رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

1875

د. عبد الله النعمة

خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر

19 أغسطس 2026 , 10:48م

بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل في شمالها خمس وعشرون دقيقة بالسيارة. هذه هي المسافة على الخريطة. أما ما تقطعه في نفسك وأنت تقود بينهما، فرحلة بين قطر وقطر، وأظنها تختصر قصة تحولاتنا كلها.

نظن أن العمارة شأن هندسي، وأن الحجر جماد لا رأي له. وهذا وهم. كل مخطط سكني هو قرار في العلاقات الإنسانية قبل أن يكون قرارًا في الخرسانة. حين تحدد عرض الشارع، فأنت تحدد هل سيسلّم الجار على جاره أم سيراه من خلف زجاج سيارته. وحين تختار موقع المسجد، فأنت تقرر ما إذا كان الأذان سيصل إلى الناس في بيوتهم أم سيحتاجون إلى عربة ليبلغوه. الجماد ليس صامتًا، بل يقول شيئًا كل يوم، ونحن نسمعه ولا ننتبه.

في واقف، الممرات ضيقة. وهذا الضيق ليس عيبًا في التصميم، بل هو التصميم نفسه. الممر الضيق يجبرك على الاحتكاك بالناس، وعلى السلام عليهم، وعلى شمّ روائح البخور والتوابل. الدكاكين متلاصقة بلا أسوار، وبعضها مفتوح بلا حارس. الوزير والغفير يمشيان على الأرضية الخشنة نفسها، ويجلسان على الدكة الخشبية نفسها. والشراء هناك ليس تمريرًا لباركود على جهاز صامت، بل مكاسرة وسوالف وسؤال عن الأهل. المسجد في القلب لا على الهامش، والسكينة تغشى الجالسين على كثرة الزحام. مكان صُمّم كله ليقول «نحن»، لا «أنا».

ولوسيل شيء آخر. أبراج شاهقة وزجاج نظيف وشوارع عريضة وحدائق مرتبة وعمارة تستحق الإعجاب حقًّا. لكن الشوارع العريضة تفصل الناس. أنت لا تمشي مع أحد، بل تمشي بجواره أو تراه من نافذتك. كل برج جزيرة مستقلة بخدماتها وحراستها، وأنت لا تعرف من جارك. المسجد موجود، لكنه صغير أو مخفيّ إلى جانب المولات وملاعب الغولف والمقاهي. والصوت الطاغي ليس الأذان، بل موسيقى الفعاليات وأزيز السيارات الفارهة. وحين تجلس في مقهى هناك، فالغالب أن جلستك ليست للحديث العميق، بل ليكون المكان خلفيةً مناسبة لصورة تُنشر بعد قليل.

والمواطن يعيش بين المدينتين هجرةً يومية. في لوسيل يرتدي قناع الحداثة، ويتحدث الإنجليزية، ويقدّس الكفاءة والسرعة، ويريد أن يراه العالم متطورًا. وفي واقف يخلع القناع ويبحث عن الدفء واللمّة والأكل باليد، وعن شعور بأنه ما زال هو. لوسيل تمنحه الرفاهية وتتركه يشعر ببرد روحي، وواقف تمنحه الدفء ولا تصلح لإدارة مستقبله. فهو لاجئ دائم بين زمنين: لا يستطيع أن يستقر في ماضٍ قد مات، ويخاف أن يستقر في مستقبل بلا روح.

وليست هذه رحلة في العمران وحده. الأسرة التي كان العشاء فيها موعدًا مقدسًا صارت جناحًا وشاشة لكل فرد. والسوق الذي كان البيع فيه سوالف ومكاسرة صار مكانًا لا تشتري فيه بضاعة بل صورة عن نفسك. والدِين الذي كان نظام تشغيل لليوم كله صار شعيرة تُؤدّى ثم يُغادَر إلى حياة أخرى. المدينتان لا تصنعان هذا الانشطار، بل تكشفانه. الحجر مرآة، والصورة التي فيه هي صورتنا.

وهنا موضع الخطأ الذي أخشاه: أن يُقرأ هذا الكلام حنينًا. لست أدعو إلى هدم لوسيل والعودة إلى الدكاكين الطينية، ولا أظن أحدًا يريد ذلك جادًّا. لوسيل إنجاز يستحق الفخر، والعودة إلى الوراء ليست خيارًا مطروحًا أصلًا. لكن الفخر بالمبنى لا يعفينا من السؤال عن المعنى الذي يسكنه، وليس في الدنيا قانون يقول إن الحداثة تشترط البرود.

المطلوب مدينة ثالثة في صورة حياة تناسبنا وتجمع شتاتنا. نأخذ من لوسيل تقنيتها ونظافتها وكفاءتها وسعتها، ونأخذ من واقف روحها ومركزية مسجدها وفضاءاتها التي تُمشى على الأقدام وتلاصق بيوتها ودفء جيرتها. مدن حديثة بقلب فريج قديم.

وهذا ليس شعرًا، بل قابل للقياس والاشتراط. فليكن من شروط اعتماد أي مخطط سكني جديد أن يحقق حدًّا أدنى من الكفاءة الاجتماعية: ممشى مظلل يُستعمل في الصيف لا في الصوَر، وساحة التقاء في قلب الحي لا على أطرافه، ودكة جلوس، ومسجد في المركز تبلغه على قدميك في دقائق. وليكن للأحياء مؤشر عزلة يُنشر ويُتنافس عليه، كما تُنشر مؤشرات الطاقة والاستدامة. فما دمنا نقيس استهلاك المبنى للكهرباء، فمن الإنصاف أن نقيس أثره في علاقات ساكنيه.

نحن نحتاج إلى عمارة تعيد الناس بعضهم إلى بعض. وحتى نبلغ هذه المعادلة، سيظل المواطن يقود سيارته في ذلك الطريق السريع بين المدينتين، بين الأصالة والحداثة، باحثًا عن روحه التي أضاعها في زحام رحلة التطور. ما أبعدها من خمس وعشرون دقيقة.

مساحة إعلانية