رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

294

وجيدة القحطاني

دريمة.. من الرعاية إلى التمكين

04 أكتوبر 2026 , 12:00ص

تأتي المنتديات المعنية بالرعاية البديلة وحماية الأطفال في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تطوير منظومات متكاملة لا تكتفي بتوفير الرعاية الأساسية، وإنما تنظر إلى الطفل باعتباره إنسانًا له حق أصيل في الأمان والاستقرار والنمو والتمكين والمشاركة في المجتمع.

ومن هذا المنطلق، يكتسب منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري»، الذي ينظمه مركز رعاية الأيتام «دريمة» بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، تحت رعاية سعادة السيدة بثينة بنت علي جبر النعيمي وزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة رئيس مجلس إدارة المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، أهمية خاصة، باعتباره منصة لاستعراض المعايير الدولية والممارسات القائمة على الأدلة، ومناقشة مقومات ومتطلبات تعزيز بيئة الرعاية البديلة، إلى جانب بحث آليات رفع رفاه الأطفال فاقدي السند الوالدي وتمكينهم والتعامل مع التحديات والمخاطر القائمة والمستقبلية.

وتبرز مؤسسة دريمة لرعاية الأيتام بوصفها إحدى الجهات المحورية في هذا المجال، لما تضطلع به من دور في دعم الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، والعمل على توفير بيئة بديلة تساعدهم على تجاوز الظروف التي مروا بها، وتمنحهم فرصًا حقيقية للنمو بصورة آمنة ومتوازنة، فالرعاية البديلة، في مفهومها الحديث، لا ينبغي أن تتوقف عند توفير المسكن أو الاحتياجات المادية، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الرعاية النفسية والاجتماعية والتعليمية والصحية، فضلًا عن بناء علاقات مستقرة وآمنة تساعد الطفل على الشعور بالانتماء والثقة والقدرة على بناء مستقبله.

ومن هنا يأتي الدور المهم الذي تؤديه دريمة في هذا المجال، ليس فقط باعتبارها جهة تقدم خدمات الرعاية، وإنما باعتبارها طرفًا يمتلك خبرة عملية في التعامل مع احتياجات الأطفال فاقدي السند الوالدي، وما يرتبط بذلك من قضايا الأسرة والدمج المجتمعي والتأهيل والتمكين. وتمنح مثل هذه المنتديات المؤسسة مساحة مهمة لعرض خبراتها وتبادل التجارب والممارسات والاستفادة من الخبرات الدولية بما يتناسب مع خصوصية المجتمع واحتياجات أطفاله.

وتشير أهداف المنتدى إلى أن الرعاية البديلة أصبحت قضية تتطلب تعاونًا واسعًا بين المؤسسات الحكومية والاجتماعية والأهلية والمنظمات الدولية والمتخصصين في مجالات الطفولة والأسرة والخدمات الاجتماعية. كما أن حماية الطفل لا تبدأ عند وقوع المشكلة، وإنما من خلال تبني منهج وقائي يقوم على دعم الأسرة وتعزيز قدرتها على توفير بيئة آمنة ومستقرة، والتدخل المبكر عندما تظهر مؤشرات الخطر، بما يقلل من احتمالات تعرض الأطفال لفقدان الرعاية الأسرية.

وهنا تتقاطع أهداف المنتدى مع أهمية الدور المجتمعي لدريمة؛ فالرعاية البديلة لا تنفصل عن الأسرة، بل تستهدف في جوهرها توفير أفضل الظروف الممكنة للطفل، مع الحفاظ على الروابط الأسرية كلما كان ذلك ممكنًا وآمنًا، والعمل في الوقت ذاته على توفير بدائل مناسبة عندما يتعذر استمرار الرعاية الأسرية.

ويكتسب التمكين أهمية خاصة في هذا السياق؛ فالطفل فاقد السند الوالدي لا يحتاج إلى أن يكون متلقيًا دائمًا للرعاية، وإنما يحتاج إلى أن يحصل تدريجيًا على الأدوات التي تمكنه من الاعتماد على ذاته، سواء من خلال التعليم أو التدريب أو اكتساب المهارات الحياتية أو المشاركة في الأنشطة المجتمعية والثقافية والرياضية. ومن هذه الزاوية، يتجاوز دور دريمة مفهوم الرعاية التقليدية إلى بناء شخصية الطفل وإعداده للمستقبل، بحيث تكون مرحلة الرعاية محطة للانتقال إلى حياة أكثر استقلالًا وقدرة على المشاركة والإنتاج، وليست مجرد استجابة مؤقتة لظرف اجتماعي.

