رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

شيخة العلوي

مساحة إعلانية

مقالات

156

شيخة العلوي

الخليج... بيت واحد لا تهدمه بثوث الفتنة

14 أغسطس 2026 , 12:55ص

ليس من الطبيعي أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات تزرع فيها الكراهية بين شعوب يجمعها تاريخ واحد، ودين واحد، ودم واحد، ومصير واحد. فما نشهده اليوم في منصات التواصل الاجتماعي مثل منصة إكس ومن بعض بثوث “تيك توك” لم يعد مجرد خلافات عابرة بين أشخاص، بل أصبح مشروعاً قائماً على إثارة الفتن، وإشعال التعصب، وصناعة العداوات بين أبناء الخليج، وكل ذلك من أجل المشاهدات والانتشار.

الخليجيون لم يكونوا يوماً شعوباً متفرقة، بل كانوا أسرة كبيرة، اختلفوا أحياناً كما تختلف كل الأسر، ومروا بأزمات كما تمر بها كل العلاقات، لكنهم كانوا دائماً يدركون أن الخلاف لا يلغي الأخوة، وأن العتب لا يقطع المحبة، وأن ما يجمعهم أكبر بكثير من أي موقف سياسي أو رأي مختلف.

نحن في الخليج قد نختلف، وقد تشتد بيننا النقاشات، وقد نعاتب بعضنا، لكننا نعرف أيضاً متى يجب أن نقف صفاً واحداً. فلا يجوز أن يتحول أي خلاف عابر إلى باب يتسلل منه من يريد أن يزرع الشقاق بيننا، أو أن يستغل اختلافاً مؤقتاً ليصنع منه عداوة دائمة. فالبيت الواحد قد يرتفع فيه الصوت أحياناً، لكنه لا يسمح لغريب أن يعبث بأركانه أو يفرق بين أهله.

من المؤسف أن بعض الفئات أدركت أن أسرع طريق إلى الشهرة هو اللعب على وتر التعصب. فأصبحنا نرى بثوثاً تبنى فكرتها بالكامل على الإساءة لدولة خليجية، أو السخرية من شعب خليجي، أو استضافة أشخاص معروفين بإثارة الجدل، لأنهم يعلمون أن الغضب يجذب المشاهدات، وأن الشتائم ترفع نسب التفاعل. وهكذا تحولت الفتنة عند البعض إلى محتوى، وأصبحت الكراهية وسيلة للربح.

وليس المقصود هنا أن أبناء الخليج لا يختلفون، فالاختلاف أمر طبيعي بين الأشقاء، وقد نختلف في الرأي، وقد نعتب، وقد نشتد على بعضنا في بعض القضايا، لكن ذلك لا يعني أبداً أن يفتح الباب أمام الغرباء ليتدخلوا بيننا أو يستغلوا تلك الخلافات. فما يجمعنا أكبر من أي خلاف، وروابطنا أعمق من أن تهزها أزمة عابرة أو نقاش محتدم على منصات التواصل.

الأخطر في هذه البثوث أنها لا تكتفي بإشعال الخلاف بين الأشخاص الموجودين فيها، بل تنقل التعصب إلى آلاف المتابعين، فيخرج كل طرف وهو يحمل صورة مشوهة عن شعب كامل بسبب كلمات شخص لا يمثل إلا نفسه. وهنا تبدأ العداوات الوهمية، ويتحول الخلاف الفردي إلى تعميم ظالم، وكأن ملايين البشر أصبحوا مسؤولين عن تصرفات شخص واحد. ومن يتابع تاريخ الخليج يدرك أن العلاقات بين دول الخليج لم تبن في يوم أو عام، بل صنعتها قرون من الجوار، والمصاهرة، والتجارة، والتعاون، والوقوف مع بعضهم في الشدائد. لذلك فمن السذاجة أن نظن أن بثاً مباشراً أو مقطعاً لا يتجاوز دقائق يمكن أن يمحو هذا الإرث العظيم، إلا إذا سمحنا نحن بذلك.

إن صناع الفتنة لا يبحثون عن الحقيقة، ولا يحملون رسالة إصلاح، وإنما يبحثون عن الإثارة. فهم يعلمون أن المحتوى الهادئ لا يحقق لهم الانتشار، بينما تحقق الشتائم والمشاحنات أرقاماً أعلى، فيستمرون في تأجيج النفوس وإشعال الخلافات، غير آبهين بما يتركونه من آثار سلبية على العلاقات بين الشعوب الخليجية. كما أن المسؤولية لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل تقع أيضاً على كل من يشارك في نشر هذه المقاطع أو يعيد تداولها أو يتفاعل معها. فالفتنة لا تعيش إلا إذا وجدت من يغذيها، والكلمة المسيئة تموت عندما لا تجد من يرددها.

لقد أثبتت المواقف الصعبة التي مرت بها المنطقة أن أبناء الخليج، مهما اختلفوا، يعرفون كيف يحافظون على بيتهم، ويعرفون أن أمن الخليج واستقراره وكرامة شعوبه مسؤولية مشتركة لا يجوز أن تتحول إلى مادة للترفيه أو وسيلة لجمع المتابعين.

سيبقى الخليج، بإذن الله، بيتاً واحداً، وستظل روابطه أقوى من كل محاولة للتفريق، لأن ما يجمع أبناءه ليس مجرد حدود على الخريطة، بل دين، ونسب، وتاريخ، وجوار، ومصير مشترك. أما أصحاب الفتن، فسيذهبون كما ذهب غيرهم، ويبقى الخليج لأهله، يعرفون كيف يختلفون، ويعرفون أيضاً كيف يتحدون عندما تستدعي المواقف ذلك.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية