رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

471

د. عبدالله بندر العتيبي

كيف نعيد أطراف الحرب إلى الطاولة؟

21 يوليو 2026 , 02:00ص

عادت الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: هل انتهت الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، أم أنها تلتقط أنفاسها فحسب؟ فبعد أسابيع قليلة على توقيع مذكرة التفاهم في السابع عشر من يونيو الماضي، التي رعتها باكستان وسهلتها قطر ودول أخرى، انفجر التصعيد مجدداً في مضيق هرمز، وتبادل الطرفان الضربات والاتهامات بانتهاك المذكرة، حتى أعلن الرئيس الأمريكي أنها انتهت، قبل أن يفتح الباب موارباً أمام استمرار المفاوضات. لذلك، المشهد يبدو قاتماً، لكن التاريخ الدبلوماسي يقول شيئاً آخر: الأطراف المتحاربة تعود إلى الطاولة دائماً، ليس لأنها تريد ذلك، بل لأن كلفة الاستمرار في الحرب تتجاوز في لحظة ما كلفة الجلوس والتفاوض. والسؤال الحقيقي ليس هل تعود؟ بل كيف تعود؟

الخبرة الأولى نستدعيها من اتفاق الجزائر عام 1981، حين أنهت الوساطة الجزائرية أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران بعد 444 يوماً من القطيعة التامة. الدرس هنا أن طرفين لا يستطيعان الحديث مباشرة يحتاجان وسيطاً يثقان به معاً، يحمل الرسائل ويحفظ ماء الوجه ويصوغ الحلول التي لا يستطيع أي طرف اقتراحها علناً. والخبرة الثانية من القناة الخلفية العُمانية بين عامي 2012 و2013، التي مهدت سراً للاتفاق النووي عام 2015. الدرس أن المفاوضات الكبرى تولد بعيداً عن الكاميرات؛ فالتفاوض العلني يتحول إلى مزايدة، بينما تتيح القنوات الهادئة للطرفين اختبار النوايا دون أثمان سياسية داخلية. أما الخبرة الثالثة فمن مذكرة إسلام آباد نفسها. صحيح أنها تعثرت، لكنها أثبتت أن اتفاقاً مرحلياً من نقاط محددة (الملاحة في هرمز، والملف النووي، والعقوبات) قادر على وقف نار مشتعلة خلال أيام. والاتفاقات المرحلية لا تموت بالانتهاكات، بل تُستأنف وتُرمم، كما حدث في حروب كثيرة قبلها.

وليس غريباً أن يتفاوض الخصوم والنار مشتعلة؛ فمحادثات باريس بشأن فيتنام استمرت سنوات والقتال على أشده، وهدنة كوريا وُقعت في بانمونجوم بعد عامين من مفاوضات ترافقت مع المعارك. القاعدة التي رسخها التاريخ أن التفاوض والقتال ليسا نقيضين بالضرورة، بل مساران متوازيان يضغط أحدهما على الآخر، حتى ترجح كفة الطاولة حين يدرك الجميع أن البندقية وحدها لا تصنع نهاية.

كيف تُترجم هذه الخبرات اليوم؟ اتفاق الجزائر لم ينجح بالرسائل المتبادلة وحدها، بل حين أودع الطرفان التزاماتهما لدى الوسيط نفسه؛ فالأموال الإيرانية المجمدة وُضعت يومها في حساب ضمان بإشراف جزائري لا تُصرف إلا مع التنفيذ. وهذا هو المطلوب الآن: أن تُودع ترتيبات الأصول المجمدة والملاحة في هرمز لدى الوسطاء أنفسهم، فيتحول الوسيط من ناقل رسائل إلى ضامنٍ يملك أدوات التنفيذ. وقناة عُمان لم تُنتج الاتفاق النووي إلا لأنها ظلت تعمل في الظل بينما كان المسار العلني يتعثر، والمطلوب اليوم قناة موازية صامتة بين واشنطن وطهران لا تتوقف مع كل ضربة ولا تخضع لمزايدات الداخل في العاصمتين. أما بانمونجوم فدرسها أن من ينتظر صمتاً كاملاً للمدافع كي يتفاوض لن يتفاوض أبداً. وأما مذكرة التفاهم الأخيرة تعثرت لأنها لم تُجب عن سؤال واحد: ماذا يحدث حين يُخرق بند من بنودها؟ ولذلك فأي تفاهم جديد يجب أن يولد ومعه بروتوكول الخرق: من يحقق في الحادثة، ومن يفصل بين الروايتين، وما الرد المتدرج المتفق عليه سلفاً، قبل أن تتحول كل شرارة في البحر إلى حرب جديدة.

ويبقى الأهم: التفاوض ليس مكافأة يمنحها طرف لآخر، بل ضرورة تفرضها موازين الواقع. حين وصف كيسنجر الدبلوماسية بأنها "فن ضبط القوة"، كان يعني أن الجلوس إلى الطاولة ليس ضعفاً، بل إدارة ذكية للقوة ذاتها. والتاريخ من الجزائر إلى مسقط إلى إسلام آباد والدوحة يقول إن الطاولة لا تُلغى، بل تُهجر مؤقتاً ثم يعود إليها الجميع، والحكمة كل الحكمة في تقصير زمن الهجران، لأن كل يوم إضافي بعيداً عنها يُدفع ثمنه في البحر والمدن وأسواق الطاقة.

اقرأ المزيد

أي نظام إقليمي نريد؟ أي نظام إقليمي نريد؟

لا يكفي أن نسأل من سينتصر في أزمات الشرق الأوسط الراهنة، بل يجب أن نسأل سؤالاً أكثر أهمية:... اقرأ المزيد

231

| 08 سبتمبر 2026

ستة أشهر من الحرب.. ماذا تعلمنا وكيف نستعد للجولة القادمة؟ ستة أشهر من الحرب.. ماذا تعلمنا وكيف نستعد للجولة القادمة؟

بعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب، ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو ما الذي حدث خلالها؟،... اقرأ المزيد

345

| 01 سبتمبر 2026

من يخاف من سوريا مستقرة؟ من يخاف من سوريا مستقرة؟

ربما لم يعد السؤال الأهم في سوريا اليوم هو: من سينتصر فيها؟ بقدر ما أصبح: من يريد لها... اقرأ المزيد

327

| 25 أغسطس 2026

مساحة إعلانية