رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صلاح أحمد الحبو

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

48

د. صلاح أحمد الحبو

المصارف العربية ما زالت أسيرة العقار والحديد.. لماذا؟

17 يونيو 2026 , 03:00ص

يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً جذرياً في بنية الثروة ومصادر خلق القيمة. فقد تراجع الوزن النسبي لرأس المال المادي لصالح الأصول غير الملموسة، بما في ذلك براءات الاختراع والعلامات التجارية والبرمجيات وقواعد البيانات والخوارزميات، بوصفها المحرك الرئيس للإنتاجية والنمو في الاقتصادات المتقدمة. وتشير التقديرات الدولية إلى أن الأصول غير الملموسة باتت تمثل ما بين 70% و90% من القيمة السوقية للشركات الكبرى، فيما تجاوزت قيمتها التراكمية عالمياً 80 تريليون دولار. كما تنمو الاستثمارات في رأس المال المعرفي بوتيرة تفوق الاستثمارات في الأصول المادية، بما يعكس انتقال الاقتصاد العالمي من نموذج كثيف الأصول إلى نموذج كثيف المعرفة. ورغم هذا التحول البنيوي، ما تزال المصارف العربية تعتمد بصورة رئيسية على الضمانات التقليدية، وعلى رأسها العقار والموجودات المادية، في حين تبقى الملكية الفكرية خارج نطاق الائتمان الفعلي، رغم كونها المصدر الأساسي للقيمة في قطاعات الاقتصاد الرقمي. في المقابل، رسخت الاقتصادات المتقدمة الملكية الفكرية كفئة أصول مالية قابلة للتمويل. ففي الولايات المتحدة تُدمج براءات الاختراع والعلامات التجارية ضمن هياكل التمويل والاستحواذ، بينما طورت الصين سوقاً متخصصة للتمويل المضمون بالأصول الفكرية تجاوزت قيمته مئات المليارات من الدولارات سنوياً، مدعوماً بمنظومة تقييم ورهن متكاملة. كما نجحت كوريا الجنوبية في بناء نظام مؤسسي يربط التمويل المصرفي مباشرة بالأصول الابتكارية عبر آليات تقييم وضمان حكومية وخاصة. وتكشف هذه التجارب أن تحويل الملكية الفكرية إلى ضمان تمويلي لا يتوقف على الاعتراف القانوني بها، بل على وجود بنية مؤسسية متكاملة تشمل التقييم المهني، وسجلات الرهن، وأدوات إدارة المخاطر، وآليات التنفيذ عند التعثر، بما يسمح بتسعير المخاطر بصورة قابلة للاستخدام المصرفي. أما في المنطقة العربية، فما تزال فجوة التمويل بالأصول الفكرية واسعة. فوفق التقديرات الاقتصادية المستندة إلى تحليل هياكل الائتمان، لا يتجاوز التمويل المضمون بالملكية الفكرية 1% من إجمالي محافظ الإقراض في معظم الأسواق العربية، وهو ما يعكس انفصالاً واضحاً بين بنية الاقتصاد الإنتاجي وبنية النظام المالي. وتكمن المفارقة في أن الاقتصادات العربية تستثمر بشكل متزايد في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال، بينما لا تزال أدوات التمويل المصرفي تعمل وفق منطق الاقتصاد الصناعي التقليدي، حيث تظل الأصول المادية الشرط الأساسي للوصول إلى الائتمان، حتى في القطاعات التي تتولد فيها القيمة أساساً من المعرفة والبيانات. ومن منظور اقتصادي كلي، يؤدي هذا الاختلال إلى سوء تخصيص لرأس المال، إذ يتم استبعاد شريحة واسعة من الأصول الأكثر إنتاجية من النظام الائتماني، ما يدفع الشركات الابتكارية إلى الاعتماد على التمويل الخارجي أو رأس المال الجري.

 ويؤدي إلى تسرب جزء من القيمة الاقتصادية خارج الاقتصادات المحلية. ومع تسارع اقتصاد الذكاء الاصطناعي، ستزداد أهمية الأصول غير الملموسة في تحديد القدرة التنافسية للدول والشركات. فالقيمة السوقية المتزايدة للشركات العالمية باتت ترتكز بشكل أساسي على البيانات والنماذج التقنية والملكية الفكرية، أكثر من ارتكازها على الأصول المادية التقليدية. إن التحدي أمام القطاع المالي العربي لم يعد مرتبطاً بتوفير السيولة، بل بإعادة تعريف مفهوم الضمان والجدارة الائتمانية بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد الحديث. ويتطلب ذلك تطوير أطر معيارية لتقييم الأصول غير الملموسة، وإنشاء قواعد بيانات وسجلات للرهن الفكري، وتحديث التشريعات المنظمة للتمويل، وبناء نماذج مخاطر تأخذ في الاعتبار خصائص الاقتصاد المعرفي. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبني سياسات مالية واضحة لدمج الأصول الفكرية ضمن منظومة التمويل المصرفي، بما يعزز كفاءة تخصيص رأس المال ويدعم توسع الشركات الابتكارية، ويسهم في رفع مساهمة الاقتصاد المعرفي في الناتج المحلي الإجمالي. فالثروة في الاقتصاد المعاصر لم تعد تُقاس بحجم الأصول المادية، بل بقدرة الاقتصادات على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية قابلة للتمويل والنمو. ومن دون هذا التحول المؤسسي، ستظل الاقتصادات العربية في موقع المتلقي للتكنولوجيا، لا المنتج والممول لها.

مساحة إعلانية