رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سامي جاد الشامي

* معلم اللغة العربية - ⁠مدرسة أبو بكر الصديق

مساحة إعلانية

مقالات

207

سامي جاد الشامي

الأسرة في مَهَب الشاشات... كيفَ نوقد دفءَ الحَياة؟

06 أغسطس 2026 , 10:47م

لم تعد بيوتنا تهدّدها الجدران المتصدّعة، ولا ضيق المساكن، وإنما تهدّدها شاشات لامعة تشيّد بين القلوب أسوارا صامتة لا ترى. فكم من أسرة تجلس على مائدة واحدة، ولكن لكلّ فرد منها عالمه الخاص، وكم من أب حاضر بوجهه، غائب بقلبه، وكم من أمّ تقلّب صفحات هاتفها أكثر مما تقلّب صفحات وجوه أبنائها، حتى غدا الطفل يتيم الحوار، وإن كان بين أبويه، وغدت البيوت عامرة بالأجهزة، خاوية من الأنس.

دخلت التقنية بيوتنا ضيفا كريما، تحمل العلم والتواصل والمعرفة، ثم ما لبثت أن استأثرت بالمجلس، وكادت تستولي على المشاعر، حتى صار كثير من الناس يحسنون الحديث إلى البعيد، ويعجزون عن الإصغاء إلى القريب. وليس الخطر في الهاتف نفسه؛ فهو نعمة إذا أحسن استعمالها، ولكنّ الخطر أن تتحوّل الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح الإنسان أسير إشعار عابر، بينما يؤجّل كلمة محبة، أو نظرة اهتمام، أو حضنا دافئا، كانت كفيلة بإحياء قلب صغير.

والأسرة في التصوّر الإسلامي ليست سقفا يجمع الأجساد، بل سكينة تظلّل الأرواح، ورحمة تؤلّف القلوب؛ قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم مّن أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مّودّة ورحمة﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله». فلا تبنى هذه السكينة بإشعارات الهواتف، وإنما تبنى بحسن الإصغاء، وجميل الحديث، وتبادل الدعاء، وصناعة اللحظات التي تصبح بعد أعوام أجمل الذكريات.

وأشدّ ما يؤلم أنّ الطفل لا يطلب هاتفا أحدث، وإنما يطلب أبا أكثر حضورا، وأمّا تتقن صناعة الذكريات قبل جمع الصور. إنّ الصغار لا يحفظون عدد الألعاب التي اقتنيت لهم، ولكنهم يحفظون من شاركهم اللعب، ولا يتذكّرون ثمن الهدايا، بل حرارة اليد التي احتضنتهم، والكلمة التي رفعت هممهم، والابتسامة التي بدّدت خوفهم.

وليس علاج هذه الأزمة في كسر الأجهزة، وإنما في كسر سلطانها على القلوب. فلتعلن الأسرة ساعة يومية للحياة، تطفأ فيها الشاشات وتفتح القلوب، ولتكن مائدة الطعام ميثاقا لا يدنّسه هاتف، وليكن في كلّ أسبوع مجلس أنس عائليّ تتلى فيه آية، أو تروى سيرة، أو يناقش كتاب، أو تمارس لعبة جماعية، أو تنفّذ مبادرة تطوعية يشترك فيها الأبناء؛ فالأعمال المشتركة تشيّد جسور المحبة أكثر مما تصنعه الخطب الطويلة. كما يجدر بالوالدين أن ينشئا ميثاقا أسريّا رقميّا يشارك الأبناء في صياغته، يوازن بين حقّ التقنية وحقّ الأسرة، فينشأ الالتزام عن قناعة لا عن إكراه.

إنّ أعظم استثمار ليس في اقتناء أحدث الأجهزة، بل في بناء إنسان مطمئنّ القلب، وبيت تظلّله المودّة والرحمة. فإذا عاد الحوار إلى المجالس، والابتسام إلى الوجوه، والدعاء إلى الألسنة، عادت البيوت تنبض بالحياة، وانكسرت برودة الشاشات، وبقيت الأسرة حصنا للإيمان، ومصنعا للقيم، وواحة يلوذ بها الأبناء كلما اشتدّ صخب العالم.

مساحة إعلانية