رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صلاح أحمد الحبو

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

651

د. صلاح أحمد الحبو

الاقتصاد القطري الأخضر: من قوة الغاز إلى اقتصاد منخفض الكربون

18 أغسطس 2026 , 11:34م

لم يعد التحول إلى الاقتصاد الأخضر في قطر يعني استبدال الغاز بالطاقة المتجددة، بقدر ما يعني إعادة صياغة الميزة الغازية نفسها لتصبح قاعدة لاقتصاد أكثر كفاءة وأقل كثافة للكربون. فالسؤال الذي تفرضه المرحلة المقبلة ليس: ماذا بعد الغاز؟ وإنما: كيف توظف قطر قوتها في الغاز والطاقة الشمسية واحتجاز الكربون والتكنولوجيا الخضراء لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة؟ وتقدم استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة 2024-2030 إطاراً واضحاً لهذا التحول، مستهدفة نمواً سنوياً للناتج المحلي غير الهيدروكربوني بنسبة 4%، وزيادة إنتاجية العمل بنسبة 2% سنوياً، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة صافية بقيمة 100 مليار دولار، والوصول إلى أفضل 10 دول في بيئة الأعمال والتنافسية الرقمية، ورفع عدد الزوار الدوليين إلى 6 ملايين زائر سنوياً، والوصول إلى أفضل 30 دولة عالمياً في مؤشر الابتكار. كما تضع الاستراتيجية التكنولوجيا الخضراء ضمن التجمعات الاقتصادية المستقبلية المحتملة.

