رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


[email protected]
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

345

خولة البوعينين

المرء نِتاج خلواته !

27 يوليو 2026 , 11:40م

ما أجدى بذي اللُب أن يتعهّد رياض نفسه بالعناية والاهتمام، في زمنٍ تسارعت فيه الأنفاس وتزاحمت الملهيات، وأن يرتاد لروحه من الخلوات ظلالاً وارفة يسعه فيها أن يُعيد النظر في مسارات خطوه ومقاصد قلبه، ويتلمس ما تستقبله من الأنوار الإلهية وما يتفلت منها من الرشد.. فكما قيل: (ما المرء إلا نتاج خلواته)، حيث تسقط الأقنعة وتتضح الرؤية وتسكن بعد الاضطراب لجة الحياة. 

وفي تلك البراحة الزمكانية الخاصة، يتعاطى المرء مع روحه بأعلى درجات الرحمة والتفهم، فيستقبلها استقبال الحبيب الأثير، ويترفق بها ترفق المشفق الحاني، ويزكيها زكاة الداني من القريب المجيب، فيطهرها من دنس الماديات، ويستقبل أنوار الله فيها كمصباحٍ يُزهر في مشكاة الجسد، متأملاً حاله ومقامه، وما قدّم لنفسه وما أسرف!

وفي رحاب هذه العزلة المنيرة، يتجلى مقام الشكر كأعظم قوتٍ وأجزل زاد للروح، حيث يلتفت المرء بقلبٍ مُخبتٍ شاكر لكل فضلٍ ونعمة أحاطت به، فيشكر الله على منة الهداية، وعلى أفضال النور والستر، بل وحتى على العثرات التي أدبته وجمّلت روحه، ليكون الشكر في هذه الخلوة ريحاناً للقلب وقراراً، وروضاً ينبتُ الرضا والصفاء ثماراً تفتح أبواب الزيادة والنماء. 

وهذا الامتنان الصادق يورث النفس حالة غامرة من الاتساع والانشراح، فتتحرر الروح من ضيق الأنانية وسجن الأفكار المحدودة، لتتسع الرؤية وتستوعب الكون الفسيح برحابة صدر وعمق بصيرة. 

عندها، ينطلق المرء من خلوته تلك ساعياً في أرض الله الواسعة بقلبٍ رحب ومقبل على الحياة، يتبع في مسيرته سبيل الهدى، ويأنس بحكمة الحكيم الرشيد، ويستهدي بعلم الواسع العليم الذي يملأ الآفاق بسعته ورحمته. 

حيث استصحب هذا العابر في خلواته ما يعينه على وعثاء الطريق، وتقوّت في عزلاته ما يسانده في استدلال السداد، واستراح فيها من ثقل الفكر العقيم، ليعود إلى عالمه بروحٍ متسعة بيضاء وقاّدة قادرةٍ على الاحتواء، فما أجمل حال عابر سبيل يستهدي فيُهدى، و يسأل عن الدرب فيدّل.

لحظة إدراك: 

ما أجلّ أن يتبين للمرء أن اتساع الآفاق من حوله مشروط بمدى صفاء مرآته الداخلية، فكلما لهج الفؤاد بالحمد في عزلته، انقشعت حُجب الضيق عن بصيرته، ليرى الوجود بعين الواسع العليم، ويستشعر سابغ الفضل من الشكور العظيم.

مساحة إعلانية