رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صلاح أحمد الحبو

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

45

د. صلاح أحمد الحبو

العالم يدخل عصر الأصول غير الملموسة

21 يوليو 2026 , 10:52م

لم يعد التحول الاقتصادي العالمي انتقالاً من الصناعة إلى التكنولوجيا فحسب، بل أصبح انتقالاً من اقتصاد تُقاس فيه الثروة بالموارد ورأس المال المادي، إلى اقتصاد تُقاس فيه بالمعرفة والملكية الفكرية والبيانات والابتكار. إنها لحظة تاريخية يعاد فيها تعريف الثروة، بعد أن أصبحت الأصول غير الملموسة المصدر الأسرع نمواً لإنتاج القيمة في الاقتصاد العالمي. وتؤكد أحدث بيانات منظمة الملكية الفكرية العالمية (الويبو) هذا التحول؛ إذ تجاوز الاستثمار العالمي في الأصول غير الملموسة 10 تريليونات دولار أمريكي لأول مرة في عام 2025، بنمو سنوي بلغ 5.5 % خلال الفترة (2020– 2025)، مقابل 3.2 % فقط للاستثمار في الأصول المادية. كما أصبحت هذه الاستثمارات تمثل نحو 13 % من الناتج المحلي الإجمالي للدول المشمولة بالتقرير، وعددها 29 اقتصاداً تمثل قرابة 57 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (المصدر: منظمة الملكية الفكرية العالمية – الويبو، التقرير العالمي للاستثمار في الأصول غير الملموسة، 8 يوليو 2026). وتعكس الأرقام خريطة جديدة للقوة الاقتصادية؛ فقد استثمرت الولايات المتحدة نحو 5 تريليونات دولار في الأصول غير الملموسة، أي ما يقارب نصف الاستثمار العالمي، تلتها اليابان باستثمارات بلغت 810 مليارات دولار، ثم ألمانيا بـ695 مليار دولار، فيما سجلت البرازيل 312 مليار دولار، وحققت الهند والفلبين معدلات نمو سنوية بلغت 5.3 % و3.9 % على التوالي، بما يؤكد أن اقتصاد الابتكار لم يعد حكراً على الاقتصادات المتقدمة. ويربط التقرير هذا التحول بموجتين متكاملتين يقودهما الذكاء الاصطناعي؛ الأولى تتمثل في الاستثمار في البنية التحتية الرقمية من مراكز بيانات وأشباه موصلات وأنظمة طاقة، أما الثانية ــ والأكثر أثراً ــ فتتمثل في الاستثمار في البيانات والبرمجيات والبحث والتطوير والعلامات التجارية ورأس المال التنظيمي، وهي الأصول التي ستولد الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية خلال العقود المقبلة. ولا تبدو هذه التحولات بعيدة عن المسار الذي اختطته دولة قطر. فمنذ إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030، تبنت الدولة مشروعاً اقتصادياً يقوم على تنويع مصادر النمو عبر الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، والابتكار، والذكاء الاصطناعي. وتعزز هذا التوجه مع الإستراتيجية الوطنية الثالثة للتنمية (2024– 2030) التي جعلت الاقتصاد الرقمي والإنتاجية والابتكار ركائز رئيسة للمرحلة المقبلة. غير أن المنافسة العالمية لم تعد تقف عند حدود إنتاج المعرفة، بل انتقلت إلى إدارة قيمتها الاقتصادية. فالبيانات، والملكية الفكرية، والعلامات التجارية، والخوارزميات، ورأس المال البشري، أصبحت أصولاً إستراتيجية تولد الثروة وتعزز الإنتاجية وتجذب الاستثمار، تماماً كما كانت المصانع والموارد الطبيعية تمثل قاعدة الاقتصاد التقليدي. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي تطوير منظومات وطنية لقياس وإدارة الأصول غير الملموسة، وإدماجها في مؤشرات الأداء الاقتصادي، بما يسمح بتقدير القيمة الاقتصادية للابتكار والملكية الفكرية والأصول الرقمية، وتحويلها إلى أدوات لصنع السياسات وتعزيز القدرة التنافسية. ولم يعد هذا التوجه خياراً تنموياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي الجديد. إن الرسالة الأهم التي يحملها تقرير الويبو ليست أن الاستثمار في الأصول غير الملموسة تجاوز 10 تريليونات دولار، بل إن العالم دخل مرحلة تتغير فيها قواعد تكوين الثروة ذاتها. فالقوة الاقتصادية لن تُقاس مستقبلاً بما تمتلكه الدول من موارد طبيعية فحسب، وإنما بما تمتلكه من معرفة، وما تحميه من ملكية فكرية، وما تطوره من ابتكار، وما تستطيع تحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة. لقد تجاوز العالم مرحلة كانت الثروة تُستخرج فيها من باطن الأرض، ودخل مرحلة تُبنى فيها داخل العقول. ومن يقرأ أرقام الويبو اليوم يدرك أن الاقتصاد العالمي لا يشهد نمواً في نوع جديد من الاستثمارات فحسب، بل يشهد ميلاد معيار جديد للقوة الاقتصادية؛ معيار يجعل من الأصول غير الملموسة رأس المال الأكثر تأثيراً في صناعة المستقبل، ويضع الدول القادرة على استثمار المعرفة في صدارة الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة.

مساحة إعلانية