رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

204

د. أحمد المحمدي

مركزية القرآن أم أسلمة العلوم؟

20 يوليو 2026 , 02:00ص

ظهر مشروع “أسلمة العلوم” في سياق تاريخي كانت فيه الهيمنة للمنظومة المعرفية الغربية، فسعى أصحابه إلى تخليص العلوم الإنسانية والاجتماعية من فلسفاتها المادية والعلمانية، وربطها بقيم الإسلام ومبادئه. ولا شك أن هذا المقصد في أصله مقصد إصلاحي نبيل، وقد أسهم في لفت الأنظار إلى أن العلوم ليست محايدة تمامًا، بل تحمل في داخلها تصورات عن الإنسان والكون والحياة، وأن هذه التصورات تؤثر في نتائجها وتطبيقاتها.

غير أن الإشكال المنهجي ظهر حين بقيت كثير من محاولات الأسلمة تتحرك داخل الإطار المعرفي الذي أنشأ تلك العلوم ابتداءً؛ فكانت تنطلق من نظريات صيغت خارج التصور الإسلامي، ثم تحاول بعد اكتمال بنائها أن تضفي عليها الشرعية بإيراد آية أو حديث، أو بإضافة قيمة أخلاقية توافق الإسلام. وهنا انتقل القرآن من موقع القيادة إلى موقع التأييد، ومن كونه الأصل الذي تُبنى عليه المعرفة إلى شاهد يُستدعى بعد اكتمال بنائها.

وهذا هو موطن المفارقة؛ إذ إن الوحي لم ينزل ليمنح الشرعية لمعارف تشكلت خارجه، وإنما نزل ليكون هو الميزان الذي تُوزن به المعارف كلها. فالقرآن لا يقف في نهاية الطريق ليبارك ما انتهى إليه العقل، بل يقف في بدايته ليهدي العقل إلى الطريق الصحيح، ويحدد له منطلقاته وحدوده وغاياته.

ولهذا لم يقدّم القرآن نفسه مرجعًا من جملة المراجع، وإنما المرجع الأعلى الذي ترجع إليه سائر المراجع. فهو لا يمنح الإنسان معلومات متفرقة بقدر ما يمنحه الرؤية التي تنتظم جميع المعلومات، فيعرّفه بخالقه، وبحقيقة الإنسان، وبوظيفته في الأرض، وبسنن الكون، وبغاية الوجود، ثم يوجه العقل إلى المنهج الصحيح في النظر والاستدلال. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وليس معنى “تبيان كل شيء” أن القرآن موسوعة تفصيلية في الفيزياء والطب والرياضيات، وإنما أنه تبيان للأصول الكلية، والقيم الحاكمة، والمقاصد الكبرى، والمناهج التي ينبغي أن تنتظم تحتها جميع العلوم.

ومن هنا يظهر الفرق الحقيقي بين المشروعين. فمشروع أسلمة العلوم يبدأ من العلوم القائمة، ثم يحاول تقريبها من القرآن. أما مركزية القرآن فتبدأ من القرآن نفسه، ثم تعيد النظر في الإنسان، وفي المعرفة، وفي المنهج، وفي الغاية، ثم تُنشئ العلوم على هذا الأساس. فالأول يسأل: كيف نجعل هذه العلوم إسلامية؟ أما الثاني فيسأل سؤالًا أعمق: كيف يريد القرآن أن نبني العلم أصلًا؟

إن الفرق بينهما ليس فرقًا في مقدار التدين، وإنما في المنهج المعرفي. فأسلمة العلوم كثيرًا ما تنشغل بتعديل النتائج، أما مركزية القرآن فتنشغل بإعادة بناء المقدمات التي تولد تلك النتائج. ولهذا فإنها لا تكتفي بإصلاح الثمرة، بل تعود إلى الجذر الذي أنتجها.

ولو أخذنا علم النفس مثالًا، فإن القضية ليست أن نضيف آيات عن النفس في مقدمة كتاب غربي، بل أن نعيد تعريف النفس ابتداءً كما عرفها القرآن؛ نفسًا مخلوقة، مكرمة، مكلفة، قابلة للتزكية والانحراف، مرتبطة بخالقها، لا مجرد كيان بيولوجي أو مجموعة دوافع مادية. وكذلك التاريخ لا يُقرأ بوصفه سلسلة من الوقائع السياسية والاقتصادية فحسب، بل باعتباره ميدانًا لسنن الله في قيام الأمم وسقوطها، وتحقيق وعده ووعيده. والاقتصاد لا يقوم على تعظيم المنفعة المجردة، وإنما على الاستخلاف والعدل والتزكية. والسياسة ليست إدارة للصراع على القوة، بل إقامة للحق والعدل وحفظ الدين والإنسان.

إن القرآن لا يضيف بعدًا أخلاقيًا إلى العلوم فقط، بل يعيد تعريف موضوعاتها، ويصحح مفاهيمها، ويحدد غاياتها، ويرسم حدودها. فهو لا يغير إجابات الأسئلة فحسب، بل يعيد صياغة الأسئلة نفسها؛ لأن السؤال الذي ينطلق من رؤية قرآنية ليس هو السؤال الذي تنشئه الفلسفات المادية أو الوضعية.

ولهذا فإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى الانتقال من مجرد “أسلمة العلوم” إلى “مركزية القرآن”. فالقضية ليست أن نبحث عن شاهد قرآني لكل نظرية، وإنما أن نجعل القرآن هو المنطلق الذي تتشكل في ضوئه النظريات، والمعيار الذي تُختبر به المناهج، والغاية التي تتجه إليها المعرفة.

إن الفرق بين المشروعين هو الفرق بين من يجعل القرآن خاتمة البحث، ومن يجعله بدايته؛ وبين من يجعل الوحي شاهدًا على المعرفة، ومن يجعله منشئًا لها؛ وبين من يسعى إلى تكييف العلوم مع الإسلام، ومن يعيد بناء المعرفة كلها على هداية القرآن.

وحين تستعيد الأمة هذه المركزية، لن يصبح القرآن مجرد كتاب يُستشهد به في هوامش الدراسات، بل سيعود كما أراده الله: قائدًا للعقل، وموجهًا للعلم، وميزانًا للحقيقة، ومصدرًا للرؤية التي تنتظم تحتها جميع المعارف، حتى تصبح العلوم خادمة للحق، شاهدة عليه، لا حاكمة عليه.

اقرأ المزيد

صف خليجي موحد في مواجهة التطورات بالمنطقة صف خليجي موحد في مواجهة التطورات بالمنطقة

الموقف المشترك الذي عبرت عنه جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، في إدانة العدوان... اقرأ المزيد

138

| 24 يوليو 2026

ويبقى باب السماء مفتوحاً ويبقى باب السماء مفتوحاً

في زحام الحياة، يظن بعض الناس أن كثرة الذنوب قد أغلقت أمامهم أبواب العودة، وأن ما اقترفوه من... اقرأ المزيد

123

| 24 يوليو 2026

لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد

ليست أخطر الخسائر أن تضعف لغة أمة، وإنما أن يضعف العقل الذي يحملها. فاللغة لا تموت حين تقل... اقرأ المزيد

144

| 24 يوليو 2026

مساحة إعلانية