رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال اليومين الماضيين، تابعنا بكثير من الفرح والاعتزاز حركة واضحة في ترقية عدد من الشباب القطري القيادي في الجامعات ومؤسسات أخرى إلى مستويات أعلى من المسؤولية. وهذا أمر يسرّنا بلا شك؛ لأنه يعكس ثقة الدولة ومؤسساتها في أبنائها، ويؤكد أن الكفاءة القطرية حاضرة، وأن الاستثمار في الإنسان القطري ليس شعاراً عابراً، بل مسار عملي يتجسد في المواقع والقرارات والمسؤوليات.
ومن حقنا أن نفرح حين نرى أبناءنا يتقدمون إلى الصفوف الأولى، لا بوصفهم مجرد حضور وطني رمزي، بل بوصفهم كفاءات قادرة على الإدارة، وصناعة الرؤية، وتحمل أعباء القرار. فالأوطان لا تُبنى إلا حين تُفتح أبوابها لأبنائها المؤهلين، وحين يجد أصحاب الطموح والجدارة طريقهم إلى مواقع التأثير. لكن هذه زاوية واحدة من المشهد، وهناك زوايا أخرى ينبغي ألا تغيب عن وعينا ونحن نحتفي بهذه الترقيات المستحقة.
في التاريخ الإسلامي درس عميق يمكن أن نستدعيه لا للمقارنة الحرفية، بل لاستخلاص العبرة. حين خرج الصحابة وأبناؤهم في الفتوحات، وانتشروا في الآفاق حاملين رسالة الإسلام، اتسعت الدولة، وكبرت المسؤوليات، وانشغل كثير من رجال الصف الأول بالجهاد والإدارة والسياسة وبناء الدولة الممتدة. ومع هذا الاتساع، نشأت داخل الحواضر الإسلامية فئات جديدة اتجهت إلى العلم والفقه والحديث والتفسير، وكان من بينها عدد كبير من الموالي وأبناء البيوت التي لم تكن في مقدمة المشهد.
ومن هذه البيئة خرج علماء كبار، كالحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وغيرهم من أعلام التابعين الذين أسهموا في تشكيل العقل الإسلامي في مرحلة مبكرة. لقد وجد العلم في هؤلاء أرضاً خصبة؛ لأنهم صبروا عليه، وتفرغوا له، وجعلوه مشروع حياة. بينما أخذت الدنيا، بما فيها من سلطة ومادة ومسؤوليات، تجذب آخرين إلى ساحاتها الواسعة. وهنا لا نذمّ من خاض الإدارة أو السياسة أو الفتح، ولكننا نلاحظ أن الفراغ الذي تتركه حركة الصعود في ميدان ما، قد تملؤه قوى أخرى في ميدان آخر.
وهذا هو موضع التأمل في واقعنا اليوم. حين نرفع أبناءنا الأكفاء إلى مواقع القيادة العليا، فإننا نحقق مكسباً مهماً، ولكننا في الوقت ذاته قد نُحدث فراغاً في مستويات أخرى لا تقل أهمية، خصوصاً في الجامعات ومراكز البحث والمختبرات ومناطق الإنتاج العلمي والمعرفي. فمن ينشغل بالإدارة، سينشغل حتماً بالاجتماعات، والتواقيع، واللجان، والملفات اليومية، وهذا جزء طبيعي من العمل القيادي. لكن السؤال هو: من سيبقى في المختبر؟ من سيقود البحث؟ من سيصبر على صناعة المعرفة؟ ومن سيملأ المساحة التي تركها الأكفاء حين صعدوا إلى المكاتب العليا؟
لسنا ضد الترقية، ولا ضد تمكين القيادات القطرية الشابة؛ بل نحن من أكثر الفرحين بهذا المسار والداعمين له. ولكننا نريد أن ننبه إلى أن الفرح بزاوية واحدة لا ينبغي أن ينسينا عشر زوايا أخرى قد تظهر آثارها لاحقاً. فالمؤسسات لا تقوم فقط على المبنى، ولا على الواجهة الإدارية، ولا على كثرة الاجتماعات والخطط؛ بل تقوم أيضاً على ما يحدث في العمق: في قاعة الدرس، وفي المختبر، وفي مركز البحث، وفي الورقة العلمية، وفي المشروع المعرفي الذي لا يراه الناس كثيراً، لكنه يصنع المستقبل بصمت.
