رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صلاح أحمد الحبو

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

45

د. صلاح أحمد الحبو

الامتياز التجاري (الفرانشايز)

02 يوليو 2026 , 11:03م

لم يعد النمو في الاقتصاد الحديث يقاس بعدد الفروع التي تمتلكها الشركات، بل بعدد الشركاء الذين يستطيعون توسيع نطاق أعمالها. فمع التحول من اقتصاد الملكية إلى اقتصاد الشراكة، أصبح الامتياز التجاري (الفرانشايز) أحد أكثر نماذج الأعمال كفاءة في تعظيم القيمة الاقتصادية، لأنه يجمع بين رأس المال المحلي، والخبرة التشغيلية، وقوة العلامة التجارية في منظومة واحدة. وتكشف التجربة العالمية أن الفرانشايز لم يعد مجرد وسيلة للتوسع التجاري، بل تحول إلى صناعة اقتصادية متكاملة.

ففي الولايات المتحدة، يُتوقع أن يتجاوز عدد منشآت الامتياز التجاري 851 ألف منشأة خلال عام 2025، مع مساهمة اقتصادية تتجاوز 936 مليار دولار، وتوفير أكثر من 9 ملايين فرصة عمل مباشرة، وهي أرقام تعكس المكانة التي يحتلها هذا النموذج في الاقتصادات المتقدمة. أما في منطقة الخليج، فقد تجاوزت

القيمة الاقتصادية للفرانشايز حدود قطاع المطاعم والمقاهي لتصبح ركيزة أساسية في قطاعات التجزئة، والضيافة، والتعليم، والصحة، واللياقة، والخدمات الرقمية.

ويقود هذا النمو كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، اللتين أصبحتا البوابة الرئيسة للعلامات التجارية العالمية والإقليمية. وتشير أحدث التقديرات إلى أن السوق السعودي للامتياز التجاري تبلغ قيمته نحو 54 مليار ريال سعودي، ويستحوذ على قرابة 50% من سوق الامتياز التجاري في الشرق الأوسط، مدفوعاً بالإصلاحات الاقتصادية ورؤية المملكة 2030 التي جعلت الامتياز التجاري إحدى أدوات تنمية القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد. وفي الإمارات، يواصل قطاع الامتياز التجاري تسجيل معدلات نمو سنوية تتجاوز 5%، مع توقعات بارتفاعها في بعض القطاعات إلى نحو 15%، مدفوعة بتوسع السياحة،

ومرونة بيئة الأعمال، والتطور الكبير في البنية الرقمية والخدمات اللوجستية.

وفي دولة قطر، ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية مستقلة عن حجم سوق الامتياز التجاري، فإن المؤشرات تؤكد تنامي دوره في قطاعي التجزئة والخدمات. ويُقدَّر حجم سوق التجزئة القطري بنحو 19.4 مليار دولار في عام 2026، مع توقعات بارتفاعه إلى 23.7 مليار دولار بحلول عام 2031، مدفوعاً بالقوة الشرائية والنمو السكاني والسياحة. ويهيمن الامتياز التجاري على قطاعات الأغذية والمشروبات والأزياء والخدمات، مستفيداً من بيئة الأعمال المتطورة، واستضافة الدوحة لمعارض متخصصة في الامتياز التجاري. كما أظهر أحدث تقييم اقتصادي أن الشركات العاملة ضمن مركز قطر للمال أسهمت بنحو 4.8 مليار دولار في القيمة المضافة للاقتصاد القطري خلال عام 2024، وهو ما يعكس البيئة الاستثمارية الجاذبة التي تدعم توسع الامتياز التجاري وتعزز فرص انطلاق العلامات التجارية القطرية نحو الأسواق الإقليمية والدولية. وتنعكس هذه الديناميكية الخليجية على قطاع الأغذية والمشروبات، وهو القطاع الأكثر اعتماداً على الامتياز التجاري، إذ يُتوقع أن تصل قيمة سوق خدمات الأغذية في دول مجلس التعاون الخليجي إلى أكثر من 122 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يزيد على 12%، مدفوعاً بالنمو السكاني، وارتفاع مستويات الدخل، وتوسع السياحة، والمشروعات الترفيهية الكبرى. ولا تقتصر القيمة المضافة للفرانشايز على زيادة المبيعات أو انتشار العلامات التجارية، بل تمتد إلى خلق وظائف نوعية، وتوطين المعرفة الإدارية، ورفع كفاءة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية، وتحفيز الاستثمار الخاص.

ومن هذا المنظور، أصبح الامتياز التجاري أداة للتنمية الاقتصادية، وليس مجرد نموذج للتوسع التجاري. وتبرز هنا مفارقة اقتصادية مهمة؛ فدول الخليج التي كانت لعقود مستوردة للعلامات التجارية العالمية، بدأت اليوم تمتلك مقومات تصدير الامتياز التجاري. فقد نجحت علامات خليجية في قطاعات الأغذية والمقاهي والتجزئة والخدمات في بناء نماذج أعمال قابلة للتوسع خارج حدودها، بما يعكس انتقال المنطقة تدريجياً من اقتصاد يعتمد على استيراد العلامات إلى اقتصاد ينتج ويصدر علاماته التجارية، وهو تحول ينسجم مع مستهدفات رؤى التنمية الوطنية في دول الخليج. إن القيمة الحقيقية للفرانشايز لا تكمن في منح حق استخدام اسم تجاري، وإنما في تسويق نموذج أعمال ناجح، ونقل المعرفة المؤسسية، وتقليل مخاطر الاستثمار، وتسريع دورة النمو. ولذلك، فإن الاقتصادات التي تنجح في بناء منظومات امتياز تجاري محلية قوية لا تزيد عدد شركاتها فحسب، بل ترفع إنتاجية اقتصادها، وتخلق أصولاً معرفية قابلة للتصدير. لقد أثبت الاقتصاد الحديث أن الثروة لم تعد تُقاس بحجم الأصول التي تمتلكها الشركات، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى شراكات، والشراكات إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى نمو اقتصادي مستدام. ومن هذا المنطلق، لم يعد الامتياز التجاري مجرد خيار للتوسع، بل أصبح أحد أهم الأدوات الاستراتيجية لبناء اقتصادات أكثر تنوعاً وتنافسية، وأكثر قدرة على استقطاب الاستثمار، وتحفيز ريادة الأعمال، وصناعة علامات تجارية وطنية قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.

مساحة إعلانية