رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

التراث الشعبي العمود الفقري للهوية الوطنية

رغم مرور فترة من انتهاء فعاليات اليوم الوطني في دولتنا الحبيبة قطر، إلا أن الاحتفالات والفعاليات التي جرت على مدار شهر ديسمبر، والاستعدادات التي حدثت على مدار العام الماضي، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أهمية التراث الشعبي والدور الكبير الذي يقوم به في بناء الهوية الوطنية القطرية. فقد جاءت هذه الفعاليات لتجدد العهد بين الأجيال وترسّخ القيم التي نشأ عليها المجتمع القطري، مستندة إلى تاريخ عريق وتجربة إنسانية ثرية شكلت وجدان الوطن. لقد كان الحديث عن التراث الشعبي حاضرًا بقوة في كل زاوية من زوايا الاحتفالات، سواء من خلال العروض التراثية، أو الفنون الشعبية، أو الأزياء التقليدية، أو حتى الأطعمة القطرية الأصيلة. ولم تكن تلك الفعاليات مجرد مظاهر احتفالية عابرة، بل تحولت إلى رسالة وطنية عميقة تؤكد أن الهوية القطرية لا تُبنى فقط عبر الإنجازات الحديثة، بل تستمد قوتها الحقيقية من جذورها الضاربة في عمق التاريخ. يشكل التراث الشعبي حجر الأساس في بناء الهوية الوطنية لأي مجتمع، وفي قطر على وجه الخصوص، يمثل هذا التراث مرآة صادقة تعكس طبيعة المجتمع، وقيمه، وعلاقته بالبحر والصحراء، وهما العنصران اللذان شكّلا ملامح الشخصية القطرية عبر عقود طويلة. فمن خلال الموروث الشعبي، نتعرف على أنماط الحياة القديمة، وأساليب العمل، وقيم التعاون، والصبر، والاعتماد على النفس، وهي قيم ما زالت حاضرة في السلوك المجتمعي القطري حتى اليوم. لقد ساهمت الفعاليات التراثية المصاحبة لليوم الوطني في دغدغة مشاعر القطريين، كبارًا وصغارًا، إذ أعادت إلى الأذهان قصص الآباء والأجداد، وأبرزت حجم التضحيات التي بُذلت من أجل بناء هذا الوطن. كما ساعدت هذه الفعاليات الأجيال الجديدة على التعرف عن قرب على التراث الشعبي القطري، ليس من خلال الكتب فقط، بل عبر تجربة حية ومباشرة تجمع بين المتعة والمعرفة. تنوعت الفعاليات التي شهدتها الدولة خلال شهر ديسمبر، ما بين عروض الفنون الشعبية مثل العرضة القطرية، والرزيف، وفنون البحر المرتبطة بالغوص وصيد اللؤلؤ، إلى جانب الأسواق التراثية التي أعادت إحياء مشاهد الحياة القديمة بكل تفاصيلها. هذه الفعاليات لم تكن موجهة للمواطنين فقط، بل كانت أيضًا نافذة مهمة للتعريف بالتراث القطري أمام المقيمين والزوار، ما يعكس انفتاح الهوية القطرية واعتزازها بذاتها في الوقت نفسه. وقد لعبت المتاحف والمؤسسات الثقافية دورًا محوريًا في هذه الاحتفالات، من خلال تنظيم المعارض والندوات وورش العمل التي سلطت الضوء على الحرف التقليدية، مثل السدو، وصناعة السفن الخشبية، وصياغة الحلي، وغيرها من المهن التي شكّلت جزءًا أصيلًا من الاقتصاد والمجتمع في الماضي. وأسهم ذلك في ربط الماضي بالحاضر، وإظهار أن التراث ليس مجرد ذكرى، بل عنصر حي قابل للتجدد والاستمرار. إن الحفاظ على التراث الشعبي ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية، خاصة في ظل العولمة والتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم. فالمجتمعات التي تفقد ارتباطها بتراثها، تفقد جزءًا كبيرًا من هويتها وخصوصيتها. ومن هنا، تأتي أهمية الجهود التي تبذلها دولة قطر في توثيق تراثها المادي وغير المادي، ودعمه عبر المؤسسات الرسمية والمبادرات المجتمعية. ختامًا، يمكن القول إن التراث الشعبي القطري هو العمود الفقري للهوية الوطنية، وهو الرابط الذي يجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل. وما شهدته دولة قطر من فعاليات واحتفالات خلال اليوم الوطني وما قبله وبعده، يؤكد أن هذا الوطن واعٍ بقيمة تراثه، ومدرك لأهمية الحفاظ عليه وتطويره ليبقى حيًا في وجدان الأجيال. فالتراث ليس مجرد احتفال موسمي، بل هو أسلوب حياة، ورسالة وطن، وعهد يتجدد بأن تبقى الهوية القطرية راسخة، أصيلة، وممتدة في الزمن.

