رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي، وأنا أعرف أن يدي هذه المرة فارغة.
هناك لحظات يصبح فيها الاعتذار أثقل من المشكلة نفسها، لأنك تعرف أن الشخص الذي أمامك لم يأتك مصادفة. جاءك لأنه يعرفك، أو لأنه جربك من قبل، أو لأنه يظن أن لديك منفذا إلى المكان الذي أُغلقت فيه كل الأبواب. جاءك وفي داخله شيء يشبه الاطمئنان، وأنت تستقبل ثقته وقلبك يعرف أن ما يطلبه أكبر من قدرتك.
أقسى ما في هذه اللحظة أن عجزك لا يشبه عجز الغريب. الغريب يستطيع أن يقول "لا أستطيع" ويمضي، أما حين يأتيك شخص قريب منك وهو يحمّل طلبه شيئا من ثقته بك، فإنك تشعر كأنك خذلت شيئا لم تعد تملكه وحدك. تصبح يداك فجأة موضع مساءلة، حتى لو لم تعدا تملكان شيئا تقدمانه.
وقد مررت بمثل هذه اللحظة أكثر من مرة. يأتيك شخص يحمل حاجة حقيقية، وربما يحمل معها حرجا كبيرا من السؤال، فتفهم من طريقة كلامه أنه لم يجد في نفسه شجاعة أن يسأل إلا لأنه وثق بك. تسمع التفاصيل، وتحاول أن تفكر في منفذ، وتراجع في رأسك أسماء الأشخاص والطرق والاحتمالات، ثم تصل إلى تلك النقطة التي تعرف عندها أن كل ما تملكه من رغبة في المساعدة لن يتحول إلى قدرة،
وهنا يبدأ ذلك الشعور الغريب بالعجز.
أن تريد شيئا بشدة، وأن تعجز عن تحقيقه، تجربة مختلفة تماما عن ألا ترغب فيه أصلا. الرغبة تمنح العجز وجها أكثر قسوة، لأنك ترى أمامك ما يمكن أن تفعله لو كانت الظروف أرحب، أو لو كان القرار في يدك، أو لو كنت تملك المفتاح الذي ظنك الآخرون تملكه.
أحيانا تكون المشكلة أن الناس يرون فينا أكثر مما نرى في أنفسنا. يعتقد أحدهم أنك تعرف شخصا يستطيع، أو أنك تستطيع الوصول إلى جهة ما، أو أن كلمتك ستفتح بابا، أو أن مكانتك ستمنح طلبه فرصة إضافية. وربما كان ظنه مفهوما تماما، لأنك ساعدت من قبل، ولأنك اعتدت أن تبحث عن حلول حين يتوقف الآخرون عند المشكلة. لكن القدرة على المساعدة ليست صفة ثابتة ترافقنا في كل الظروف. حتى الذين اعتدنا أن نراهم قادرين على حمل أعباء الآخرين، تمر بهم أيام تصبح فيها أيديهم مشغولة بحمل ما يخصهم.
وهذا شيء يصعب شرحه.
كيف تقول لشخص وثق بك إنك هذه المرة لا تملك شيئا؟ كيف تحافظ على صدقه تجاهك من غير أن تمنحه أملا زائفا؟ وكيف تقول الحقيقة من غير أن تبدو كأنك تتخلى عنه في اللحظة التي احتاجك فيها؟
ربما تكون الإجابة الأكثر إنسانية هي أن نعترف بعجزنا حين نعجز، من غير اختراع حلول وهمية، ومن غير وعود نعرف مسبقا أننا لن نستطيع الوفاء بها. أحيانا تكون الصراحة نفسها شكلا من أشكال الرحمة. حين تقول لشخص "أتمنى لو كنت أستطيع" فأنت لا تقدم له ما طلبه، لكنك تقدم له شيئا آخر: صدقك.
وقد ينسى بعض الناس أن الخذلان الحقيقي لا يأتي دائما من العجز. أحيانا يأتي من الادعاء. من أن تقول نعم وأنت تعرف أنها لن تتحول إلى فعل، أو أن تترك شخصا معلقا في انتظار وعد لا تملك مفاتيحه. لذلك فإن الاعتراف بالعجز، مهما كان مؤلما، أكرم من صناعة أمل مؤقت ثم ترك صاحبه يسقط منه.
ومع ذلك، يظل هناك ذلك الوجع الصغير الذي لا يراه أحد. أن تغلق الهاتف بعد حديث قصير مع شخص كان ينتظر منك شيئا، ثم تبقى تفكر فيه. تتمنى لو كانت لديك واسطة أقوى، أو فرصة أوسع، أو كلمة نافذة، أو حتى معجزة صغيرة تكفي لتغيير النتيجة. وتقول في سرك: لو كان الأمر بيدي لفعلت.
لكن الأمر ليس بيدك.
وهذه واحدة من الحقائق التي نتعلمها متأخرين: محبتنا للآخرين لا تمنحنا دائما القدرة على إنقاذهم. قد نحب شخصا كثيرا، ونقف إلى جواره بكل ما نملك، ثم نكتشف أن هناك أبوابا لا نملك مفاتيحها، وأقدارا لا نستطيع تعديل مسارها، وأشياء تتجاوز حسن النية مهما كان صادقا.
لذلك لا أقيس صدق المحبة دائما بما نستطيع أن نفعله للآخرين. أحيانا أقيسها بما نشعر به حين نعجز عن فعل شيء لهم. ذلك الألم الذي يمر في القلب حين تكون يدك فارغة، رغم أنك كنت تتمنى أن تكون ممتلئة، يقول شيئا عميقا عن علاقتك بذلك الشخص.
فاليد الفارغة قد تكون عاجزة، لكنها ليست بالضرورة خالية من المحبة.
وأصعب ما في الثقة حين توضع في أيدينا أن نكتشف، في اللحظة التي نحتاج فيها إلى الوفاء بها، أننا لا نملك سوى أن نحملها برفق، وأن نقول الحقيقة، وأن نبقى قريبين قدر ما نستطيع.
ربما لا نستطيع أن نفتح الباب الذي جاء الآخر يطلب مفتاحه، لكننا نستطيع، أحيانا، ألا نتركه واقفا أمامه وحده.
عتابٌ من الجهة الأخرى!
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما... اقرأ المزيد
705
| 12 أكتوبر 2026
هذه المرة لن نشعر بالذنب
أقسى ما يفعله الغياب أنه لا يأخذ الأشخاص وحدهم؛ يأخذ النسخة منّا التي كانت تضحك حين كانوا هنا.... اقرأ المزيد
381
| 05 أكتوبر 2026
أصدقاء.. حتى إشعار آخر!
العلاقات التي تقوم على الانتقاء المزاجي، علاقات قصيرة النفس، مهما طالت ظاهريا. فقد يستمر شخصان في معرفة بعضهما... اقرأ المزيد
384
| 28 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة كويتية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17349
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3915
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026