رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في أكتوبر 2025 فتحت شركة أمريكية باب الطلب المسبق على روبوت منزلي بنحو 20 ألف دولار، وأعلن رئيسها التنفيذي أن المشتري سيقبل أن يُرى بيتُه عبر عيني الروبوت، لأن النموذج ما زال يتعلّم من بيوت حقيقية، وتُحفظ الجلسات لتدريبه. فالخادم الآلي في نسخته الأولى ليس آلة مستقلة، بل قناة إلى غريب، بموافقة المشتري صاحب المنزل.
وستصل إلينا هذه الآلة قريبًا، حسنة الصورة، تحمل الفناجين وتنادي أهل البيت بأسمائهم.
والشكل هنا هندسة ثقة: الكاميرا المثبّتة في الجدار يتحفّظ الناس أمامها، أما الكاميرا في وجه يتحرك ويخدم فتُعامَل فردًا من البيت لا جهاز تسجيل. فهي نقطة استشعار متنقلة داخل الستر.
والستر غير الخصوصية. فالخصوصية حق فردي يملك صاحبُه أن يتنازل عنه برغبته، والستر وصف للبيت كله. ومن يشتري الجهاز يوقّع عن نفسه وحده، ويسكن البيت من لم يوقّع: الأبناء، والوالدان، والعاملة، والضيف. ولا يملك أحد أن يكشف ستر غيره ولو رضي عن نفسه. وفي كتاب الله استئذان الخدم والصغار على أهل البيت في ثلاثة أوقات: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (النور: 58). فالخادم البشري يستأذن وينصرف آخر النهار وينسى ما رأى، وهذه لا تستأذن ولا تنصرف ولا تنسى.
ذاك الروبوت ليس أول الداخلين. ففي سبتمبر 2026 طُرح في الإمارات الجيل الثالث من نظارات ميتا، بكاميرا وستة ميكروفونات. وفي فبراير الماضي كشف تحقيق لصحيفتين سويديتين أن عمالًا لدى مقاول في نيروبي يراجعون مقاطع هذه النظارات لتدريب الذكاء الاصطناعي، وفيها دخول دورات المياه وخلع الملابس. وفي يونيو وُجدت في تطبيقها شيفرة للتعرف على وجوه الغرباء، أُزيلت بعد الضجة دون إعلان التخلي عنها.
فإن كان الروبوت يكشف البيت بتوقيع صاحبه، فالنظارة تدخل مجالس الآخرين دون استئذان من أحد.
والصلة بين الاثنين ليست تشابهًا. فميتا أنشأت عام 2025 وحدةً للروبوتات الشبيهة بالبشر، واحتفت في مدونتها ببحث يدرب الروبوت على المهام اليومية من تسجيلات بعين مرتدي نظاراتها البحثية، لأنها تقلل الحاجة إلى التشغيل عن بُعد. فالمشغل في الروبوت والكاميرا في النظارة طريقان إلى المادة نفسها: أسرار ما يجري داخل البيوت.
ومن حسن الحظ أن لنا في التشريع القطري خيوط لحمايتنا وحماية المجتمع. فقانون حماية خصوصية البيانات الشخصية رقم 13 لسنة 2016 يعد بيانات الأطفال والصحة والمعتقدات الدينية والعلاقة الزوجية ذات طبيعة خاصة، لا تُعالَج إلا بتصريح. وهذه بعينها ما تلتقطه عين تدور في البيت: صوت الأطفال، ودواء الوالد، وخلاف الزوجين، وحديث المجلس. ثم جرم القانون رقم 11 لسنة 2025 تصوير الأفراد في الأماكن العامة وتداول صورهم دون إذن.
فالفجوة إذن ليست في المبدأ، بل في مدخل الجهاز. فهو يدخل اليوم باعتماد النوع وتصريح الاستيراد لدى هيئة تنظيم الاتصالات، وفق قانون الاتصالات رقم 34 لسنة 2006 وتعديله، وهو اعتماد يفحص الترددات والسلامة الفنية، ولا يسأل أين تذهب الصورة ولا من يراها ولا من يشغّل الجهاز عن بُعد. فهناك ثغرة ننتبه اليها.
المسألة تتجاوز البيت. فآلة متنقلة بكاميرا وميكروفون واتصال خارجي، إن دخلت مبنى حكوميا أو موقعا أمنيا، تمسح المكان والوجوه والأصوات، وتقبل التحكم من خارج الحدود. وقد بدأت كبرى شركات الدفاع التركية من البوابة نفسها، ومنها أسيلسان وروكيتسان، فلم تعد تُدخل السيارات الكهربائية الأجنبية إلى مقارها، لأن كاميراتها وحساساتها ترسم خريطة المكان «والتحكم فيها ليس بأيدينا»، كما قال مدير إحداها في 11 أكتوبر 2026.
والذي أقترحه أربع نقاط: أولًا يُصنف كل جهاز استشعار متصل يتنقل، مشيا أو على وجه لابسه، جهازا خاضعا لاعتماد أمني، لا سلعة عادية تباع في السوق أو تدخل البلد بلا إذن. وثانيا تمتد معايير اعتماد النوع إلى سيادة البيانات: أين تُعالَج، ومن يراجعها من البشر وفي أي بلد، ومن يتحكم بالجهاز عن بُعد. وثالثا تُشترط في مشتريات الجهات الحساسة معالجة محلية ومنع التحكم من الخارج وقدرة على التعطيل السيادي، ويُعامل دخول النظارات إليها معاملة الهواتف. ورابعا يقع المنع على القدرة لا على المنتج: فلا يُباع روبوت منزلي يسمح بتحكم بشري خارجي أو يبث الصوت والصورة خارج الجهاز، ولا نظارة تتعرف على وجوه الآخرين، ويُلزَم الاثنان بإشارة ظاهرة لا تُطفأ عند التسجيل.
وأقترح أن يناقش في مجلس الشورى ويسن له قانون وعلى استعجال. ونسميه قانون المحافظة على سترنا وأماننا. وأن يكون له اختبار هندسي لا يقبل المجاملة: هل يعمل الجهاز إذا قُطع عنه الاتصال الخارجي؟ فإن كان لا يعمل فهو قناة إلى الخارج، لا خادم في الداخل.
ولسنا نطلب حظر التقنية، فهي قادمة ونافعة وستخفف عن كبار السن والمرضى. وإنما نطلب أن تُكتب شروط دخولها قبل وصول أول شحنة، لا بعد أول قضية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9621
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2631
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2373
| 15 أكتوبر 2026