إن أحد أخطر الأفخاخ التي قد نقع فيها هو أن نعتني كثيراً بالمبنى، ولا خلاف على أهمية ذلك، ثم نترك فراغاً في منطقة العلم والإنتاج. وقد نهتم بالمظهر المؤسسي، والهيكل الإداري، والمناصب الرفيعة، وننسى أن القيمة الحقيقية لأي جامعة أو مؤسسة علمية تقاس بما تنتجه من معرفة، وما تضيفه إلى المجتمع، وما تخرّجه من عقول قادرة على التفكير والابتكار. فالجامعة ليست إدارة فقط، وليست مباني فقط، وليست مناسبات رسمية فقط؛ الجامعة قبل ذلك كله عقلٌ يعمل، وبحثٌ يتراكم، وسؤالٌ علمي لا يتوقف.
ولا يعني هذا أن منطقة القيادة وبناء الرؤى أقل أهمية. على العكس، نحن بحاجة إلى قيادات واعية، شابة، مؤهلة، قادرة على الإدارة والتخطيط واتخاذ القرار. لكن ما ندعو إليه هو التوازن. نريد قيادات تصعد، ونريد في الوقت نفسه علماء وباحثين يبقون في الميدان المعرفي. نريد مديراً ناجحاً، لكننا نريد أيضاً أستاذاً متفرغاً للبحث، وباحثاً لا يُستنزف في العمل الإداري، ومختبراً لا يتحول إلى مساحة ثانوية بعد أن يغادره أفضل أبنائه إلى المكاتب.
إن صناعة القيادة مهمة، لكنها لا ينبغي أن تكون على حساب صناعة العلم. وإذا كانت الدولة تراهن على الإنسان القطري، فإن هذا الرهان يجب أن يتوزع بعدل بين من يقود المؤسسة، ومن يصنع معرفتها. فالأمم لا تنهض بالقرار وحده، ولا بالبحث وحده، بل تنهض حين يلتقي القرار الرشيد مع المعرفة العميقة. وقد قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وهي آية تذكرنا بأن رفعة العلم ليست هامشاً في مشروع النهضة، بل أصل من أصولها.
لذلك، ونحن نبارك للشباب القطري هذه الثقة، ونفرح بوصولهم إلى مواقع القيادة، ينبغي أن نطرح سؤال المستقبل: كيف نضمن ألا يترك الصعود الإداري فراغاً بحثياً؟ كيف نحمي المختبر والبحث والقاعة العلمية من الاستنزاف؟ وكيف نجعل من الترقية بداية لمسار تكاملي، لا انتقالاً كاملاً من العلم إلى الإدارة؟
الجواب يبدأ من الاعتراف بأن المؤسسة تحتاج إلى قائد، وتحتاج أيضاً إلى عالم. تحتاج إلى من يوقع القرار، وتحتاج إلى من ينتج المعرفة التي يستند إليها القرار. أما حين نبالغ في تمجيد الإدارة وننسى الإنتاج العلمي، فإننا نخسر شيئاً من روح الجامعة. وحين نوازن بين الاثنين، فإننا لا نصنع مؤسسة ناجحة فحسب، بل نصنع وطناً يعرف كيف يقود، وكيف يفكر، وكيف يبني مستقبله على أساس راسخ.
متى يكون للأسرة مرصد؟
لا تنتظر إدارة الأرصاد الجوية أن يتّصل بها الناس ليخبروها بقدوم العاصفة. فهي تقيس الضغط والحرارة والرياح كل... اقرأ المزيد
438
| 30 سبتمبر 2026
حين ندفع المعلم إلى الانسحاب
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم... اقرأ المزيد
3447
| 16 سبتمبر 2026
لغة العلم عندنا.. استثناء صار قاعدة
ليست اللغة في الجامعة مجرد وسيلة شرح، ولا أداة محايدة يمكن استبدالها بأخرى من غير أثر. فالجامعة هي... اقرأ المزيد
414
| 09 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9621
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3456
| 22 أكتوبر 2026