رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

558

د. عبد الله النعمة

ستر بيوتنا في خطر

21 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في أكتوبر 2025 فتحت شركة أمريكية باب الطلب المسبق على روبوت منزلي بنحو 20 ألف دولار، وأعلن رئيسها التنفيذي أن المشتري سيقبل أن يُرى بيتُه عبر عيني الروبوت، لأن النموذج ما زال يتعلّم من بيوت حقيقية، وتُحفظ الجلسات لتدريبه. فالخادم الآلي في نسخته الأولى ليس آلة مستقلة، بل قناة إلى غريب، بموافقة المشتري صاحب المنزل.

وستصل إلينا هذه الآلة قريبًا، حسنة الصورة، تحمل الفناجين وتنادي أهل البيت بأسمائهم.

والشكل هنا هندسة ثقة: الكاميرا المثبّتة في الجدار يتحفّظ الناس أمامها، أما الكاميرا في وجه يتحرك ويخدم فتُعامَل فردًا من البيت لا جهاز تسجيل. فهي نقطة استشعار متنقلة داخل الستر.

والستر غير الخصوصية. فالخصوصية حق فردي يملك صاحبُه أن يتنازل عنه برغبته، والستر وصف للبيت كله. ومن يشتري الجهاز يوقّع عن نفسه وحده، ويسكن البيت من لم يوقّع: الأبناء، والوالدان، والعاملة، والضيف. ولا يملك أحد أن يكشف ستر غيره ولو رضي عن نفسه. وفي كتاب الله استئذان الخدم والصغار على أهل البيت في ثلاثة أوقات: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (النور: 58). فالخادم البشري يستأذن وينصرف آخر النهار وينسى ما رأى، وهذه لا تستأذن ولا تنصرف ولا تنسى.

ذاك الروبوت ليس أول الداخلين. ففي سبتمبر 2026 طُرح في الإمارات الجيل الثالث من نظارات ميتا، بكاميرا وستة ميكروفونات. وفي فبراير الماضي كشف تحقيق لصحيفتين سويديتين أن عمالًا لدى مقاول في نيروبي يراجعون مقاطع هذه النظارات لتدريب الذكاء الاصطناعي، وفيها دخول دورات المياه وخلع الملابس. وفي يونيو وُجدت في تطبيقها شيفرة للتعرف على وجوه الغرباء، أُزيلت بعد الضجة دون إعلان التخلي عنها.

فإن كان الروبوت يكشف البيت بتوقيع صاحبه، فالنظارة تدخل مجالس الآخرين دون استئذان من أحد.

والصلة بين الاثنين ليست تشابهًا. فميتا أنشأت عام 2025 وحدةً للروبوتات الشبيهة بالبشر، واحتفت في مدونتها ببحث يدرب الروبوت على المهام اليومية من تسجيلات بعين مرتدي نظاراتها البحثية، لأنها تقلل الحاجة إلى التشغيل عن بُعد. فالمشغل في الروبوت والكاميرا في النظارة طريقان إلى المادة نفسها: أسرار ما يجري داخل البيوت.

ومن حسن الحظ أن لنا في التشريع القطري خيوط لحمايتنا وحماية المجتمع. فقانون حماية خصوصية البيانات الشخصية رقم 13 لسنة 2016 يعد بيانات الأطفال والصحة والمعتقدات الدينية والعلاقة الزوجية ذات طبيعة خاصة، لا تُعالَج إلا بتصريح. وهذه بعينها ما تلتقطه عين تدور في البيت: صوت الأطفال، ودواء الوالد، وخلاف الزوجين، وحديث المجلس. ثم جرم القانون رقم 11 لسنة 2025 تصوير الأفراد في الأماكن العامة وتداول صورهم دون إذن.

فالفجوة إذن ليست في المبدأ، بل في مدخل الجهاز. فهو يدخل اليوم باعتماد النوع وتصريح الاستيراد لدى هيئة تنظيم الاتصالات، وفق قانون الاتصالات رقم 34 لسنة 2006 وتعديله، وهو اعتماد يفحص الترددات والسلامة الفنية، ولا يسأل أين تذهب الصورة ولا من يراها ولا من يشغّل الجهاز عن بُعد. فهناك ثغرة ننتبه اليها.

المسألة تتجاوز البيت. فآلة متنقلة بكاميرا وميكروفون واتصال خارجي، إن دخلت مبنى حكوميا أو موقعا أمنيا، تمسح المكان والوجوه والأصوات، وتقبل التحكم من خارج الحدود. وقد بدأت كبرى شركات الدفاع التركية من البوابة نفسها، ومنها أسيلسان وروكيتسان، فلم تعد تُدخل السيارات الكهربائية الأجنبية إلى مقارها، لأن كاميراتها وحساساتها ترسم خريطة المكان «والتحكم فيها ليس بأيدينا»، كما قال مدير إحداها في 11 أكتوبر 2026.

والذي أقترحه أربع نقاط: أولًا يُصنف كل جهاز استشعار متصل يتنقل، مشيا أو على وجه لابسه، جهازا خاضعا لاعتماد أمني، لا سلعة عادية تباع في السوق أو تدخل البلد بلا إذن. وثانيا تمتد معايير اعتماد النوع إلى سيادة البيانات: أين تُعالَج، ومن يراجعها من البشر وفي أي بلد، ومن يتحكم بالجهاز عن بُعد. وثالثا تُشترط في مشتريات الجهات الحساسة معالجة محلية ومنع التحكم من الخارج وقدرة على التعطيل السيادي، ويُعامل دخول النظارات إليها معاملة الهواتف. ورابعا يقع المنع على القدرة لا على المنتج: فلا يُباع روبوت منزلي يسمح بتحكم بشري خارجي أو يبث الصوت والصورة خارج الجهاز، ولا نظارة تتعرف على وجوه الآخرين، ويُلزَم الاثنان بإشارة ظاهرة لا تُطفأ عند التسجيل.

وأقترح أن يناقش في مجلس الشورى ويسن له قانون وعلى استعجال. ونسميه قانون المحافظة على سترنا وأماننا. وأن يكون له اختبار هندسي لا يقبل المجاملة: هل يعمل الجهاز إذا قُطع عنه الاتصال الخارجي؟ فإن كان لا يعمل فهو قناة إلى الخارج، لا خادم في الداخل.

ولسنا نطلب حظر التقنية، فهي قادمة ونافعة وستخفف عن كبار السن والمرضى. وإنما نطلب أن تُكتب شروط دخولها قبل وصول أول شحنة، لا بعد أول قضية.

مساحة إعلانية