رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

372

وجيدة القحطاني

حيث يغيب الأب

15 سبتمبر 2026 , 12:25ص

في زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة، وتتزاحم المسؤوليات المهنية والاقتصادية، يبقى البيت في أمسّ الحاجة إلى ذلك الحضور الذي لا يمكن تعويضه، حضور الأب. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». ولم يجعل الإسلام مسؤولية الأب مقتصرة على الإنفاق، بل حمّله أمانة التربية والرعاية والتوجيه، لأن بناء الأسرة هو الأساس الذي يقوم عليه بناء المجتمع كله.

قد ينجح الأب في عمله، ويحقق مكانة اجتماعية مرموقة، ويؤمن لأسرته كل ما تحتاجه من متطلبات الحياة، لكنه قد يخسر أهم أدواره إذا غاب عن تفاصيل حياة أبنائه، أو أصبح وجوده في المنزل مجرد حضور جسدي لا يصاحبه تواصل أو اهتمام. فالأسرة لا تزدهر بكثرة المال، وإنما تزدهر بالحب، والاحتواء، والقدوة، والشعور بالأمان، وهي أمور يبدأ غرسها من الأب قبل أي شيء آخر.

الأب ليس مجرد رب أسرة، بل هو مدرسة متكاملة يتعلم منها الأبناء معنى المسؤولية والانضباط والصدق والرحمة. ومن خلال تصرفاته اليومية، وطريقة تعامله مع زوجته وأبنائه، يكتسب الأطفال أول دروسهم في الحياة. لذلك فإن كل كلمة يقولها الأب، وكل موقف يتخذه، يترك أثرًا قد يمتد سنوات طويلة، وربما يرافق أبناءه طوال حياتهم.

ومن المهم أن ندرك أن الحضور الأبوي لا يُقاس بعدد الساعات التي يقضيها الأب داخل المنزل، بل بمدى تأثيره في حياة أسرته. فقد يجلس الأب ساعات طويلة بين أفراد أسرته وهو منشغل بهاتفه أو عمله، فلا يشعر الأبناء بقربه، بينما قد يقضي معهم وقتًا قصيرًا، لكنه يكون حاضرًا بقلبه وعقله، فيستمع إليهم، ويحاورهم، ويشاركهم اهتماماتهم، فيصنع بذلك ذكريات لا تُنسى، ويغرس في نفوسهم شعورًا دائمًا بالأمان.

هذا الحضور الإيجابي ينعكس مباشرة على شخصية الأبناء. فالطفل الذي يجد أبًا يشجعه، ويثق بقدراته، ويحتفل بإنجازاته، ويحتويه عند الخطأ، ينشأ أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة، وأقل عرضة للاضطرابات النفسية أو الانجراف خلف السلوكيات السلبية. فالثقة بالنفس لا تُشترى، وإنما تُبنى داخل الأسرة، وتبدأ غالبًا من نظرة الأب إلى ابنه أو ابنته، ومن كلماته التي تمنحهم الإحساس بالقيمة.

كما يمثل وجود الأب داخل المنزل مصدرًا مهمًا للاستقرار النفسي لجميع أفراد الأسرة. فالأم تجد في وجود زوجها شريكًا حقيقيًا في تحمل المسؤولية، والأبناء يشعرون بأن هناك من يحميهم ويستمع إليهم ويوجههم. وهذا الشعور بالأمان ينعكس على علاقاتهم الاجتماعية، وأدائهم الدراسي، وقدرتهم على اتخاذ القرارات بثقة واتزان.

وفي المقابل، فإن الانشغال المستمر خارج المنزل، مهما كانت أسبابه، قد يترك آثارًا سلبية لا تظهر في بدايتها، لكنها تتراكم مع مرور الوقت. فالأبناء الذين يعتادون غياب والدهم، أو انشغاله الدائم، قد يتوقفون عن الحديث معه، وقد يبحثون عن قدوات بديلة خارج الأسرة، وربما يلجؤون إلى أشخاص يمنحونهم الاهتمام الذي افتقدوه داخل البيت. عندها يدرك الأب، بعد سنوات، أن المسافة بينه وبين أبنائه أصبحت أكبر من أن تُختصر في هدية أو رحلة عابرة.

ومن أكثر من يتأثر بغياب الأب، الفتاة. فهي تحتاج إلى والد يمنحها الشعور بالحب غير المشروط، ويحتوي مشاعرها، ويستمع إلى حديثها، ويشجعها على النجاح، ويعاملها باحترام وتقدير. فالأب هو أول نموذج للرجولة في حياة ابنته، ومن خلال علاقتها به تتشكل ثقتها بنفسها، وتتكون نظرتها إلى ذاتها وإلى الآخرين.

إن الفتاة التي تكبر وهي تشعر بأن والدها يثق بها، ويقدر رأيها، ويفتخر بإنجازاتها، تكون أكثر قوة في مواجهة الحياة، وأكثر قدرة على اختيار علاقاتها بصورة صحية، وأقل احتياجًا للبحث عن التقدير خارج أسرتها. أما حين يغيب هذا الدور، فقد ينشأ فراغ عاطفي ينعكس على شخصيتها وقراراتها في المستقبل.

ولا يقل تأثير الأب في تربية الأبناء الذكور أهمية، فهو النموذج الذي يتعلمون منه معنى الرجولة الحقيقية؛ رجولة تقوم على الأخلاق، والرحمة، وتحمل المسؤولية، واحترام المرأة، والوفاء بالوعد، والعمل الجاد. فالأبناء لا يتعلمون من النصائح بقدر ما يتعلمون من القدوة، ولذلك فإن سلوك الأب اليومي هو أعظم درس يقدمه لأبنائه.

وفي ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبحت الأسرة تواجه تحديات جديدة؛ من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إلى ضغوط الدراسة والعمل، وصولًا إلى تغير أنماط العلاقات داخل المجتمع. وكل هذه التحديات تجعل دور الأب أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه يمثل صمام الأمان الذي يحافظ على تماسك الأسرة ويمنح أبناءه القدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ.

إن المجتمع الذي يحظى بأسر مستقرة هو مجتمع أكثر أمنًا وتماسكًا، لأن الأسرة هي المدرسة الأولى التي تُصنع فيها القيم، ويُبنى فيها الإنسان. وكل أب يمنح أبناءه وقتًا، وحوارًا، واحتواءً، إنما يشارك في بناء مجتمع أكثر استقرارًا، ويؤدي رسالة وطنية وإنسانية لا تقل أهمية عن أي إنجاز مهني أو اقتصادي.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل أب على نفسه: ماذا سيبقى في ذاكرة أبنائي بعد سنوات؟ هل سيتذكرون حجم ما أنفقته عليهم، أم سيتذكرون أنني كنت حاضرًا معهم في أفراحهم وأحزانهم، أستمع إليهم، وأحتضن أحلامهم، وأساندهم في عثراتهم؟

الإجابة واضحة؛ فالأبوة ليست لقبًا، وإنما رسالة، وليست مسؤولية مالية فحسب، بل حضور إنساني يصنع النفوس قبل أن يصنع المستقبل. وحين يدرك الأب هذه الحقيقة، ستزهر الأسرة بالمحبة، ويكبر الأبناء وهم يحملون في قلوبهم الثقة والأمان، ويصبح البيت المكان الذي يعودون إليه دائمًا، مهما ابتعدت بهم طرق الحياة.

اقرأ المزيد

جلد الذات.. عندما يتحول الناقد الداخلي إلى عدو للحياة جلد الذات.. عندما يتحول الناقد الداخلي إلى عدو للحياة

لا يوجد إنسان لم يخطئ، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما هو من صفات الخالق سبحانه وتعالى. ومع... اقرأ المزيد

426

| 11 أغسطس 2026

النجاح يبدأ بفكرة... والفكرة تحتاج إلى مؤمن بها النجاح يبدأ بفكرة... والفكرة تحتاج إلى مؤمن بها

"ابتعد عن السلبيين... لأنهم يملكون مشكلة لكل حل".. حكمة قالها ألبرت أينشتاين، ومعناها يحمل دلالة عميقة؛ فالأشخاص السلبيون... اقرأ المزيد

360

| 28 يوليو 2026

الأمير الوالد.. حين يبكي الوطن أباه الأمير الوالد.. حين يبكي الوطن أباه

هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون في تفاصيل الحياة اليومية لشعوبهم. وهناك قادة لا تُقاس مكانتهم بعدد السنوات... اقرأ المزيد

519

| 18 يوليو 2026

مساحة إعلانية