رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأتي المنتديات المعنية بالرعاية البديلة وحماية الأطفال في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تطوير منظومات متكاملة لا تكتفي بتوفير الرعاية الأساسية، وإنما تنظر إلى الطفل باعتباره إنسانًا له حق أصيل في الأمان والاستقرار والنمو والتمكين والمشاركة في المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يكتسب منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري»، الذي ينظمه مركز رعاية الأيتام «دريمة» بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، تحت رعاية سعادة السيدة بثينة بنت علي جبر النعيمي وزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة رئيس مجلس إدارة المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، أهمية خاصة، باعتباره منصة لاستعراض المعايير الدولية والممارسات القائمة على الأدلة، ومناقشة مقومات ومتطلبات تعزيز بيئة الرعاية البديلة، إلى جانب بحث آليات رفع رفاه الأطفال فاقدي السند الوالدي وتمكينهم والتعامل مع التحديات والمخاطر القائمة والمستقبلية.
وتبرز مؤسسة دريمة لرعاية الأيتام بوصفها إحدى الجهات المحورية في هذا المجال، لما تضطلع به من دور في دعم الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، والعمل على توفير بيئة بديلة تساعدهم على تجاوز الظروف التي مروا بها، وتمنحهم فرصًا حقيقية للنمو بصورة آمنة ومتوازنة، فالرعاية البديلة، في مفهومها الحديث، لا ينبغي أن تتوقف عند توفير المسكن أو الاحتياجات المادية، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الرعاية النفسية والاجتماعية والتعليمية والصحية، فضلًا عن بناء علاقات مستقرة وآمنة تساعد الطفل على الشعور بالانتماء والثقة والقدرة على بناء مستقبله.
ومن هنا يأتي الدور المهم الذي تؤديه دريمة في هذا المجال، ليس فقط باعتبارها جهة تقدم خدمات الرعاية، وإنما باعتبارها طرفًا يمتلك خبرة عملية في التعامل مع احتياجات الأطفال فاقدي السند الوالدي، وما يرتبط بذلك من قضايا الأسرة والدمج المجتمعي والتأهيل والتمكين. وتمنح مثل هذه المنتديات المؤسسة مساحة مهمة لعرض خبراتها وتبادل التجارب والممارسات والاستفادة من الخبرات الدولية بما يتناسب مع خصوصية المجتمع واحتياجات أطفاله.
وتشير أهداف المنتدى إلى أن الرعاية البديلة أصبحت قضية تتطلب تعاونًا واسعًا بين المؤسسات الحكومية والاجتماعية والأهلية والمنظمات الدولية والمتخصصين في مجالات الطفولة والأسرة والخدمات الاجتماعية. كما أن حماية الطفل لا تبدأ عند وقوع المشكلة، وإنما من خلال تبني منهج وقائي يقوم على دعم الأسرة وتعزيز قدرتها على توفير بيئة آمنة ومستقرة، والتدخل المبكر عندما تظهر مؤشرات الخطر، بما يقلل من احتمالات تعرض الأطفال لفقدان الرعاية الأسرية.
وهنا تتقاطع أهداف المنتدى مع أهمية الدور المجتمعي لدريمة؛ فالرعاية البديلة لا تنفصل عن الأسرة، بل تستهدف في جوهرها توفير أفضل الظروف الممكنة للطفل، مع الحفاظ على الروابط الأسرية كلما كان ذلك ممكنًا وآمنًا، والعمل في الوقت ذاته على توفير بدائل مناسبة عندما يتعذر استمرار الرعاية الأسرية.
ويكتسب التمكين أهمية خاصة في هذا السياق؛ فالطفل فاقد السند الوالدي لا يحتاج إلى أن يكون متلقيًا دائمًا للرعاية، وإنما يحتاج إلى أن يحصل تدريجيًا على الأدوات التي تمكنه من الاعتماد على ذاته، سواء من خلال التعليم أو التدريب أو اكتساب المهارات الحياتية أو المشاركة في الأنشطة المجتمعية والثقافية والرياضية. ومن هذه الزاوية، يتجاوز دور دريمة مفهوم الرعاية التقليدية إلى بناء شخصية الطفل وإعداده للمستقبل، بحيث تكون مرحلة الرعاية محطة للانتقال إلى حياة أكثر استقلالًا وقدرة على المشاركة والإنتاج، وليست مجرد استجابة مؤقتة لظرف اجتماعي.
