رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

171

د. عبدالله بندر العتيبي

من يخاف من سوريا مستقرة؟

25 أغسطس 2026 , 12:00ص

ربما لم يعد السؤال الأهم في سوريا اليوم هو: من سينتصر فيها؟ بقدر ما أصبح: من يريد لها أن تستقر فعلاً؟

بعد أكثر من عقد تحولت فيه سوريا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ظهرت للمرة الأولى فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة واستعادة قرارها السياسي.

خرج المشروع الإيراني من واحدة من أهم ساحاته الإقليمية، وبدأت دمشق الجديدة إعادة ترتيب علاقاتها مع محيطها العربي، بالتوازي مع علاقة استراتيجية متنامية مع تركيا. لكن المفارقة أن كل خطوة تقرب سوريا من استعادة عافيتها تبدو وكأنها تفتح أمامها جبهة جديدة. فالضربات الإسرائيلية لم تتوقف، ووصل آخر التصعيد إلى استهداف قاعدة أبو الظهور بعد تحركات مرتبطة بالتعاون العسكري السوري التركي، قبل أن تتعرض مناطق في جنوب سوريا لاستهداف جديد بعد أيام فقط.

إسرائيل تقدم تحركاتها باعتبارها إجراءات استباقية لحماية أمنها ومنع نشوء تهديدات جديدة على حدودها. لكن المشكلة أن مفهوم الأمن عندما يصبح بلا حدود يمكن أن يتحول إلى حق دائم في إبقاء الدول المجاورة ضعيفة. وهنا تظهر المعضلة السورية. فسوريا المفككة والمنهكة والمنشغلة بصراعاتها الداخلية لا تشكل قوة إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة، أما سوريا المستقرة التي تعيد بناء مؤسساتها وجيشها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية فهي لاعب مختلف تماماً. ولذلك فإن ما يجري لا يمكن قراءته فقط من زاوية منع تهديد عسكري آني، بل أيضاً في سياق أوسع يتعلق بشكل سوريا التي ستولد بعد الحرب، ومقدار القوة والسيادة المسموح لها باستعادتهما.

الأكثر إثارة للمفارقة أن دمشق نفسها تبدي استعداداً للذهاب في الاتجاه المعاكس تماماً. وزير الخارجية السوري تحدث هذا الأسبوع عن توقع استئناف المفاوضات الأمنية مع إسرائيل، وعن أولوية الاستقرار وإعادة البناء، رغم انعدام الثقة بين الطرفين. والولايات المتحدة تعمل بدورها على إنشاء آلية لتفادي الاحتكاك بين سوريا وتركيا وإسرائيل. وهذا يعني أن أمام المنطقة مسارين واضحين: إما بناء قواعد جديدة لإدارة المصالح والمخاوف عبر السياسة، أو الاستمرار في فرض الوقائع بالقوة بحيث تصبح سيادة سوريا نفسها متغيراً يخضع لتقدير الأطراف الأقوى منها.

وهنا تحديداً تبرز أهمية تركيا والدول العربية. استقرار سوريا ليس مشروعاً سورياً فقط. إنه مصلحة إقليمية تتعلق بالحدود واللاجئين والإرهاب والتجارة وإعادة الإعمار ومنع عودة الميليشيات والفراغات التي ازدهرت فيها القوى الخارجية طوال السنوات الماضية. وكلما أصبحت دمشق أكثر ارتباطاً بمحيط عربي وتركي داعم للدولة ومؤسساتها، انخفضت احتمالات عودتها إلى نموذج الساحة التي تتنافس فوقها القوى الأخرى. ولذلك فإن دعم سوريا اليوم يجب ألا يقتصر على مساعدتها اقتصادياً، بل يتطلب أيضاً حماية حقها في بناء دولة ذات سيادة تستطيع إقامة علاقاتها وتحالفاتها من دون أن تتحول كل خطوة تقوم بها إلى ذريعة لضربها.

الصراع الحقيقي على سوريا إذن لم ينته بسقوط النظام السابق؛ لقد تغير شكله فقط. لم تعد المعركة بالضرورة حول من يحكم دمشق، بل حول أي سوريا ستخرج من الركام. هل تكون دولة عربية مستقرة تستعيد موقعها الطبيعي في المنطقة، أم تبقى دولة ضعيفة ومكشوفة يحتاج كل قرار سيادي فيها إلى موافقة غير معلنة من الخارج؟ وربما لهذا يصبح السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس من يخاف من سوريا، بل: من يخاف من سوريا مستقرة؟

مساحة إعلانية