وفي الجانب المناخي، تتضمن استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة هدف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 25% بحلول 2030. أما المرجعية المناخية الأحدث، وهي المساهمة المحددة وطنياً الثالثة NDC 3.0 التي قدمتها قطر في نوفمبر 2025، فتتبنى هدفاً أكثر تحديداً يتمثل في تنفيذ إجراءات تخفيف تعادل 42 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول 2040، بدلاً من ربط الطموح المناخي حصراً بسيناريو الأعمال المعتاد. وتغطي هذه الإجراءات خمسة قطاعات رئيسية هي النفط والغاز، والطاقة والمياه، والصناعة والإنشاءات، والنقل، والنفايات. ولا تتعامل قطر مع الغاز باعتباره نقيضاً للاقتصاد منخفض الكربون، بل باعتباره أحد مكونات مرحلة الانتقال. وتوضح قطر للطاقة في تقرير الاستدامة لعام 2024 أن استراتيجية النمو تستهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية للغاز الطبيعي المسال تبلغ 160 مليون طن سنوياً بعد 2030، مع العمل في الوقت نفسه على خفض كثافة الانبعاثات وتحسين الكفاءة وتقليل الحرق والميثان. كما تستهدف قطر للطاقة الوصول إلى مستويات قريبة من الصفر في انبعاثات الميثان عبر أصولها، وتطبق برامج للكشف عن التسرب وإصلاحه باستخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والكاميرات وأجهزة الاستشعار. وفي هذا التحول يبرز احتجاز الكربون وتخزينه CCS باعتباره أحد أهم الجسور بين اقتصاد الغاز والاقتصاد منخفض الكربون. وتوضح قطر للطاقة أن قدرتها القائمة على احتجاز ثاني أكسيد الكربون في قطر تبلغ 2.2 مليون طن سنوياً، مع استهداف رفعها إلى 7-9 ملايين طن سنوياً بحلول 2030 وإلى أكثر من 11 مليون طن سنوياً بحلول 2035. كما ستتكامل مشروعات توسعة حقل الشمال، بما فيها NFE وNFS وNFW، مع بنية تحتية تستهدف قدرة تتجاوز 5.5 مليون طن سنوياً عند التشغيل الكامل. وتكشف هذه الأرقام عن أن احتجاز الكربون يمكن أن يتجاوز دوره البيئي ليصبح صناعة اقتصادية جديدة تشمل الهندسة والتكنولوجيا والقياس والتحقق والنقل والتخزين والخدمات المتخصصة. كما أن قطر للطاقة تعمل على تطوير الأمونيا الزرقاء باعتبارها أحد نواقل الطاقة منخفضة الكربون، في إطار يجمع الغاز الطبيعي واحتجاز الكربون والطاقة المتجددة. ويشير تقريرها السنوي لعام 2024 إلى أن مصنع الأمونيا الزرقاء صُمم لاحتجاز وتخزين نحو 1.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، ويستخدم أكثر من 35 ميجاواط من الكهرباء المتجددة من محطة الطاقة الشمسية في مسيعيد. أما الطاقة الشمسية، فقد أصبحت مكوناً أساسياً في استراتيجية الطاقة المستقبلية. وتستهدف استراتيجية قطر الوطنية للطاقة المتجددة QNRES نشر 4 جيجاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية على نطاق المرافق بحلول 2030، بما يرفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة من 5% إلى 18%، إلى جانب 200 ميجاواط من أنظمة الطاقة المتجددة الموزعة. ولا تقل كفاءة الطاقة أهمية عن إضافة مصادر جديدة. فقد حددت قطر للطاقة هدفاً لتحقيق 150 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً من إجمالي وفورات الغاز بحلول 2030. ويظهر تقرير الاستدامة لعام 2024 أن متوسط الوفورات السنوية منذ 2013 بلغ نحو 49 MMSCFD، بما يعادل خفضاً يقارب مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. كما يوضح التقرير أن الوفورات بلغت 57 MMSCFD في 2023، قبل أن تنخفض في 2024 إلى نحو 54 MMSCFD وفق الرسم الخاص ببرنامج كفاءة الطاقة، ويربط التقرير الانخفاض في 2024 أساساً بالتوقفات المخططة وغير المخططة في عدد من الأصول. ويمتد التحول إلى الاقتصاد الدائري وإدارة الموارد. فـNDC 3.0 تدرج كفاءة الموارد، وممارسات الاقتصاد الدائري، وإعادة التدوير، وتقليل انبعاثات النفايات، وتحويل النفايات إلى طاقة ضمن مسارات خفض الانبعاثات، كما تتضمن خططاً لتحسين كفاءة تحلية المياه وزيادة الاعتماد على التناضح العكسي، إلى جانب استخدام التبريد المركزي كإحدى أدوات كفاءة الطاقة. إن أهمية الاقتصاد الأخضر بالنسبة إلى قطر لا تكمن في حجم الإنفاق على المشروعات البيئية فحسب، وإنما في القدرة على تحويل هذا الإنفاق إلى قيمة اقتصادية جديدة. فالغاية ليست فقط خفض الانبعاثات، بل بناء شركات وتقنيات وخبرات يمكنها الإنتاج والمنافسة والتصدير. ومن هنا يمكن النظر إلى النموذج القطري باعتباره انتقالاً من اقتصاد يعتمد على إنتاج الطاقة إلى اقتصاد يطور أيضاً حلول الطاقة منخفضة الكربون. فالغاز سيظل محوراً أساسياً في الاقتصاد، لكن قيمته المستقبلية ستتحدد بصورة متزايدة بقدرته على أن يكون أكثر كفاءة وأقل كثافة للكربون، ومتكاملاً مع الطاقة الشمسية واحتجاز الكربون والتكنولوجيا الخضراء. والتحدي الحقيقي حتى عام 2030 ليس فقط تحقيق المستهدفات الرقمية، وإنما تحويلها إلى إنتاجية واستثمار خاص ومعرفة محلية. فإذا نجحت قطر في الجمع بين قوة الغاز والطاقة الشمسية واحتجاز الكربون وكفاءة الطاقة والتكنولوجيا الخضراء، فإنها لن تكون أمام تحول في مزيج الطاقة فحسب، بل أمام تحول في نموذج القيمة الاقتصادية نفسه. فالاقتصاد الأخضر القطري ليس اقتصاداً "ما بعد الغاز"، وإنما يمكن أن يكون المرحلة الأكثر تطوراً من اقتصاد الغاز؛ اقتصاداً ينتج الطاقة ويخفض كثافتها الكربونية، ويستثمر في التكنولوجيا التي ستحدد شكل سوق الطاقة العالمية في العقود المقبلة.

اقرأ المزيد

العالم يدخل عصر الأصول غير الملموسة العالم يدخل عصر الأصول غير الملموسة

لم يعد التحول الاقتصادي العالمي انتقالاً من الصناعة إلى التكنولوجيا فحسب، بل أصبح انتقالاً من اقتصاد تُقاس فيه... اقرأ المزيد

372

| 21 يوليو 2026

الاقتصاد الخوارزمي.. عندما تتخذ الآلة القرار الاقتصادي الاقتصاد الخوارزمي.. عندما تتخذ الآلة القرار الاقتصادي

لم تعد المنافسة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين تدور حول حجم الموارد الطبيعية أو تدفقات رؤوس الأموال فحسب،... اقرأ المزيد

831

| 09 يوليو 2026

الامتياز التجاري (الفرانشايز) الامتياز التجاري (الفرانشايز)

لم يعد النمو في الاقتصاد الحديث يقاس بعدد الفروع التي تمتلكها الشركات، بل بعدد الشركاء الذين يستطيعون توسيع... اقرأ المزيد

705

| 02 يوليو 2026

مساحة إعلانية