كما يفتح المنتدى الباب أمام مناقشة رفاه الطفل بمفهومه الشامل، وهو مفهوم يتجاوز المؤشرات المادية إلى الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية والشعور بالأمان والقدرة على التعبير عن الرأي. فالطفل الذي يعيش في بيئة مستقرة ويشعر بأنه مسموع ومحترم يكون أكثر قدرة على التعلم والتفاعل وبناء علاقات صحية مع محيطه، وهو ما يجعل وضع احتياجات الطفل في مقدمة عملية اتخاذ القرار محورًا أساسيًا في تطوير منظومة الرعاية البديلة.
ويؤكد انعقاد المنتدى بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» أن قضايا الرعاية البديلة أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تستند إلى معايير حقوق الطفل، وتبحث باستمرار عن نماذج أكثر فاعلية في الحماية والرعاية والتمكين. وتمثل هذه الشراكة فرصة لتبادل الخبرات والاستفادة من المعايير والممارسات الدولية، بما يسهم في تطوير أدوات العمل مع الأطفال والأسر ومقدمي الرعاية.
ولعل القيمة الأهم لمثل هذه المنتديات تكمن في تحويل النقاش من مجرد استعراض للتحديات إلى بناء حلول قابلة للتطبيق، وتطوير آليات للتعاون بين المؤسسات، وتبادل المعرفة والخبرات، ورفع قدرات العاملين في مجال الخدمات الاجتماعية والرعاية. كما يمثل المنتدى فرصة لتأكيد أن حماية الطفل مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، وتشارك فيها مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وجميع الجهات المعنية بالطفولة.
وفي قلب هذه المنظومة تأتي دريمة كإحدى المؤسسات التي يمكن أن تسهم في صياغة مستقبل أكثر شمولًا للرعاية البديلة، من خلال نقل خبرتها الميدانية إلى مساحات الحوار والتطوير، والمشاركة في بلورة سياسات وممارسات تضع مصلحة الطفل في المقدمة. فتنظيم المنتدى يعكس حرص المركز على مواصلة تطوير منظومة الرعاية، والاستفادة من أحدث الخبرات والتجارب الدولية والإقليمية، وتطبيق أفضل الممارسات التي تصب في مصلحة الأطفال فاقدي السند الأسري.
ويُعد النهوض بفئة الأيتام والأطفال فاقدي السند الأسري من أسمى الغايات الإنسانية والاجتماعية التي تتطلب تكاتفًا مستمرًا وجهودًا متخصصة تضمن لهم حياة كريمة ومستقبلًا آمنًا. وفي هذا السياق، يمثل منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري» محطة مهمة في دعم هذه الفئة وتطوير منظومة الرعاية الموجهة إليها، من خلال التركيز على الرفاه والاستقرار النفسي والاجتماعي والمادي، وتمكين الأطفال وتزويدهم بالمهارات والبيئة الحاضنة التي تعزز اندماجهم الفاعل في المجتمع.
كما أن نجاح أي منظومة للرعاية البديلة يقاس في النهاية بقدرتها على الإجابة عن سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: هل أصبح الطفل أكثر أمنًا واستقرارًا وقدرة على بناء مستقبله؟ ومن هنا، فإن دريمة لا تقدم نموذجًا للرعاية فحسب، وإنما تسهم في بناء رؤية تقوم على الانتقال بالطفل من دائرة الاحتياج إلى آفاق التمكين والاستقلال، بما يعزز حقه في حياة كريمة ومستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا.
وتتوج هذه الجهود بالشراكة والدعم المؤسسي، وفي مقدمتها المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، التي تمثل مظلة داعمة للبرامج والفعاليات الهادفة إلى بناء مجتمع متماسك يرعى أبناءه بكل مسؤولية، إلى جانب الجهود التي يبذلها القائمون على مركز دريمة من إدارة وموظفين ومقدمي خدمة، بما يعكس التزامًا متواصلًا بتطوير الخدمات المقدمة للأطفال فاقدي السند الأسري.
إن منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري» ليس مجرد لقاء لتبادل الأفكار والخبرات، وإنما مساحة لتأكيد أن الطفل هو محور كل جهد، وأن الرعاية الحقيقية تبدأ بالحماية، وتمتد إلى الاستقرار، وتنتهي بالتمكين والاستقلال. وفي هذا المسار، تواصل دريمة أداء دورها كقلب لمنظومة الرعاية البديلة، وشريك فاعل في حماية الأطفال فاقدي السند الأسري وصناعة مستقبل يليق بهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• ناشطة اجتماعية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2229
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1104
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
570
| 12 أكتوبر 2026