كما يفتح المنتدى الباب أمام مناقشة رفاه الطفل بمفهومه الشامل، وهو مفهوم يتجاوز المؤشرات المادية إلى الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية والشعور بالأمان والقدرة على التعبير عن الرأي. فالطفل الذي يعيش في بيئة مستقرة ويشعر بأنه مسموع ومحترم يكون أكثر قدرة على التعلم والتفاعل وبناء علاقات صحية مع محيطه، وهو ما يجعل وضع احتياجات الطفل في مقدمة عملية اتخاذ القرار محورًا أساسيًا في تطوير منظومة الرعاية البديلة.

ويؤكد انعقاد المنتدى بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» أن قضايا الرعاية البديلة أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تستند إلى معايير حقوق الطفل، وتبحث باستمرار عن نماذج أكثر فاعلية في الحماية والرعاية والتمكين. وتمثل هذه الشراكة فرصة لتبادل الخبرات والاستفادة من المعايير والممارسات الدولية، بما يسهم في تطوير أدوات العمل مع الأطفال والأسر ومقدمي الرعاية.

ولعل القيمة الأهم لمثل هذه المنتديات تكمن في تحويل النقاش من مجرد استعراض للتحديات إلى بناء حلول قابلة للتطبيق، وتطوير آليات للتعاون بين المؤسسات، وتبادل المعرفة والخبرات، ورفع قدرات العاملين في مجال الخدمات الاجتماعية والرعاية. كما يمثل المنتدى فرصة لتأكيد أن حماية الطفل مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، وتشارك فيها مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وجميع الجهات المعنية بالطفولة.

وفي قلب هذه المنظومة تأتي دريمة كإحدى المؤسسات التي يمكن أن تسهم في صياغة مستقبل أكثر شمولًا للرعاية البديلة، من خلال نقل خبرتها الميدانية إلى مساحات الحوار والتطوير، والمشاركة في بلورة سياسات وممارسات تضع مصلحة الطفل في المقدمة. فتنظيم المنتدى يعكس حرص المركز على مواصلة تطوير منظومة الرعاية، والاستفادة من أحدث الخبرات والتجارب الدولية والإقليمية، وتطبيق أفضل الممارسات التي تصب في مصلحة الأطفال فاقدي السند الأسري.

ويُعد النهوض بفئة الأيتام والأطفال فاقدي السند الأسري من أسمى الغايات الإنسانية والاجتماعية التي تتطلب تكاتفًا مستمرًا وجهودًا متخصصة تضمن لهم حياة كريمة ومستقبلًا آمنًا. وفي هذا السياق، يمثل منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري» محطة مهمة في دعم هذه الفئة وتطوير منظومة الرعاية الموجهة إليها، من خلال التركيز على الرفاه والاستقرار النفسي والاجتماعي والمادي، وتمكين الأطفال وتزويدهم بالمهارات والبيئة الحاضنة التي تعزز اندماجهم الفاعل في المجتمع.

كما أن نجاح أي منظومة للرعاية البديلة يقاس في النهاية بقدرتها على الإجابة عن سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: هل أصبح الطفل أكثر أمنًا واستقرارًا وقدرة على بناء مستقبله؟ ومن هنا، فإن دريمة لا تقدم نموذجًا للرعاية فحسب، وإنما تسهم في بناء رؤية تقوم على الانتقال بالطفل من دائرة الاحتياج إلى آفاق التمكين والاستقلال، بما يعزز حقه في حياة كريمة ومستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا.

وتتوج هذه الجهود بالشراكة والدعم المؤسسي، وفي مقدمتها المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، التي تمثل مظلة داعمة للبرامج والفعاليات الهادفة إلى بناء مجتمع متماسك يرعى أبناءه بكل مسؤولية، إلى جانب الجهود التي يبذلها القائمون على مركز دريمة من إدارة وموظفين ومقدمي خدمة، بما يعكس التزامًا متواصلًا بتطوير الخدمات المقدمة للأطفال فاقدي السند الأسري.

إن منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري» ليس مجرد لقاء لتبادل الأفكار والخبرات، وإنما مساحة لتأكيد أن الطفل هو محور كل جهد، وأن الرعاية الحقيقية تبدأ بالحماية، وتمتد إلى الاستقرار، وتنتهي بالتمكين والاستقلال. وفي هذا المسار، تواصل دريمة أداء دورها كقلب لمنظومة الرعاية البديلة، وشريك فاعل في حماية الأطفال فاقدي السند الأسري وصناعة مستقبل يليق بهم.

مساحة إعلانية