رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

564

هديل رشاد

قبل فوات الأوان

21 يوليو 2026 , 10:49م

وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول من أمس، كنت أفكر – كما اعتدتم مني – بالقضية التي سأطرحها في زاويتي الأسبوعية، كان ذهني منشغلًا بإسبانيا، ليس لفوز منتخبها المستحق على نظيره الأرجنتيني في نهائي بطولة كأس العالم لكرة القدم فيفا 2026 فقط، بل لمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية أيضًا، وكنت أبحث عن زاوية أربط بها بين الأمرين، قبل أن يستوقفني خبر استشهاد الحاج عودة عبد الرحيم عودة فراخنة، والشاب أحمد عادل رشيد أبو مخو برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين في بلدة دير جرير شرق رام الله.

وما آلمني أكثر أن الهجوم وقع بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي لمتابعة نهائي كأس العالم لكرة القدم، بانتظار صافرة النهاية، في حين كانت في رام الله انتهت بتوقيت الشهيدين، ظللت أفكر في هذا التناقض القاسي، وتهيأت للكتابة عن تلك المفارقة المؤلمة التي لا تحدث إلا على أرضنا المحتلة، لكن الحياة كانت قد أعدَّت لي زاوية أخرى؛ زاوية لا تقل إنسانية عما كنت أنوي أن يخطه قلمي، لكنها باغتتني كما لو أنني ارتطمت بلوح زجاجي، وكأن عقلي كان يوجهني إلى مسار آخر لم أكن أخطط للكتابة عنه في ذلك الصباح.

عند وصولي إلى مقر الصحيفة لمحَت عيناي سيارة إسعاف عبر البوابة الزجاجية لمدخل الزوار، وأنا، كما يعلم المقربون مني، أهاب رؤية سيارات الإسعاف، وأدعو دائمًا أن تكون وجهتها نجاةً لا مصابًا، وأن يصل من فيها سالمًا وأن يعود من نُقل إليها معافى، صعدت إلى الطابق الأول حيث يقع مكتبي، معتادةً أن أرى أحد أولئك الجنود المجهولين الذين يسبقون الجميع إلى العمل، فيعيدون ترتيب ما تركناه خلفنا من فوضى في الليلة السابقة؛ ورقة هُنا، وكوب قهوة بارد هناك، وآثار ساعات طويلة من العمل تختزلها مقاعد الزملاء ومكاتبهم، فأنتم أدرى بفوضى الصحفيين حين يستبد بهم الإلهام ويلتقطون فكرة وسط زحام اليوم وضجيج صالة التحرير الذي لا ينتهي.

لكنني في ذلك الصباح لم أره، وأنا المعتادة أن يبادرني كل يوم بتحية الصباح بلغته العربية المكسّرة: "سلام عليكم"، هذه المرة غاب صوته، فلم أجد "م.ر" في مكانه المعتاد، عندها عاد إلى ذهني مشهد سيارة الإسعاف، وسرعان ما أدركت أنها جاءت من أجله؛ الرجل الذي يتولى يوميًا، إلى جانب عدد من الجنود المجهولين، ترتيب مكاتبنا والعناية بتفاصيل راحتنا، حتى رأيت مسعفين اثنين يجريان له اللازم، لأقتنص لحظة وأسأل المسعفة عن قياساته الحيوية إن كانت تشي بسوء؟، حتى أخبرتني حينها أن علاماته الحيوية مستقرة، وأن تخطيط القلب المبدئي سليم، إلا أن نقله إلى المستشفى ضروري لاستكمال الفحوصات ولمزيد من الاطمئنان.

