رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالله محمد بهزاد

عبدالله محمد بهزاد

مساحة إعلانية

مقالات

192

عبدالله محمد بهزاد

ولماذا يبدأ بناء الفريق قبل الجولة الأولى؟

23 أغسطس 2026 , 11:10م

في أحد التدريبات، لاحظتُ لاعباً موهوباً بدأ تركيزه يتراجع تدريبةً بعد أخرى. لم أوجّه له كلمة، اكتفيت بنظرة طويلة في لحظة لم يكن يتوقّعها. في التدريب التالي، عاد كأنّه لم يغب يوماً. هذا الموقف علّمني أنّ أهمّ ما يقوله المدرّب لا يخرج من فمه دائماً، وأنّ الرسالة الصحيحة في اللحظة الصحيحة قد تصنع في اللاعب ما لا تصنعه شهور من التدريب.

الرسائل التي لا تُنطق

يظنّ البعض أنّ دور مدرّب الفئات السنية يقتصر على تعليم المهارات ورسم الخطط، لكنّ من عاش هذه التجربة يعرف أنّ الأمر أعمق. المدرّب لا يتعامل مع لاعبين فقط، بل مع شخصيات لا تزال تتشكّل ذهنياً وعاطفياً. وأهمّ رسائله تصل عبر تفاصيل صغيرة: نبرة الصوت عند تصحيح خطأ، نظرة بعد فرصة ضائعة، أو لحظة صمت في موقف يتوقّع فيه اللاعب التوبيخ.

ما أراه في الميدان

من موقعي المتواضع، ألاحظ أنّ منظومتنا الكروية تُعطي جهداً كبيراً لبناء قدم اللاعب، لكنّها تفتقر إلى إطار يوجّه المدرّب حين يواجه مواقف حسّاسة: كيف يتحدّث بعد الفوز؟ كيف يواسي بعد الخسارة؟ كيف يتعامل مع لاعب تراجع مستواه فجأة؟ كيف يدير حالة عدم انضباط دون أن يكسر لاعباً؟ هذه مواقف يومية، لكنّ الاستجابة لها تُترك للاجتهاد الشخصي، بلا مرجعية.

وتكشف الدراسات أنّ نحو ٧٠٪ من الرياضيين الشباب يعتزلون قبل سنّ الرابعة عشرة، والسبب الأوّل ليس نقص الموهبة، بل البيئة النفسية وطريقة تعامل المدرّبين معهم في اللحظات المفصلية.

❝ اقرأ لاعبيك نفسياً قبل أن تقرأهم فنياً ❞

تجارب عالمية تستحقّ التأمّل

في أوروبا، بدأت الأكاديميات الكبرى تنظر إلى تواصل المدرّب بوصفه مهارة تدريبية بحدّ ذاتها. أكاديمية MBP في برشلونة تعلّم مدرّبيها متى يستخدمون التوجيه المباشر ومتى يستخدمون الاكتشاف الموجَّه — أي أن يسأل المدرّب لاعبه سؤالاً بدل أن يعطيه إجابة. والاتحاد الإنجليزي (FA) اعتمد نموذجاً رسمياً لتخطيط الرسائل وتكييفها حسب الفئة العمرية، فما يُقال للطفل في التاسعة يختلف جذرياً عمّا يُقال للاعب في السابعة عشرة.

لكنّ ما تشترك فيه هذه النماذج، أنّها تتعامل مع مبادئ عامّة، لا مع مواقف محدّدة يتكرّر ظهورها في مسيرة كلّ فريق.

اقتراح متواضع

أعتقد أنّ الوقت قد حان لطرح فكرة تستحقّ التأمّل: بناء إطار مرجعي محلّي يُرشد مدرّب الفئات السنية إلى مبادئ أساسية للتواصل في المواقف الأكثر تكراراً — الفوز، الخسارة، تراجع المستوى، عدم الانضباط، لحظة مواجهة الفرق الكبرى — بحيث لا يبقى المدرّب وحيداً في مواجهة هذه اللحظات، ولا تُترك رسائله للحظّ. إطارٌ لا يحدّ من شخصية المدرّب، بل يمنحه أرضاً صلبة يبني عليها اجتهاده.

ما يبقى بعد البطولات

بناء لاعب كرة قدم في الفئات السنية لا يعتمد على تطوير المهارة وحدها، بل على بناء عقلية قادرة على الفهم والتكيّف واتّخاذ القرار. ولهذا تتجاوز العلاقة بين المدرّب واللاعب حدود التدريب التقليدي، لتصبح عملية تربوية متكاملة. وقد يكون أعظم إنجاز لمدرّب الفئات السنية ليس الفوز ببطولة، بل أن يبقى في ذاكرة لاعبه ذلك الشخص الذي علّمه أنّ كرة القدم ليست مجرّد لعبة، بل مدرسة للحياة.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية