رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

162

سعدية مفرح

ثقافة الانتظار.. الفضيلة التي فقدناها!

26 يوليو 2026 , 11:12م

كان الانتظار جزءا من إيقاع الحياة. كنا نعرف أن بعض الأشياء تحتاج إلى وقتها، وأن النضج لا يحدث بالقفز فوق المراحل، وأن الثمار التي تستحق القطاف تحتاج إلى شجرة تعرف كيف تصبر على الفصول. اليوم تبدلت علاقتنا بالوقت، وصار التأخير الصغير مصدر قلق، وأصبحت الرغبة في الحصول على كل شيء فورا تكاد تتحول إلى طريقة عيش كاملة.

نحن نعيش وسط وفرة من الأدوات التي تختصر المسافات وتسرّع الوصول. تصل الرسالة في لحظتها، وتصل المعلومة خلال ثوان، وتصل الطلبات إلى الأبواب قبل أن يبرد الشوق إليها. هذه السرعة منحتنا الكثير من الراحة، لكنها أخذت منا شيئا ثمينا لم ننتبه إلى فقدانه إلا حين بدأ يظهر أثره في تفاصيل حياتنا: القدرة على الانتظار.

الانتظار ليس وقتا فائضا كما أصبحنا نراه أحيانا، وإنما مساحة تتشكل فيها أشياء كثيرة. ففي لحظات الترقب الطويلة كانت الأفكار تجد طريقها إلى النضج، وكانت الأسئلة تكبر بهدوء قبل أن تصل إلى إجاباتها. الكاتب الذي يجلس أمام صفحة بيضاء ويمنحها وقتها، لا يكتب الكلمات فقط، وإنما يصغي إلى ما يتكون في داخله. والفنان الذي يعيد النظر في عمله مرة بعد مرة لا يبحث عن الكمال المستحيل، وإنما يحاول أن يمنح فكرته فرصة كي تكتمل.

لقد تغير مفهوم التعلم أيضا. صار كثير من الناس يريدون المعرفة كوجبة سريعة، يبحثون عن الخلاصة من دون المرور بطريق البحث والقراءة والتجربة. ومع أن الوصول إلى المعلومات أصبح أسهل من أي وقت مضى، فإن امتلاك المعرفة ما زال يحتاج إلى صبر طويل. فالكتب العميقة لا تكشف أسرارها لمن يمر على صفحاتها بعجلة، والأفكار الكبيرة لا تولد من قراءة عابرة، وإنما من علاقة طويلة بين القارئ والنص.

حتى العلاقات الإنسانية تأثرت بثقافة السرعة. أصبح بعض الناس يريدون الصداقة جاهزة، والثقة مكتملة، والقرب متاحا من اللحظة الأولى. لكن القلوب مثل الحدائق، تحتاج إلى عناية متواصلة وإلى وقت يكشف طبيعة الأشياء. فالمحبة الحقيقية لا تُقاس بسرعة بدايتها، وإنما بقدرتها على البقاء حين تمر الأيام بتقلباتها.

ولعل أكثر ما نخسره حين نفقد ثقافة الانتظار هو قدرتنا على احتمال الطريق. صرنا نركز كثيرا على الوصول وننسى أن الطريق نفسه يحمل دروسا لا تمنحها النهايات. الطفل الذي يتعلم الصبر على إنجاز مهمة، والشاب الذي ينتظر فرصة عمل مناسبة، والكاتب الذي يعمل سنوات على كتاب واحد، جميعهم يتعلمون معنى عميقا للحياة: أن القيمة لا تأتي دائما من السرعة، وأن بعض الأشياء الجميلة تحتاج إلى وقت كي تصبح جديرة بنا.

الانتظار أيضا يعلّمنا التواضع أمام قوانين الحياة. فهناك مواسم للزرع ومواسم للحصاد، وهناك أحلام تتأخر لأنها تحتاج إلى أصحاب أكثر استعدادا لها. وربما كانت بعض التأخيرات التي نغضب منها تحمل في داخلها حماية خفية أو فرصة لإعادة النظر.

لا يعني ذلك أن نرفض التطور أو نعود إلى بطء الماضي، فالتقدم حاجة بشرية، والسرعة في كثير من المجالات نعمة حقيقية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول السرعة إلى معيار وحيد للحكم على الأشياء، وحين يصبح كل ما يحتاج إلى وقت موضع شك أو ملل.

نحتاج إلى استعادة علاقة أكثر اتزانا مع الزمن. أن نمنح الكتاب وقته، والمشروع فرصته، والعلاقة نموها الطبيعي، وأن نفهم أن بعض الإنجازات تشبه الأشجار العتيقة؛ لا تلفت النظر وهي تنمو، لكنها تمنح الظل حين تشتد الحاجة إليه.

ثقافة الانتظار ليست دعوة إلى التأجيل أو الكسل، وإنما هي احترام لإيقاع الأشياء. إنها قدرة هادئة على البقاء بالقرب من الحلم حتى يكتمل، وعلى مواصلة الطريق حتى حين لا تظهر النتائج سريعا. وربما كانت هذه الفضيلة القديمة واحدة من أكثر ما نحتاج إليه اليوم، لأن الحياة التي تركض كثيرا قد تصل إلى أماكن كثيرة، لكنها تحتاج أيضا إلى لحظة تتوقف فيها لتسأل: ماذا فقدنا ونحن نسرع؟

اقرأ المزيد

قبل أن تصدقوا أن العدوان انتهى قبل أن تصدقوا أن العدوان انتهى

1000 يوم، بل وتجاوزناها منذ أن سُمي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حربا ونحن نعلم بأن الحرب يجب... اقرأ المزيد

51

| 28 يوليو 2026

من يدفع ثمن الحرب.. ومن يقبض عائدها؟ من يدفع ثمن الحرب.. ومن يقبض عائدها؟

بعد قرابة خمسة أشهر على اندلاع الحرب على إيران، ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: الطرف الذي شارك في... اقرأ المزيد

45

| 28 يوليو 2026

المرء نِتاج خلواته ! المرء نِتاج خلواته !

ما أجدى بذي اللُب أن يتعهّد رياض نفسه بالعناية والاهتمام، في زمنٍ تسارعت فيه الأنفاس وتزاحمت الملهيات، وأن... اقرأ المزيد

87

| 27 يوليو 2026

مساحة إعلانية