًا من تلك الحرب حالةً للدراسة، ثم نشرتها لاحقًا في كتابي «جدل المعارك والتسويات».

وأذكر في هذا السياق الاجتماع المهم الذي عقده الأمين العام آنذاك خافيير بيريز دي كوييار في الدوحة مع سمو الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر في ذلك الوقت، رحمه الله، وكنت حاضرًا فيه بوصفي مندوب قطر لدى الأمم المتحدة. وقد أسهم ذلك اللقاء في تهيئة زيارة الأمين العام لكل من طهران وبغداد، بعد اتصالات ضمنت وقف القتال خلال الزيارة وتأمين انتقاله بين العاصمتين، فكانت خطوة ذات أهمية في الطريق الطويل نحو وقف الحرب. وقد أكدت لي تلك التجربة أن الأمم المتحدة تستطيع أن تؤدي دورها متى توفرت الإرادة السياسية، وأن الدول الصغيرة قادرة على الإسهام في صنع السلام حين تحسن استخدام موقعها وعلاقاتها.

ثم ترأست مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» أربع سنوات، من 2012 إلى 2015، وترشحت لإدارة منظمة اليونسكو، في تجربة انتهت بخسارتي بفارق صوت واحد فقط. ومن مجموع هذه التجارب تشكل إيماني بالعمل الدولي، ومعه إدراكي الصريح لما تعانيه مؤسساته من خلل وعجز وانتقائية.

مجلس الأمن بين حربين

لا يزال مجلس الأمن يعكس ميزان القوى الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية أكثر مما يعكس عالم اليوم. فالولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا تحتفظ بالعضوية الدائمة وحق النقض، بينما تغيّر العالم سياسيًا واقتصاديًا وديموغرافيًا بصورة جذرية خلال ثمانية عقود.

أفريقيا، بثقلها السكاني والسياسي، لا تملك مقعدًا دائمًا واحدًا، وأمريكا اللاتينية غائبة عن العضوية الدائمة، والعالم العربي بلا تمثيل دائم، والهند، التي تضم جزءًا ضخمًا من سكان العالم وتتحول إلى قوة اقتصادية وسياسية كبرى، لا تزال خارج الدائرة الدائمة. ولهذا أصبح إصلاح المجلس شرطًا لاستعادة شرعية النظام الدولي، إذ لا يمكن إدارة عالم القرن الحادي والعشرين بمؤسسات صُممت وفق توازنات عام 1945.

وخلال الحرب العراقية الإيرانية، عاينت بطء مجلس الأمن وتردده وخضوع قراراته لحسابات القوى الكبرى، لكنه ظل حاضرًا في الأزمة، ونجح بعد سنوات من الحرب في إصدار القرار 598 الذي مهّد لوقف إطلاق النار. أما اليوم، فإن غياب المجلس أو تهميشه إزاء الحرب الأمريكية الإيرانية يثير سؤالًا أشد خطورة: ماذا يعني أن يعجز الجهاز المسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين عن القيام بدوره في حرب تمس استقرار منطقة تُعد من أهم مناطق العالم تأثيرًا في الاقتصاد والطاقة والملاحة والتجارة الدولية؟

إن غياب المجلس عن مثل هذه الحرب يترك المنطقة لمنطق القوة والردع المنفلت، ويجعل أمن العالم واقتصاده رهينة قرارات عسكرية تتخذها أطراف الصراع. فإذا لم يتحرك مجلس الأمن عندما تتعرض منطقة بهذه الأهمية لخطر الانفجار، فمتى يتحرك؟ وما قيمة نظام للأمن الجماعي تستطيع الدول الأقوى داخله تعطيله كلما تعارض مع مصالحها؟

لقد تحول حق النقض، الذي أُقر أصلًا لضمان بقاء القوى الكبرى داخل النظام الدولي، في حالات كثيرة إلى وسيلة لتعطيل ذلك النظام. وعندما تكون دولة دائمة العضوية طرفًا في نزاع، أو حليفًا رئيسيًا لأحد أطرافه، يصبح المجلس أقل قدرة على العمل في اللحظة التي يحتاجه فيها العالم أكثر من غيرها.

