رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالله محمد بهزاد

عبدالله محمد بهزاد

مساحة إعلانية

مقالات

123

عبدالله محمد بهزاد

اللاعب القطري.. مشروع وطني ينتظر

12 أغسطس 2026 , 11:20م

في كلّ منطقة من قطر، يوجد طفل يركض خلف الكرة في فناء منزله، تتفتّح موهبته أمام عينَيْ أبيه، لكنّه يسمع منذ صغره الجملة نفسها: «الدراسة أوّلاً يا بُنَيّ… الكرة لا مستقبل لها». هذي الجملة، التي تُقال بدافع الحبّ والخوف، هي التي تخسرنا، كأمّة، نصف مواهبنا الكروية كلّ عام، دون أن نلاحظ.

الثقافة… الحاجز الصامت

لا تنقصنا في قطر الموهبة الكروية، ينقصنا الإطار الذي يسمح لهذي الموهبة بأن تكتمل. الأسرة القطرية، بطبيعتها المحافظة وتقديرها للعلم، تطلب من ابنها أن يدرس قبل أن يلعب. ولا يمكن لومها على ذلك، فهي تتصرّف بحكمة. لكنّ هذي الحكمة، حين تصطدم بواقع كرة القدم الذي يتطلّب تفرّغاً كاملاً منذ الصغر، تتحوّل إلى مقصلة تذبح المواهب قبل أن تكبر. اللاعب الذي كان يمكن أن يصبح نجماً، يصبح طالب جامعة عادياً، يحمل في قلبه حسرة لا يفهمها سوى من عاشها.

كم أكرم عفيف خسرناه؟

كنّا نحتفل قبل سنوات بأكرم عفيف وهو يقود منتخبنا إلى لقب كأس آسيا، ينظر العالم إلى موهبته فيظنّها استثناءً، ونظنّ نحن أنّها صدفة سعيدة. لكنّ الحقيقة أصعب وأعمق: أكرم عفيف ليس استثناءً، بل هو ما يجب أن يكون قاعدةً عندنا. كم أكرم يوجد الآن في أندية الدوحة، والريّان، والوكرة، والخور؟ كم منهم يجلس خلف مكتبٍ في وزارة أو شركة، بينما كان يمكن أن يُشعل دفاعات أوروبا؟

لم نُنتج أكرم واحداً فقط لأنّنا لا نملك سواه من الموهبة، بل لأنّ المسار الذي قاده إلى ما هو عليه، مسارٌ ضيّق، لا يتّسع إلا لقلّة. والبقيّة… ضاعت في الزحام.

« الموهبة في قطر ليست مفقودة… المسار هو المفقود»

مشروع يجمع لا يفرّق

التحدّي إذن ليس في الموهبة، بل في المسار. والمسار يحتاج إلى مشروع وطني يكسر معادلة «إمّا الدراسة أو الكرة»، ويستبدلها بمعادلة جديدة: «الدراسة مع الكرة». وما يميّز هذا التصوّر أنّه لا يحتاج إنشاء بنى مؤسّسية جديدة من الصفر، بل يستثمر في مؤسّسات قائمة بالفعل ويُعيد تنسيقها حول هدف وطني واحد.

مراحل المسار… من المعسكر إلى العودة

يقوم المشروع على ثلاث مراحل متكاملة:

المرحلة الأولى: الاختيار والإعداد (سنتان إلى ثلاث). ترشّح الأندية القطرية لاعبيها المميّزين من فئات الأشبال والأمل والواعدين. ثم تختار لجنة فنية مستقلّة، أساسها كوادر المنتخب الوطني، اللاعبين الأكثر استعداداً سنوياً. هؤلاء يدخلون معسكرات فنية مكثّفة يديرها الاتحاد القطري لكرة القدم، تستمرّ سنتين إلى ثلاث، يُجهَّز فيها اللاعب فنّياً، وذهنياً، ولغوياً، وثقافياً للمرحلة الأوروبية القادمة.