144

| 19 يناير 2026

لجنة السلامة الرقمية.. درع وطني لحماية جيل المستقبل

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، وتتسلل التكنولوجيا إلى أدق تفاصيل حياتنا اليومية، تصبح حماية الأطفال والنشء من مخاطر الفضاء الإلكتروني واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يقبل التأجيل. ومن هذا المنطلق، فإن مصادقة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على قرار مجلس الوزراء رقم (38) لسنة 2025 بإنشاء لجنة السلامة الرقمية للأطفال والنشء، تمثل خطوة تاريخية جاءت في التوقيت الصحيح، وتعكس وعيًا عميقًا بحجم التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة في العصر الرقمي. هذه المصادقة ليست مجرد إجراء إداري أو تشريعي، بل رسالة واضحة بأن دولة قطر تضع أمن الطفل وسلامته في صدارة أولوياتها، حتى في الفضاءات غير المرئية التي لا تقل خطورة عن الواقع المادي. فالعالم الرقمي المفتوح، بما يحمله من فرص هائلة للتعلم والتواصل، يحمل في طياته أيضًا تهديدات خفية قد تفتك بعقول الأطفال وسلوكياتهم إذا تُركوا دون توجيه أو حماية. تمثل لجنة السلامة الرقمية نقلة نوعية في مسار حماية النشء، لأنها تعترف بحقيقة أن الطفل اليوم يعيش في عالمين متوازيين: عالم واقعي، وآخر افتراضي. وهذا العالم الافتراضي لم يعد هامشيًا أو ثانويًا، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من تكوين شخصية الطفل، وتشكيل وعيه وقيمه وأنماط سلوكه. ومن هنا، فإن التعامل مع هذا الواقع الجديد يتطلب آليات مختلفة، أكثر ذكاءً ومرونة، تتجاوز منطق المنع والحظر إلى منطق الفهم والاحتواء والتوجيه. لم تعد المشكلة محصورة في محتوى غير لائق أو مشاهد عنف أو ألفاظ خارجة، بل بات الخطر الحقيقي يكمن في التأثيرات التراكمية للتكنولوجيا على البناء النفسي والاجتماعي للأطفال. ضعف التركيز، العزلة الاجتماعية، تراجع الحوار الأسري، والانبهار بنماذج سلوكية دخيلة تُقدَّم على أنها طبيعية أو جذابة، كلها نتائج تتسلل بهدوء عبر الألعاب الإلكترونية وتطبيقات الفيديو القصيرة ومنصات التواصل الاجتماعي. الأخطر من ذلك، أن الأطفال يتعاملون عبر الإنترنت مع أشخاص لا يعرفون حقيقتهم، ولا يدركون نواياهم. فقد يكون من يشارك الطفل لعبة إلكترونية شخصًا منحرفًا أو مريضًا نفسيًا، يستغل براءة الطفل وفضوله، ويدفعه تدريجيًا إلى سلوكيات لا أخلاقية أو منافية لقيم المجتمع والدين. هذه المخاطر لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تترك آثارًا عميقة قد لا تظهر إلا بعد فوات الأوان. من هنا، أعتقد أن نجاح لجنة السلامة الرقمية مرهون بعملها ضمن إستراتيجية وطنية متكاملة، لا تركز فقط على الرقابة التقنية، بل تولي اهتمامًا كبيرًا بالتوعية والتثقيف. فالحماية الحقيقية لا تتحقق عبر الأسوار الإلكترونية وحدها، بل عبر بناء وعي رقمي لدى الطفل، وتمكينه