فلسطين.. حين يدفع الإنسان ثمن العجز

كانت القضايا العادلة للشعوب، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، المتضرر الأكبر من تآكل دور الأمم المتحدة. فما جرى ويجري في غزة لم يكشف مأساة إنسانية هائلة فحسب، وإنما كشف أيضًا عجز النظام الدولي عن حماية المدنيين وتنفيذ قراراته، حين تقف مصالح القوى الكبرى في الطريق.

وحين عجزت السياسة، حاول القضاء الدولي أن يحفظ للقانون هيبته. ففي 21 نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بعد أن وجدت أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، من بينها التجويع والقتل والاضطهاد. ورغم ذلك بقي الحكم حبرا على ورق..

ومن ناحية أخرى، تنظر محكمة العدل الدولية في دعوى جنوب أفريقيا بشأن مسؤولية إسرائيل، بصفتها دولة، عن انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية. وطال الانتظار وتقف القوى المعادية للقانون الدولي حجرا في تحقيق مساعيه 

إن المحكمة الجنائية الدولية، وهي مستقلة عن الأمم المتحدة، وتعتمد على تعاون الدول لتنفيذ قراراتها. فالإساءة إليها والضغط على قضاتها يمسان استقلال العدالة الدولية، ويطرحان السؤال الأهم: هل يُطبق القانون على الحليف كما يُطبق على الخصم؟

وتمثل الحرب التي تشنها إسرائيل على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ومحاولاتها عرقلة عملها وتشويه سمعتها وتقويض وجودها، وجهًا آخر لهذه الأزمة. فالأونروا لا تقدم الغذاء والدواء وحدهما؛ إنها تحمي حق ملايين اللاجئين في التعليم والصحة والإغاثة، وتحفظ شاهدًا دوليًا على قضية لم تجد حلًا عادلًا منذ عقود.

وعندما تُحارب وكالة إنسانية لأنها تقوم بواجبها، ويُستهدف موظفوها ومنشآتها، ثم تعجز الأمم المتحدة عن حمايتها، فإن الضرر يتجاوز الوكالة إلى المنظمة كلها. والأمر نفسه ينسحب على المنظمات المتخصصة العاملة في التعليم والصحة والطفولة والإغاثة، مثل اليونسكو واليونيسف وغيرها؛ فهي تدفع ثمن الصراع السياسي رغم أن رسالتها موجهة إلى الإنسان قبل أي اعتبار آخر.

قطر.. إيمان بالمنظمة ودعم لرسالتها

آمنت دولة قطر منذ انضمامها إلى الأمم المتحدة بأهمية العمل متعدد الأطراف، وبحل النزاعات بالوسائل السلمية والحوار والوساطة. ويحرص صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، للتعبير عن موقف قطر من القضايا الدولية، والدفاع عن حقوق الشعوب، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني، وتأكيد أن الحوار أقصر الطرق إلى السلام وأكثرها بقاء.

ولم يقتصر دعم قطر للأمم المتحدة على المواقف السياسية؛ فقد امتد إلى مساندة منظماتها الإنسانية والتنموية، ومنها الأونروا واليونسكو واليونيسف، وإلى استضافة المؤتمرات والوساطات والمفاوضات التي تخدم السلم والتنمية. وهذا الإيمان بالمنظمة لا يعني تجاهل أوجه قصورها، فالدفاع الحقيقي عنها يبدأ بالاعتراف بأزمتها والسعي إلى إصلاحها.

لقد أثبتت تجارب الوساطة القطرية أن الدول لا تحتاج إلى امتلاك ترسانة كبرى كي تصنع أثرًا دوليًا. تحتاج إلى المصداقية والصبر والقدرة على مخاطبة الأطراف جميعًا. وهذه هي الروح التي ينبغي أن تستعيدها الأمم المتحدة: أن تكون ساحة للحوار حين تُغلق ساحات السياسة، وجسرًا بين المتخاصمين قبل أن تستحكم لغة السلاح.

كيف تستعيد الأمم المتحدة ثقة العالم؟

استعادة الثقة تبدأ بالاعتراف بأن الخلل يتجاوز هياكل المنظمة إلى سلوك الدول الأعضاء، وخاصة القوى الكبرى. وقد أسهمت هذه القوى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، في تآكل الثقة بالنظام الدولي عندما استخدمت نفوذها ومعاييرها بصورة انتقائية، وحمت حلفاءها من المساءلة، أو هاجمت المؤسسات الدولية حين جاءت قراراتها مخالفة لمصالحها.

