رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

330

سعدية مفرح

كيف خسرنا فن الاختلاف؟

02 أغسطس 2026 , 11:08م

كنت أظن أن أجمل ما في الاختلاف أنه يفتح نافذة جديدة في جدار اليقين. وأن المرء يخرج من الحوار أكثر معرفة، حتى عندما يظل متمسكًا برأيه. فالحوار الحقيقي لا يطلب منتصرًا، وإنما يطلب مساحة أوسع للفهم. غير أنني كلما تأملت ما يدور حولنا، ازددت اقتناعًا بأننا لم نعد نختلف بالطريقة التي تليق بعقولنا، وإنما أصبحنا نختبر قدرتنا على الخصومة أكثر مما نختبر قدرتنا على التفكير.

تبدو وسائل التواصل الاجتماعي وكأنها منحت الجميع حق الكلام، وهو حق جميل وعادل، لكنها في المقابل جعلت كثيرين يفقدون فضيلة الاستماع. صار كل رأي يقف داخل خندق، وكل صاحب رأي يبحث عن جيش يؤيده، وكل نقاش مرشح لأن يتحول إلى معركة صغيرة، تبدأ بجملة عابرة، وتنتهي بقائمة طويلة من الاتهامات، وكأن الاختلاف في تفسير قصيدة، أو في قراءة حدث سياسي، أو في تقييم رواية، يمس كرامة الأشخاص أكثر مما يمس الأفكار.

والمفارقة أن هذه المساحات التي وُلدت لتقريب البشر، صنعت بينهم مسافات جديدة. لم تعد الخلافات تُدار بين أفراد يتبادلون الحجج، وإنما بين هويات مغلقة، يحمل كل طرف تصورًا جاهزًا عن الطرف الآخر قبل أن يقرأ كلماته. لذلك يسبق الحكمُ الفهمَ، وتسبق النيةُ السيئةُ التأويلَ، ويصبح البحث عن الخطأ أهم من البحث عن الحقيقة.

أتذكر نقاشات طويلة كانت تدور بين كتّاب ومثقفين يختلفون في السياسة والأدب والفكر، ثم يغادرون الجلسة إلى فنجان قهوة أو إلى أمسية شعرية، من دون أن يشعر أحدهم بأن الآخر عدو. كانت القناعة راسخة بأن الأفكار تتغير، وأن البشر أكبر من آرائهم، وأن احترام الشخص لا يعني تبني موقفه. أما اليوم، فقد أصبح كثيرون يختصرون الإنسان في تغريدة، أو تعليق، أو موقف واحد، ثم يبنون عليه حكمًا نهائيًا، كأن حياة كاملة يمكن تلخيصها في بضعة أسطر.

وهذا التحول لم يصنعه الاختلاف، وإنما صنعته الطريقة التي نتعامل بها معه. فالمشكلة لا تكمن في كثرة الآراء، وإنما في تراجع القدرة على احتمال وجود رأي آخر. لذلك أصبح النقاش سريع الاشتعال، سريع الانكسار أيضًا. يخرج الجميع منه أكثر غضبًا، وأقل رغبة في الإصغاء، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية معلقة في مكانها.

وأخشى أن الأجيال الجديدة تتعلم هذا النموذج كل يوم. ترى أن الفوز في النقاش يتحقق بالسخرية، أو بالعبارة القاسية، أو بعدد المؤيدين، بينما تغيب عنها متعة التفكير الهادئ، ومتعة الاعتراف بأن الطرف الآخر قد يمتلك جزءًا من الحقيقة. وما من خسارة أكبر من أن يتحول الحوار إلى استعراض، وأن يصبح الرأي وسيلة لتأكيد الانتماء إلى مجموعة، أكثر من كونه محاولة لفهم الواقع.

حتى اللغة نفسها أصابها شيء من هذا التحول. فقد صارت الكلمات تُستخدم أحيانًا كسهام، بعد أن كانت جسورًا. وصارت بعض المفردات تحمل أحكامًا جاهزة أكثر مما تحمل معانيها الأصلية. لذلك تراجع الفضول المعرفي، واتسعت مساحة التصنيف، حتى بات السؤال الأول عن صاحب الفكرة، قبل الالتفات إلى الفكرة ذاتها.

ولعل أكثر ما يقلقني أن الاستقطاب لا يكتفي بإفساد النقاش العام، وإنما يتسلل إلى العلاقات اليومية أيضًا. نراه داخل الأسرة، وبين الأصدقاء، وفي أماكن العمل، وحتى في الأوساط الثقافية التي يفترض أن تكون أكثر رحابة. يكفي اختلاف صغير حتى يشعر أحد الطرفين بأنه مطالب بالدفاع عن وجوده، لا عن رأيه فقط. وهكذا تفقد العلاقات شيئًا من دفئها، لأن كل حوار يحمل احتمال القطيعة.

ولا أزعم أن العودة إلى الحوار الهادئ مهمة سهلة. فالإيقاع السريع، والرغبة في الظهور، وخوارزميات المنصات التي تكافئ المحتوى المثير، كلها تدفع نحو مزيد من الاستقطاب. ومع ذلك، يبقى القرار في النهاية قرارًا شخصيًا. يمكن لكل واحد منا أن يختار طريقة مختلفة في النقاش، وأن يمنح الآخر فرصة ليشرح فكرته كاملة، وأن يراجع رأيه إذا اكتشف ما يستحق المراجعة. فالتراجع عن خطأ ليس هزيمة، والاعتراف بوجاهة رأي آخر لا ينتقص من قيمة صاحبه، وإنما يضيف إلى رصيده الأخلاقي والعقلي.

أحسب أن المجتمعات التي تعرف كيف تختلف، تعرف أيضًا كيف تتقدم. فهي تبني أفكارها بالحوار، وتصون وحدتها باحترام التنوع، وتؤمن بأن الحقيقة لا يملكها صوت واحد. أما حين يصبح كل اختلاف إعلان خصومة، فإن الخسارة تتجاوز المتحاورين، وتمتد إلى الثقافة، وإلى التعليم، وإلى السياسة، وإلى الحياة اليومية كلها.

وربما كان السؤال الذي يستحق أن نبقيه مفتوحًا، هو هذا: متى فقدنا قدرتنا على الإصغاء؟ لأن استعادة الحوار تبدأ من تلك اللحظة التي نقرر فيها أن نفهم قبل أن نحاكم، وأن نختلف من غير أن نكسر الجسور التي نعبرها جميعًا نحو مستقبل أكثر اتساعًا.

اقرأ المزيد

فنّ الثبات في زمن التقلّب فنّ الثبات في زمن التقلّب

ليست الحياة طريقًا مستقيمًا مفروشًا بالطمأنينة، بل هي سلسلة من الفصول؛ يمر فيها الإنسان بأيام يظن أن السماء... اقرأ المزيد

189

| 06 أغسطس 2026

العقل في إجازة العقل في إجازة

هذا عنوان فيلم قديم عُرِضَ في مصر عام 1947 لمحمد فوزي وليلى فوزي وشادية. فيلم حافل بالضحك والغناء،... اقرأ المزيد

234

| 05 أغسطس 2026

كرة القدم ونحر القيم كرة القدم ونحر القيم

أطلق عليها ما شئت من عنوان، كرة القدم وقتل القيم! كرة القدم والرصاصة الأخيرة على القيم! كرة القدم... اقرأ المزيد

366

| 05 أغسطس 2026

مساحة إعلانية