من التمييز بين الآمن والخطر، وبين الحقيقة والتضليل. وأرى أيضا أن دور المؤسسات التعليمية لا يمكن فصله عن هذا المسار. فإدراج مفاهيم التربية الرقمية في المناهج الدراسية أصبح ضرورة ملحة، لا ترفًا فكريًا. الطفل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يفكر نقديًا، وكيف يتعامل مع سيل المعلومات الذي ينهال عليه يوميًا، وكيف يحمي خصوصيته، ويحترم ذاته والآخرين في الفضاء الرقمي. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تدريب المعلمين وأولياء الأمور على حد سواء. فكثير من الآباء والأمهات يجهلون طبيعة التطبيقات والمنصات التي يستخدمها أبناؤهم، ما يجعل الرقابة شكلية أو غائبة. إن تمكين الأسرة بالمعرفة الرقمية هو خط الدفاع الأول لحماية الطفل، وهو ما يجب أن تضعه اللجنة ضمن أولوياتها. ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للمؤسسات الإعلامية والمجتمعية، التي يقع على عاتقها نشر ثقافة الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، وتقديم نماذج إيجابية للمحتوى الرقمي، تتوافق مع القيم القطرية الأصيلة، وتحاكي احتياجات الطفل النفسية والمعرفية، حتى لا يضطر للبحث عن بدائل مشوهة في عوالم افتراضية قد تحمل سلوكيات ضارة. إن دولة قطر، كما أراها، كانت سبّاقة دائمًا في الاهتمام بالطفل والأسرة، انطلاقًا من مبادئ الشريعة الإسلامية والقيم الأخلاقية والوطنية الراسخة. وقد تجلى ذلك في الدستور القطري، وفي قوانين الأسرة والعقوبات، التي أفردت مواد واضحة لحماية الطفل من أي ضرر، بما في ذلك الأضرار الناتجة عن الاستخدام السلبي للتقنية، مع تشديد العقوبات على من ينتهك حقوقه. كما أن رؤية قطر الوطنية 2030 وضعت الطفل في قلب مشروع التنمية، من خلال التركيز على التعليم، وتنمية القدرات، والرعاية الصحية الشاملة، والالتزام بالاتفاقيات الدولية المعنية بحماية الطفل، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة. من هذا المنطلق، أرى أن إنشاء لجنة السلامة الرقمية ليس خطوة معزولة، بل حلقة في سلسلة متكاملة من السياسات التي تهدف إلى بناء إنسان قطري واعٍ، متوازن، وقادر على التفاعل مع العصر دون أن يفقد هويته أو قيمه. إنها دعوة صريحة لتكاتف الجهود بين الأسرة، والمدرسة، والدولة، والمجتمع، من أجل تحصين جيل كامل من مخاطر الاستهلاك الرقمي العشوائي. وفي الختام، أؤمن بأن حماية الطفل في العصر الرقمي ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية. ومصادقة سمو أمير البلاد المفدى على إنشاء لجنة السلامة الرقمية جاءت في لحظة فارقة، تؤكد أن قطر لا تنتظر وقوع الخطر لتتحرك، بل تستبق التحديات برؤية استشرافية مسؤولة. إنها خطوة تبعث على الطمأنينة، وتفتح الأمل في مستقبل رقمي أكثر أمانًا، يُنشَّأ فيه أبناؤنا على الوعي، والقيم، والمعرفة، لا على الفوضى والتيه في فضاءات بلا ضوابط.

