رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

51

سعدية مفرح

ماذا صنعت بنا الكتب؟

16 أغسطس 2026 , 11:10م

يمكن أن نعرف كثيرا من الكتب، ولا نعرف كثيرا عن الحياة. وقد نحفظ أسماء المفكرين والشعراء، ثم نكتشف أن هذه المعرفة لم تغيّر شيئا في الطريقة التي ننظر بها إلى شخص يختلف عنا، أو إلى إنسان أخطأ، أو إلى فكرة كنا نرفضها قبل أن نسمعها كاملة. هنا يبدأ السؤال الأهم: ماذا فعلت الثقافة بنا؟

الثقافة الحقيقية تظهر في الأثر الذي تتركه القراءة في الداخل. عدد الكتب التي قرأناها مهم، والأهم أن نكتشف أننا صرنا أكثر قدرة على الفهم، وأكثر استعدادا لمراجعة أحكامنا.

قد يقرأ شخص مكتبة كاملة ويبقى أسير الأفكار نفسها التي دخل بها إلى المكتبة. يقرأ ليؤكد ما يعرفه. وقد تكفي قارئا آخر جملة واحدة لتفتح له نافذة جديدة. ليست قيمة القراءة في عدد الصفحات وحده، وإنما في اللحظة التي تنتقل فيها الكلمات من الورق إلى طريقة النظر.

لهذا أحب الثقافة التي تترك صاحبها أكثر تواضعا أمام المعرفة. كلما قرأنا أكثر، اتسعت أمامنا مساحة ما نجهله. وأحيانا تكون الثقافة في القدرة على تغيير الرأي حين نكتشف أن حكمنا الأول كان ناقصا. الهزيمة الحقيقية أن نعرف أننا أخطأنا ثم نواصل الدفاع عن الخطأ حفاظا على صورة رسمناها لأنفسنا أمام الآخرين.

والقراءة الحقيقية توسع دائرة التعاطف. حين نقرأ رواية جيدة، ندخل حياة أشخاص لم نلتق بهم، ونرى العالم من زاوية لم تكن زاويتنا، ونفهم خوفا لم نجربه. وحين نقرأ التاريخ، ندرك أن الأشخاص الذين نراهم من مسافة زمنية كانوا، في لحظتهم، بشرا لهم مخاوفهم وأحلامهم وأخطاؤهم.

وبالتالي يمكن أن تصبح الحكاية معرفة من نوع خاص. إنها تعلمنا أن الحكم على الناس من لقطة واحدة ظلم غالبا، وأن خلف كل موقف قصة لا نعرفها كاملة. وقد يصبح الكتاب تمرينا على العدالة الإنسانية: أن نتأنى قبل الإدانة، وأن نبحث عن السياق، وأن نترك مساحة لاحتمال أن تكون الصورة أكبر مما وصل إلينا.

ومع ذلك، ليست كل قراءة معرفة. يمكن لشخص أن يعرف تاريخ فكرة كاملة، ولا يعرف كيف يتعامل مع صاحبها المختلف عنه. هنا تنكشف المسافة بين المعرفة والثقافة.

المعلومة تصبح ثقافة حين تتحول إلى طريقة في النظر. والحكاية تصبح وعيا حين تجعلنا نفهم الآخر بقدر أكبر من الإنصاف. والكتاب يصبح جزءا من حياتنا حين يتجاوز مكانه على الرف، ويظهر في قراراتنا، وفي لغتنا، وفي علاقتنا بالاختلاف.

لذلك لا أحب السؤال عن عدد الكتب التي قرأها شخص ما قبل أن أعرف ماذا صنعت به تلك الكتب. قد يكون الأجدى أن نسأله عن كتاب غيّر رأيه، أو فكرة أزعجته ثم عاد إليها.

فالكتاب الجيد لا يمنحنا دائما إجابة جاهزة. أحيانا يمنحنا سؤالا جديدا، وهذا كاف. وربما كانت إحدى وظائف الثقافة أن تجعل أسئلتنا أكثر نضجا، وأحكامنا أقل عجلة.

الثقافة التي أحبها يمكن أن نراها في التفاصيل الصغيرة: في شخص يصغي قبل أن يحكم، وفي قارئ يستطيع أن يقول “كنت مخطئا”، وفي صاحب معرفة لا يستخدمها لإذلال من يعرف أقل منه، وفي إنسان يكتشف أن اختلاف الآخرين عنه لا ينتقص من إنسانيتهم.

عند هذه النقطة تصبح القراءة أكثر من عادة جميلة. تصبح طريقة في العيش. وما نقرؤه لا يبقى محصورا بين غلافي الكتاب، وإنما يمشي معنا إلى البيت والعمل، ويظهر حين نختلف، وحين نغضب. هناك، في الحياة نفسها، يمكن أن نعرف إن كانت الكتب قد وصلت إلينا حقا.

فالثقافة في نهايتها ليست ما نستطيع أن نقوله عن الكتب، وإنما ما أصبحت الكتب قادرة على أن تفعله بنا. وكلما جعلتنا القراءة أوسع قلبا، وأكثر عدلا في الحكم، وأقل خوفا من مراجعة أنفسنا، اقتربنا من المعنى الحقيقي للثقافة. عندها فقط تصبح الكتب جزءا من الطريقة التي نرى بها الحياة ونعيشها.

مساحة إعلانية