رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

99

د. عبدالله بندر العتيبي

الانتصار لا يصنع نظاماً

29 سبتمبر 2026 , 12:00ص

تبدأ معظم الحروب بوعد واضح، استخدام القوة لتغيير واقعٍ لم تعد السياسة قادرة على تغييره. وقد تنجح الحرب في تدمير قدرات الخصم، أو انتزاع تنازلات منه، أو إعادة رسم ميزان القوى. لكن التاريخ يكشف مفارقة تتكرر باستمرار، وهي أن كثيرين امتلكوا القوة الكافية للانتصار في الحرب، وقليلين امتلكوا الحكمة اللازمة لبناء ما بعدها. فالانتصار العسكري والنظام السياسي ليسا شيئاً واحداً. الأول يقاس بما خسره الخصم، أما الثاني فيقاس بقدرة الأطراف على العيش داخل قواعد تمنع عودة الصراع. قد تنتهي المعركة بانسحاب جيش أو سقوط قيادة أو تدمير منشآت، لكن ذلك لا يعني أن أسباب المواجهة قد انتهت. وعندما تعجز القوة عن إنتاج تسوية، يتحول الانتصار من نهاية للحرب إلى مجرد بداية لجولة جديدة.

يكمن أخطر أوهام القوة في الاعتقاد بأن هزيمة الخصم تعني القدرة على التحكم في سلوكه مستقبلاً. فالضغط يستطيع إجبار دولة على التراجع، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى الانتظار وإعادة بناء أدواتها والبحث عن لحظة أكثر ملاءمة للرد. كما أن إذلال الخصم قد ينتج هدوءاً مؤقتاً، لكنه نادراً ما ينتج قبولاً دائماً. ولهذا يمكن للردع أن يؤجل الحرب، لكنه لا يعالج بالضرورة الظروف التي صنعتها.

هناك فارق جوهري بين الانتصار والردع والنظام. الانتصار يغير ميزان القوى، والردع يرفع كلفة استخدام القوة، أما النظام فيحدد القواعد التي تضبط استخدامها. ومن دون المستوى الثالث، تظل المنطقة أسيرة معادلة هشة: كل طرف يستعد للحرب المقبلة لأنه لا يثق بأن خصمه سيلتزم بحدود الحرب السابقة. هذه هي المعضلة التي تواجه الشرق الأوسط اليوم. لا تعاني المنطقة نقصاً في القوة العسكرية بقدر ما تعاني غياب تصور مشترك لما يجب أن يأتي بعدها. فكل دولة تعرف التهديد الذي تريد منعه، لكن ليس هناك اتفاق على القواعد التي ينبغي أن تحكم الأمن الإقليمي، أو على حدود التدخل، أو حماية الملاحة ومنشآت الطاقة، أو كيفية إدارة الخلافات قبل انتقالها من السياسة إلى الصواريخ.

ومن هنا تكتسب الدبلوماسية والوساطة معناهما الحقيقي. فالوساطة ليست نقيضاً للقوة، ولا تعبيراً عن المثالية في عالم تحكمه المصالح؛ بل هي الأداة التي تحول اللحظة التي صنعتها القوة إلى ترتيب سياسي قابل للاستمرار. تستطيع القوة أن تدفع الأطراف نحو طاولة التفاوض، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الثقة أو صياغة الضمانات أو منح كل طرف مخرجاً يحمي مصالحه من دون أن يحول التسوية إلى استسلام. ولا يعني ذلك مساواة المعتدي بالضحية، أو مطالبة الدول بالتخلي عن حقها في الدفاع عن نفسها. بل يعني إدراك أن الدفاع الناجح لا يكتمل بإحباط الهجوم، وإنما بمنع تكراره. فالقدرة على اعتراض الصواريخ تحمي الدولة في لحظة الخطر، بينما القدرة على بناء قواعد وضمانات وقنوات اتصال تحميها من تحول الخطر إلى حالة دائمة.

القوة الحقيقية، إذن، ليست القدرة على بدء الحرب أو حتى الانتصار فيها، بل القدرة على إنتاج واقع لا يحتاج إلى الحرب كي يستمر. وقد يكون أصعب اختبار يواجه المنتصر هو مقاومة إغراء تحويل تفوقه المؤقت إلى إذلال دائم؛ لأن السلام الذي يقوم على عجز الخصم ينتهي عندما يستعيد قدرته، أما السلام الذي يقوم على قواعد مقبولة فيمتلك فرصة البقاء. فالحروب تكشف من هو الأقوى في لحظة معينة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال: من يستطيع بناء نظام يعيش فيه الجميع في اليوم التالي؟ هنا تحديداً يبدأ الفارق بين قوة تنتصر، وقوة تصنع التاريخ.

مساحة إعلانية