المرحلة الثانية: الابتعاث (ثلاث سنوات في أوروبا). بعد إنهاء المرحلة الثانوية، يُوفَد اللاعب إلى دولة مختارة بعناية — بريطانيا، فرنسا، أو ألمانيا — حيث يجمع بين أمرين: الالتحاق بجامعة مرموقة في تخصّص يختاره، والاحتراف الكروي الرسمي في نادٍ أوروبي شريك، انطلاقاً من فريق تحت ١٩، ضمن عقد مسبق يضمن دقائق لعب فعلية مقابل التزام مادي. ومع تطوّره، يصعد تدريجياً إلى الفريق الأوّل، تماماً كأيّ لاعب نادٍ أوروبي. وفي هذي المرحلة، يقوم الملحق الرياضي — منصب يُقترح استحداثه ضمن السفارات القطرية في هذي الدول — بدور الإشراف الكامل: متابعة الجامعة، التنسيق مع النادي، ومراقبة الجانب النفسي والشخصي للاعب.

المرحلة الثالثة: العودة والاندماج (سنّ ٢١-٢٣). يعود اللاعب إلى وطنه بعقد احترافي مع ناديه القطري، يحمل في يده شهادة جامعية معتمدة، وفي رصيده خبرة احترافية أوروبية صقلت قدراته فنياً وذهنياً. هنا تظهر العبقرية الحقيقية للمشروع: شراكته مع وزارة العمل، على نموذج البعثات الجامعية الحكومية القائم منذ سنوات. كما تبتعث الوزارة طلاباً بعقود توظيف لاحقة في مؤسّسات الدولة، يصبح بإمكانها أن تبتعث لاعبين بنفس المنطق، فيضمن كلّ خرّيج مساراً وظيفياً يجاور مسيرته الكروية.

وحتى في الحالات الاستثنائية التي قد لا يكتمل فيها المسار الكروي — بسبب إصابة أو عدم تأقلم — تبقى للّاعب شهادته الجامعية ووظيفته المضمونة. هذا الضمان المزدوج هو الذي يجعل الأسرة القطرية، أخيراً، تطمئنّ. ليس لأنّها تكره الكرة، بل لأنّها تخاف على ابنها من المجهول. والمشروع يحذف المجهول من المعادلة.

أسباير لن تكون وحدها

قد يُقال: ألا نملك أسباير؟ ولماذا نحتاج مساراً آخر؟

الجواب بسيط: أسباير أكاديمية رائدة، أنجبت أكرم عفيف وأمثاله، وتستحقّ كلّ التقدير. لكنّها — بحكم طبيعتها كأكاديمية نخبوية — تستوعب عدداً محدوداً من المواهب. ولأنّها قناة واحدة، فإنّها تترك خلفها مواهب كثيرة لم تختَرها لأسبابٍ شتّى. هذا المشروع ليس بديلاً عنها، بل رديفٌ لها، يلتقط ما لم تلتقطه، ويوسّع قاعدة اللاعب القطري المحترف. فبدل أن تكون عندنا قناة واحدة، تصبح عندنا قناتان متوازيتان، كلتاهما تخدم الهدف الواحد: منتخب وطني قوي، ولاعب قطري كامل. والمنافسة بين القناتين، إن نشأت، فهي منافسة محمودة.

ما وراء الكرة

هذا المشروع، حين ننظر إليه من بعيد، ليس مشروعاً كروياً فحسب. هو مشروع هوية؛ رسالة من الدولة إلى أبنائها بأنّها تؤمن بهم، وأنّها مستعدّة لأن تستثمر فيهم كما تستثمر في باقي القطاعات. وهو مشروع قوّة ناعمة؛ لاعبٌ قطريّ يلعب في دوريات أوروبا، يحمل اسم بلاده، ويبني جسوراً ثقافية أينما حلّ. وهو، أخيراً، مشروع ثقافي؛ يعيد تشكيل علاقة الأسرة القطرية بكرة القدم، فلا تعود «هواية لا مستقبل لها»، بل مهنة محترمة تجاور أيّ تخصّص آخر.

كلمة أخيرة

السؤال الذي يستحقّ أن نطرحه على أنفسنا، ليس: هل نملك المواهب؟ نملكها بوفرة. السؤال الحقيقي هو: هل نملك الجرأة لبناء المسار الذي يسمح لهذي المواهب بأن تظهر؟

في كلّ بيتٍ قطريّ يوجد طفل تنبض في قدمه الكرة، وأبٌ خائف على مستقبله. مهمّتنا، كأمّة كرة قدم، أن نطمئن الأب، ونحرّر الطفل. فبين هذي الطمأنينة وذلك التحرير، يولد أكرم عفيف القادم.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية