رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، مجرد عرض لما واجهته دولة قطر من تحديات خلال الفترة الأخيرة، وإنما قدم تصورًا متكاملًا لكيفية حماية الدولة لمقومات حياتها الطبيعية، والحفاظ على مسار التنمية، في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد. فقد أكد سموه أن قطر عززت صمودها دفاعًا عن سيادتها وأرضها وشعبها، بالتوازي مع استمرارها في العمل الدبلوماسي، وتصميم خطط اقتصادية مرنة، والتمسك بمشروعاتها التنموية رغم الكلفة الباهظة التي فرضتها الحرب الأخيرة في المنطقة.
ويكشف هذا الطرح عن رؤية تعتبر أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات لحظة وقوعها، وإنما بمدى استعدادها المسبق لها، وبقدرتها على حماية حياة مواطنيها والمقيمين على أرضها، وضمان استمرار المؤسسات والخدمات والتنمية. ومن هنا جاء تأكيد سمو الأمير أن خيار قطر عند كل منعطف وفي كل أزمة يقوم على الجمع بين الثبات والمرونة، وإعلاء مصلحة الوطن وشعبه والمقيمين فيه.
وفي هذه الرؤية، لا تبدو المرونة نقيضًا للثبات، بل وسيلة لحماية الثوابت والحفاظ عليها. فسمو الأمير شدد على أن كرامة الوطن لا تقايض، وأن الحكمة والصلابة وجهان لعملة واحدة، بما يعكس نهجًا يقوم على الجمع بين حماية السيادة والقدرة على التعامل الواقعي مع المتغيرات، دون التخلي عن مسار التنمية أو مقومات الحياة الطبيعية.
ولعل أبرز ما يلفت في كلمة سموه هو الربط المباشر بين الصمود والاستثمار في الإنسان. فقد أكد أن التجارب والتحديات أثبتت أن الصمود لا يأتي بصورة مفاجئة، وإنما هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط واستعداد واستثمار في الإنسان وفي القدرات الوطنية. ولذلك عملت دولة قطر، وفق ما أوضحه سموه، على مدى سنوات على دراسة المخاطر وتأمين سلاسل الإمداد وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية وبناء احتياطيات استراتيجية وإقامة شراكات دولية موثوقة.
وهنا يبرز البعد الاجتماعي في مفهوم الصمود الذي طرحه سمو الأمير؛ فالدولة التي تستعد للأزمات هي التي تضع في مقدمة أولوياتها حماية المجتمع واستمرار الحياة اليومية، وعدم السماح للظروف الاستثنائية بأن تعطل مسيرة التنمية أو تمس قدرة مؤسساتها على أداء أدوارها. ومن ثم يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية وتعزيز المؤسسات وبناء الاحتياطيات جزءًا من منظومة حماية المجتمع، وليس مجرد إجراءات اقتصادية أو إدارية.
كما وضع سمو الأمير التنمية في سياق أوسع، حين أكد إدراك دولة قطر للتكامل بين السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ومواصلة الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030. ويعني ذلك أن التنمية في التصور الذي قدمه سموه ليست مسارًا منفصلًا عن الاستقرار، وإنما عنصر أساسي من عناصر قدرة المجتمع والدولة على مواجهة الأزمات والاستمرار في بناء المستقبل.
ويحتل التعليم والصحة، في هذا الإطار، موقعًا مهمًا ضمن منظومة الاستثمار في الإنسان، إلى جانب بناء القدرات الوطنية وتعزيز المؤسسات. فالحفاظ على مسار التنمية في أوقات الأزمات يعني، وفق مضمون الكلمة، عدم النظر إلى الإنفاق على الإنسان باعتباره أمرًا يمكن تأجيله، وإنما باعتباره جزءًا من الاستعداد للمستقبل ومن بناء القدرة الوطنية على الصمود.
ولم يغفل سمو الأمير البعد التاريخي لهذا النهج، حين أشار إلى الجذور التي غرسها قادة قطر، من المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني إلى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير البلاد بين عامي 1995 و2013، الذي غادر هذا العام، وحرص سموه على توجيه الشكر للجمعية العامة للأمم المتحدة لعقد جلسة خاصة تكريمًا لذكراه وتقديرًا لإرثه.
ويكتسب استحضار هذه المسيرة أهمية خاصة في سياق حديث سمو الأمير عن الصمود؛ إذ يضع السياسات والممارسات الراهنة في إطار نهج ممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ الدولة. وقد أكدت الأمم المتحدة، خلال جلسة تكريم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في سبتمبر الجاري، أن إرثه ارتبط بالتحول في الداخل والحوار والدبلوماسية في الخارج، مع تأكيد أهمية التنمية المرتكزة على كرامة الإنسان.
ومن اللافت كذلك أن سمو الأمير لم يقدم الصمود باعتباره انغلاقًا على الذات، بل ربطه باستمرار الجهود الدبلوماسية وبالشراكات الدولية الموثوقة. فالدولة، كما أوضح، عززت قدراتها الوطنية وتأمين سلاسل الإمداد والاحتياطيات الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه واصلت بذل كل ما في وسعها لتدارك الأوضاع بالجهود الدبلوماسية.
وهذا الجمع بين الاستعداد الداخلي والانفتاح على التعاون الخارجي يعكس فهمًا للصمود باعتباره قدرة متكاملة؛ تبدأ من الداخل عبر بناء الإنسان والمؤسسات والاقتصاد، وتمتد إلى الخارج من خلال العلاقات والشراكات والجهود الرامية إلى التعامل مع الأزمات بالوسائل الدبلوماسية.
كما أن حديث سمو الأمير عن الشعب والمقيمين على أرض قطر يضع الإنسان في مركز هذه الرؤية، باعتباره جزءًا أساسيًا من معادلة الاستقرار والتنمية. فالدفاع عن الوطن، وفق ما جاء في الكلمة، لا ينفصل عن الدفاع عن مقومات الحياة الطبيعية، ولا عن استمرار المشروعات التنموية التي تمس حاضر المجتمع ومستقبله.
وفي ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة، تبدو الرسالة الأساسية في كلمة سمو الأمير واضحة: إن مواجهة التحديات لا تعني تعليق التنمية، كما أن مواصلة التنمية لا تعني تجاهل المخاطر. وإنما يكمن التحدي في القدرة على الجمع بين الأمرين؛ الاستعداد لمواجهة الظروف الاستثنائية، والاستمرار في بناء القدرات التي تجعل المجتمع أكثر قدرة على التعامل معها.
ومن هذا المنظور، يصبح الصمود مشروعًا مستمرًا وليس رد فعل مؤقتًا، يبدأ بالتخطيط والاستعداد، ويمر بالاستثمار في الإنسان، وتعزيز المؤسسات وتأمين الاحتياجات الأساسية، ويستند إلى اقتصاد مرن وشراكات موثوقة، مع استمرار العمل من أجل السلام والاستقرار عبر الجهود الدبلوماسية.
وتأتي رؤية قطر الوطنية 2030 في هذا السياق باعتبارها الإطار الذي يربط بين التنمية وبناء القدرات الوطنية، بما يجعل الإنسان محورًا أساسيًا في مسيرة الدولة. وقد أكد سمو الأمير أن مواصلة الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي تأتي في إطار هذه الرؤية.
وبذلك حملت كلمة سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الأمم المتحدة رسالة تتجاوز توصيف الظروف الراهنة إلى التأكيد على منهج في التعامل معها: ثبات في حماية السيادة والمصالح الوطنية، ومرونة في إدارة الأزمات، واستعداد يقوم على التخطيط، واستثمار مستمر في الإنسان والقدرات الوطنية، وتمسك بمسار التنمية.
إنها معادلة يختصرها مضمون الكلمة في أن صمود الوطن لا يبدأ عند اندلاع الأزمة، بل يُبنى قبلها بسنوات؛ عبر مجتمع قادر، ومؤسسات مستعدة، واقتصاد مرن، وتنمية لا تتوقف، وإنسان يأتي في قلب كل هذه الجهود.
"كنف".. قلب الأسرة وصناعة المستقبل
يمثل تدشين مركز التربية الوالدية (كنف) في قطر خطوة نوعية جديدة تعكس عمق الرؤية الوطنية التي تضع الأسرة... اقرأ المزيد
300
| 15 أغسطس 2026
جلد الذات.. عندما يتحول الناقد الداخلي إلى عدو للحياة
لا يوجد إنسان لم يخطئ، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما هو من صفات الخالق سبحانه وتعالى. ومع... اقرأ المزيد
450
| 11 أغسطس 2026
النجاح يبدأ بفكرة... والفكرة تحتاج إلى مؤمن بها
"ابتعد عن السلبيين... لأنهم يملكون مشكلة لكل حل".. حكمة قالها ألبرت أينشتاين، ومعناها يحمل دلالة عميقة؛ فالأشخاص السلبيون... اقرأ المزيد
372
| 28 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• ناشطة اجتماعية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3429
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3228
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1248
| 01 أكتوبر 2026