رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سامي جاد الشامي

* معلم اللغة العربية - ⁠مدرسة أبو بكر الصديق

مساحة إعلانية

مقالات

294

سامي جاد الشامي

لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد

24 يوليو 2026 , 02:00ص

ليست أخطر الخسائر أن تضعف لغة أمة، وإنما أن يضعف العقل الذي يحملها. فاللغة لا تموت حين تقل مفرداتها، وإنما حين تتراجع قدرتها على صناعة إنسان يفكر، ويحلل، ويبدع، ويستنطق المعرفة بعقله لا بعقل غيره. وفي هذا العصر أصبح سيل المعلومات يتدفق بلا حدود، ويغدو الذكاء الاصطناعي حاضرًا في كل تفاصيل الحياة، لم يعد السؤال: كيف نستخدم التقنية؟ بل أصبح: كيف نحافظ على إنسانٍ يفكر في عصرٍ باتت الآلة تفكر فيه بالنيابة عنه؟ ومن هنا، فإن العربية ليست قضية تراثٍ نحتفي به، ولا مادةٍ دراسية نؤديها، بل هي مشروعٌ تربويٌّ وحضاريٌّ لصناعة العقول، وصيانة الهوية، والارتقاء بالمخرجات التعليمية في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية.

وبعد ما يقارب أربعين عامًا في تدريس اللغة العربية، أيقنت أن رسالة المعلم لا تنتهي عند تعليم القواعد، بل تبدأ منها لتكوين عقلٍ ناقد، يقرأ بوعي، ويفكر بعمق، ويميز بين الحقيقة والوهم. وما يبعث على القلق اليوم ليس تطور الذكاء الاصطناعي، بل الإفراط في الاعتماد عليه حتى أصبح بعض الطلاب يكتفي بالإجابة الجاهزة، فتضعف لديه مهارات البحث، والتحليل، والاستنباط، ويقع في أسر الاتكالية المعلوماتية والانكماش المعرفي، فيستقبل ما يُعرض عليه دون تمحيص، غثَّه وسمينه.

ولا يعني ذلك رفض الذكاء الاصطناعي؛ فهو من أعظم أدوات العصر إذا استُخدم بوعي، إذ ييسر التعلم، ويختصر الزمن، ويدعم الترجمة، والتحليل، والتدقيق اللغوي، وإنتاج المحتوى. غير أن قيمته الحقيقية تكمن في كونه معينًا على التفكير، لا بديلًا عنه.

ولتحقيق ذلك، لا بد من تبني آليات تربوية عملية، من أبرزها: أن يسبق استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي قراءةٌ وبحثٌ ذاتي، حتى يبقى العقل منتجًا للمعرفة لا مستهلكًا لها. وإلزام المتعلم بإعادة صياغة المعلومات بلغته، وتحليلها ونقدها، وربطها بواقعه، بدل نسخها كما هي. وتعزيز مهارات التحقق من المصادر، والمقارنة بين المراجع، واكتشاف ما قد تتضمنه بعض التطبيقات من أخطاء أو تحيزات. كما ينبغي إحياء ثقافة القراءة العميقة، والكتابة الإبداعية، والحوار والمناظرة، لأنها تنمي التفكير النقدي، وتصنع شخصية مستقلة، وترفع جودة المخرجات التعليمية. وفي المقابل، يجب تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة العربية بإثراء المحتوى الرقمي، وتطوير أدوات التدقيق اللغوي، والتطبيقات التعليمية، والمعاجم الذكية، مع تدريب المعلمين والطلاب على الاستخدام الأخلاقي والواعي لهذه التقنيات، حتى تبقى الكلمة الأخيرة للعقل البشري.

إن مستقبل لغتنا الخالدة لن تصنعه الخوارزميات وحدها، وإنما تصنعه عقولٌ تحسن الإفادة منها دون أن تخضع لها. فإذا نجحنا في غرس هذه الثقافة في مدارسنا، خرجت أجيال تمتلك العلم، وتحسن التفكير، وتعتز بهويتها، وتوظف الذكاء الاصطناعي لبناء المعرفة لا لاستهلاكها، وبذلك نضمن مخرجات تعليمية قادرة على قيادة المشروع الحضاري للأمة بثقة واقتدار.

• مدرب التنمية البشرية وتطوير الذات

اقرأ المزيد

القراءة حصن الوعي في زمن الفتن القراءة حصن الوعي في زمن الفتن

في سكونِ الليلِ، وعلى قِمَّةِ جبلٍ موحشٍ، كان قلبٌ يتأمَّلُ، وروحٌ تتساءلُ، وعينٌ تترقَّبُ آفاقَ الغيبِ؛ هناك في... اقرأ المزيد

303

| 22 مايو 2026

ضريبة المشروباتِ المحلاة ضريبة المشروباتِ المحلاة

في زمنٍ تتسارعُ فيه الإيقاعات، وتتنافسُ فيه المغرياتُ على اجتذابِ الإنسان، لم تعد التشريعاتُ الرشيدةُ مجرّدَ أدواتٍ تنظيمية،... اقرأ المزيد

408

| 01 مايو 2026

قَطرُ.. عبقرِيَّةُ الثَّباتِ ورِسالةُ السَّلامِ وبِناءُ الإنسانِ قَطرُ.. عبقرِيَّةُ الثَّباتِ ورِسالةُ السَّلامِ وبِناءُ الإنسانِ

ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ مسيرتَها الوادعةَ في ظلالِ الأمنِ والأمانِ، بعدَ أيّامٍ أثقلتْها التحدّياتُ،... اقرأ المزيد

918

| 27 مارس 2026

مساحة إعلانية