رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

648

سعدية مفرح

يدي الفارغة!

23 أغسطس 2026 , 11:09م

أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي، وأنا أعرف أن يدي هذه المرة فارغة.

هناك لحظات يصبح فيها الاعتذار أثقل من المشكلة نفسها، لأنك تعرف أن الشخص الذي أمامك لم يأتك مصادفة. جاءك لأنه يعرفك، أو لأنه جربك من قبل، أو لأنه يظن أن لديك منفذا إلى المكان الذي أُغلقت فيه كل الأبواب. جاءك وفي داخله شيء يشبه الاطمئنان، وأنت تستقبل ثقته وقلبك يعرف أن ما يطلبه أكبر من قدرتك.

أقسى ما في هذه اللحظة أن عجزك لا يشبه عجز الغريب. الغريب يستطيع أن يقول "لا أستطيع" ويمضي، أما حين يأتيك شخص قريب منك وهو يحمّل طلبه شيئا من ثقته بك، فإنك تشعر كأنك خذلت شيئا لم تعد تملكه وحدك. تصبح يداك فجأة موضع مساءلة، حتى لو لم تعدا تملكان شيئا تقدمانه.

وقد مررت بمثل هذه اللحظة أكثر من مرة. يأتيك شخص يحمل حاجة حقيقية، وربما يحمل معها حرجا كبيرا من السؤال، فتفهم من طريقة كلامه أنه لم يجد في نفسه شجاعة أن يسأل إلا لأنه وثق بك. تسمع التفاصيل، وتحاول أن تفكر في منفذ، وتراجع في رأسك أسماء الأشخاص والطرق والاحتمالات، ثم تصل إلى تلك النقطة التي تعرف عندها أن كل ما تملكه من رغبة في المساعدة لن يتحول إلى قدرة،

وهنا يبدأ ذلك الشعور الغريب بالعجز.

أن تريد شيئا بشدة، وأن تعجز عن تحقيقه، تجربة مختلفة تماما عن ألا ترغب فيه أصلا. الرغبة تمنح العجز وجها أكثر قسوة، لأنك ترى أمامك ما يمكن أن تفعله لو كانت الظروف أرحب، أو لو كان القرار في يدك، أو لو كنت تملك المفتاح الذي ظنك الآخرون تملكه.

أحيانا تكون المشكلة أن الناس يرون فينا أكثر مما نرى في أنفسنا. يعتقد أحدهم أنك تعرف شخصا يستطيع، أو أنك تستطيع الوصول إلى جهة ما، أو أن كلمتك ستفتح بابا، أو أن مكانتك ستمنح طلبه فرصة إضافية. وربما كان ظنه مفهوما تماما، لأنك ساعدت من قبل، ولأنك اعتدت أن تبحث عن حلول حين يتوقف الآخرون عند المشكلة. لكن القدرة على المساعدة ليست صفة ثابتة ترافقنا في كل الظروف. حتى الذين اعتدنا أن نراهم قادرين على حمل أعباء الآخرين، تمر بهم أيام تصبح فيها أيديهم مشغولة بحمل ما يخصهم.

وهذا شيء يصعب شرحه.

كيف تقول لشخص وثق بك إنك هذه المرة لا تملك شيئا؟ كيف تحافظ على صدقه تجاهك من غير أن تمنحه أملا زائفا؟ وكيف تقول الحقيقة من غير أن تبدو كأنك تتخلى عنه في اللحظة التي احتاجك فيها؟

ربما تكون الإجابة الأكثر إنسانية هي أن نعترف بعجزنا حين نعجز، من غير اختراع حلول وهمية، ومن غير وعود نعرف مسبقا أننا لن نستطيع الوفاء بها. أحيانا تكون الصراحة نفسها شكلا من أشكال الرحمة. حين تقول لشخص "أتمنى لو كنت أستطيع" فأنت لا تقدم له ما طلبه، لكنك تقدم له شيئا آخر: صدقك.

وقد ينسى بعض الناس أن الخذلان الحقيقي لا يأتي دائما من العجز. أحيانا يأتي من الادعاء. من أن تقول نعم وأنت تعرف أنها لن تتحول إلى فعل، أو أن تترك شخصا معلقا في انتظار وعد لا تملك مفاتيحه. لذلك فإن الاعتراف بالعجز، مهما كان مؤلما، أكرم من صناعة أمل مؤقت ثم ترك صاحبه يسقط منه.

ومع ذلك، يظل هناك ذلك الوجع الصغير الذي لا يراه أحد. أن تغلق الهاتف بعد حديث قصير مع شخص كان ينتظر منك شيئا، ثم تبقى تفكر فيه. تتمنى لو كانت لديك واسطة أقوى، أو فرصة أوسع، أو كلمة نافذة، أو حتى معجزة صغيرة تكفي لتغيير النتيجة. وتقول في سرك: لو كان الأمر بيدي لفعلت.

لكن الأمر ليس بيدك.

وهذه واحدة من الحقائق التي نتعلمها متأخرين: محبتنا للآخرين لا تمنحنا دائما القدرة على إنقاذهم. قد نحب شخصا كثيرا، ونقف إلى جواره بكل ما نملك، ثم نكتشف أن هناك أبوابا لا نملك مفاتيحها، وأقدارا لا نستطيع تعديل مسارها، وأشياء تتجاوز حسن النية مهما كان صادقا.

لذلك لا أقيس صدق المحبة دائما بما نستطيع أن نفعله للآخرين. أحيانا أقيسها بما نشعر به حين نعجز عن فعل شيء لهم. ذلك الألم الذي يمر في القلب حين تكون يدك فارغة، رغم أنك كنت تتمنى أن تكون ممتلئة، يقول شيئا عميقا عن علاقتك بذلك الشخص.

فاليد الفارغة قد تكون عاجزة، لكنها ليست بالضرورة خالية من المحبة.

وأصعب ما في الثقة حين توضع في أيدينا أن نكتشف، في اللحظة التي نحتاج فيها إلى الوفاء بها، أننا لا نملك سوى أن نحملها برفق، وأن نقول الحقيقة، وأن نبقى قريبين قدر ما نستطيع.

ربما لا نستطيع أن نفتح الباب الذي جاء الآخر يطلب مفتاحه، لكننا نستطيع، أحيانا، ألا نتركه واقفا أمامه وحده.

اقرأ المزيد

متى صار الفراغ تهمة؟ متى صار الفراغ تهمة؟

أجلس أحيانا أمام فنجان قهوة ولا أفعل شيئا. أترك الهاتف بعيدا، أو أقرأ صفحتين من كتاب ثم أضعه... اقرأ المزيد

363

| 09 أغسطس 2026

كيف خسرنا فن الاختلاف؟ كيف خسرنا فن الاختلاف؟

كنت أظن أن أجمل ما في الاختلاف أنه يفتح نافذة جديدة في جدار اليقين. وأن المرء يخرج من... اقرأ المزيد

489

| 02 أغسطس 2026

ثقافة الانتظار.. الفضيلة التي فقدناها! ثقافة الانتظار.. الفضيلة التي فقدناها!

كان الانتظار جزءا من إيقاع الحياة. كنا نعرف أن بعض الأشياء تحتاج إلى وقتها، وأن النضج لا يحدث... اقرأ المزيد

504

| 26 يوليو 2026

مساحة إعلانية