وتتحمل الولايات المتحدة مسؤولية أكبر بحجم قوتها ودورها في إنشاء النظام الدولي وقيادته. فحين تختار واشنطن احترام القانون في موضع وتجاوزه في موضع آخر، فإنها لا تضعف خصومها وحدهم، وإنما تضعف النظام الذي أسهمت هي نفسها في بنائه. والقوة الكبرى لا تقاس بقدرتها على فرض إرادتها فحسب، وإنما بقدرتها على إخضاع إرادتها للقواعد التي تطالب الآخرين باحترامها.

ولا يُطلب من الدول أن تتخلى عن مصالحها، فهذا يناقض طبيعة العلاقات الدولية. المطلوب أن تدرك أن السلام والاستقرار واحترام القانون مصالح عليا أيضًا، وأن المكاسب الآنية التي تتحقق بحماية حليف من المساءلة قد تتحول إلى خسارة استراتيجية حين ينهار النظام الذي يحمي الجميع.

أما الإصلاح المؤسسي، فيبدأ بمجلس أمن أكثر تمثيلًا للعالم، وبمنح أفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية والقوى الصاعدة مكانة تتناسب مع وزنها. ويحتاج حق النقض إلى قيود واضحة، خصوصًا في حالات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فلا يجوز أن يصبح الفيتو غطاءً لاستمرار المآسي.

وتحتاج الجمعية العامة إلى دور أكبر عندما يعجز مجلس الأمن، كما تحتاج المنظمات الإنسانية والمتخصصة إلى تمويل مستقر يحميها من الابتزاز السياسي. ويتعين حماية موظفي الأمم المتحدة وقضاتها وخبرائها، واحترام قرارات المحاكم الدولية وتنفيذها من دون تمييز. وقبل كل ذلك، يجب تطبيق القرارات الدولية بالمعيار نفسه على الصديق والخصم؛ فلا معنى لقانون تتغير قوته بتغير هوية من ينتهكه.

والإرادة السياسية لا تولد من النصوص وحدها. تنشأ عندما تدرك الدول أن كلفة الفوضى أعلى من كلفة التعاون، وأن انهيار المؤسسات الدولية لن يوفر الحماية حتى للأقوياء. وعلى الدول المتوسطة والصغيرة ودول الجنوب العالمي أن تنسق مواقفها وتستخدم ثقلها الاقتصادي والسياسي للدفاع عن نظام أكثر عدلًا، بدل الاكتفاء بانتظار ما تقرره العواصم الكبرى.

وإذا لم تُصلح الأمم المتحدة نفسها، فلن يستبدلها العالم بالضرورة بمنظمة واحدة جديدة، لكنه سيتجاوزها تدريجيًا عبر تحالفات وتكتلات ومؤسسات موازية. وقد بدأت ملامح ذلك تظهر في صعود مجموعة العشرين وتكتلات مثل بريكس، وتعاظم دور المنظمات الإقليمية. وهذا هو الخطر الأكبر: أن تبقى الأمم المتحدة قائمة في الشكل، بينما تنتقل القدرة على الفعل إلى خارجها.

ومع يقيني أن كثيرين يخالفونني الرأي، ما زلت أؤمن بأن إصلاح الأمم المتحدة واستعادة الثقة بها ضرورة لا غنى عنها. فقد أنقذت وكالاتها ملايين البشر، وأسهمت بعثاتها ووساطاتها في وقف نزاعات ومنع انهيار دول، وبقيت في أحيان كثيرة الحاجز الأخير بين الإنسان والجوع أو المرض أو التشرد. الخلل لا يكمن في الفكرة التي قامت عليها المنظمة، وإنما في الإرادة التي عطلتها، وفي الانتقائية التي أضعفتها.

الأمم المتحدة اليوم أمام خيار تاريخي: أن تستعيد عالميتها وقدرتها على إخضاع القوة للقانون، أو تتحول إلى شاهد عاجز على انهيار النظام الذي أُنشئت لحمايته. ومهمتنا أن ننقذها من ضعفها، وأن نعيد القانون إلى مكانه فوق القوة، والإنسان إلى مكانه قبل المصالح؛ حتى لا يبقى من ميثاقها سوى الورق، ومن قاعتها سوى الصدى، وهذا للأسف ما وصل إليه كثيرون من قناعة.

مساحة إعلانية