ولكن قبل أن تغادر سيارة الإسعاف، وجدت نفسي أطرح أسئلة على المسعفة كي تطرحها عليه، قلت لها: اسأليه هل يشعر بحزن يتوسط قلبه؟ هل يفتقد شيئًا لا يستطيع البوح به؟ هل أمضى ليلته في سلام، أم أن همًّا ما سَهِر معه حتى الفجر؟ هل أثقلته مسؤوليات لا تحتملها الجبال؟ وهل أخفى وراء ابتسامته اليومية تعبًا لم ينتبه إليه أحد؟

لم أكن أنتظر إجابات عن تلك الأسئلة بقدر ما كنت أراجع نفسي، فكم مرة نصادف أشخاصًا كل يوم دون أن نسألهم بصدق عن أحوالهم؟ وكم مرة نعتاد حضورهم إلى درجة أننا نتعامل معه كأمر مسلَّم به؟ وكم مرة نفترض أن الجميع بخير لمجرد أنهم يواصلون أداء أدوارهم المعتادة، ويبتسمون في وجوهنا كل صباح؟

فلا أدري لماذا ننتظر دائمًا حتى تنفد طاقة الإنسان بالكامل كي نلتفت إليه؟، لماذا نحتاج إلى أن يخذله جسده أو يستنزف آخر ما لديه من قوة حتى نقتنع بأنه كان متعبًا فعلًا؟، لماذا لا نرى الإشارات الصغيرة التي يرسلها لنا كل يوم؛ الإرهاق المختبئ خلف الابتسامة، والصمت الذي يزداد طولًا، والقلق الذي يحاول صاحبه أن يداريه عن عيون الآخرين؟

الحقيقة أن الإنسان لا يبلغ مرحلة الإنهاك دفعة واحدة، بل يقاوم طويلًا، ويبرر تعبه، ويؤجل شكواه، ويستعين على أوجاعه بالصبر، حتى إذا نفدت طاقته تمامًا، التفت الجميع نحوه ليسمعوا تهشم جدار صمته، وتلك الصرخة المكتومة، لكن بعد أن يكون التعب قد استنزف منه الكثير.

لكن مع توالي الأحداث بت أمقت كيف بتنا نجيد الاحتفاء بالأشخاص بعد غيابهم أكثر مما نجيد احتضانهم وهم بيننا، فنقيم حفلات التأبين، ونكتب كلمات الرثاء، ونعدد المناقب والفضائل، بل ونقوى حينها على دسِّ النقائص في جيب النسيان، بينما كانوا بحاجة إلى سؤال صادق عن أحوالهم، أو كلمة امتنان، أو يد تربت على أكتافهم في وقتها.

فما نفع قبلة على رأس ميِّت لن يشعر بدفئها؟!، وما جدوى بستان من الزهور يُهدى إلى مريض بعد أن يكون المرض قد استنفد ما بقي لديه من قوة؟!، وما قيمة الدموع المتأخرة إذا كانت كلمة طيبة في وقتها كفيلة بأن تخفف عن قلبه بعض ما يحمل؟!، نحن، في كثير من الأحيان، نؤجل المحبة والامتنان وكأن العمر مضمون، ونؤجل السؤال وكأن الغد وعد لا يُخلف، نؤجل الاتصال بصديق، وزيارة قريب، والاطمئنان على زميل، والتعبير عن الامتنان لمن يستحقه، ثم نفاجأ بأن بعض الناس كانوا يخوضون معاركهم بصمت، وأنهم لم يكونوا بحاجة إلى كلمات تُقال بعد فوات الأوان، بقدر حاجتهم إلى التفاتة صادقة وهم ما زالوا بيننا.

ختامًا...

لعل ما حدث مع "م.ر" ذلك الصباح أيقظني من الفكرة التي كنت أنوي الكتابة عنها إلى فكرة أخرى أكثر التصاقًا بحياتنا اليومية، ففي الوقت الذي كنت أفكر فيه بتقاطع احتفال العالم بنهائي كأس العالم مع نزيف الدم الفلسطيني في الضفة الغربية، وجدت نفسي أمام درس مختلف، درس يقول إن علينا أن نرى الناس قبل أن تنهكهم الحياة، وأن نسأل عنهم قبل أن تثقلهم الهموم، وأن نخبرهم بقيمتهم قبل أن يحرمنا الوقت من ذلك، فالمحبة، كسيارة الإسعاف تمامًا، لا نفع منها إذا وصلت متأخرة.

مساحة إعلانية