171

| 07 يناير 2026

أمنيات وتطلعات عام 2026

يدخل المواطن عام 2026 بروحٍ يملؤها التفاؤل والثقة، مستندًا إلى مسيرة من الإنجازات المتراكمة التي عززت مكانة دولة قطر إقليميًا وعالميًا، ورسّخت مبادئ رؤية قطر الوطنية 2030 التي تضع الإنسان والتنمية المستدامة في قلب المشروع الوطني. ويأمل المواطن أن يشهد عام 2026 الجديد استمرار النمو الاقتصادي بوتيرة متوازنة، مدعومًا بالتوسع في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب تسريع خطوات تنويع الاقتصاد عبر الصناعات غير النفطية، والاقتصاد المعرفي، والابتكار، بما يضمن الاستدامة ويعزز القدرة على مواجهة التحديات العالمية. وفي موازاة ذلك، تتجه تطلعات المواطن نحو تحسين جودة الحياة، عبر تطوير شامل للخدمات العامة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم. فالطموح يتجسد في منظومة صحية أكثر تطورًا، تقوم على تحديث البنية التحتية الطبية، وتوسيع التخصصات العلاجية، وتعزيز الوقاية والكشف المبكر، والاعتماد على التحول الرقمي. كما يعلق المواطن آمالًا كبيرة على تطوير التعليم وربطه بمتطلبات سوق العمل، بما يسهم في إعداد أجيال وطنية قادرة على المنافسة، والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية الشاملة. وتحظى البنية التحتية وحلول المرور باهتمام خاص في تطلعات عام 2026، حيث يتطلع المواطن إلى منظومة نقل أكثر كفاءة وسلاسة، تقلل الازدحام وتسهّل التنقل اليومي، من خلال التوسع في شبكات الطرق، واستكمال مشاريع الجسور والأنفاق، وتعزيز الاعتماد على النقل العام، خاصة مترو الدوحة، إلى جانب توظيف التقنيات الذكية لإدارة الحركة المرورية ورفع مستويات السلامة. اقتصاديًا، يأمل المواطن في زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية، عبر استكمال إصلاحات بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع الخدمات الرقمية، ودعم رواد الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. كما يطمح إلى جذب استثمارات نوعية في مجالات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والسياحة والصناعة، بما يخلق فرص عمل مستدامة ويعزز دور القطاع الخاص كشريك أساسي في التنمية. ويختتم المواطن تطلعاته بأن يكون عام 2026 محطة جديدة للاستقرار والازدهار، وترسيخ المكتسبات الوطنية، وتعزيز رفاه المجتمع، وتحقيق تنمية متوازنة تحفظ حقوق الأجيال القادمة، وتؤكد مكانة قطر نموذجًا رائدًا في التنمية الشاملة والمستدامة.

243

| 31 ديسمبر 2025

اليوم الوطني.. مسيرة بناء ونهضة

أيام قليلة تفصلنا عن واحدٍ من أجمل أيام قطر، يومٌ تتزيّن فيه الدوحة وكل مدن البلاد بالأعلام والولاء والانتماء… إنّه اليوم الوطني الذي يصادف الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، مناسبة تتجدد فيها معاني الفخر بتاريخ الوطن ومسيرة بنائه ونهضته. جاء اختيار شعار اليوم الوطني لهذا العام من أقوال حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدّى، ليمنح الاحتفالات بُعدًا مختلفًا في معاني الانتماء والمواطنة، ويُضفي عليها روحًا متجددة تستلهم من القيادة حكمتها ورؤيتها، فشعار “بكم تعلو ومنكم تنتظر” ليس مجرد عبارة احتفالية، بل هو فلسفة وطنية راسخة تُجسّد الإيمان بأن الإنسان هو محور التنمية وعماد النهضة وأعظم استثمار في مسيرة الدولة. لقد أثبتت الأجيال المتعاقبة من القطريين أن الانتماء للوطن ليس مجرد شعور عابر، بل ممارسة يومية تتجلى في العمل والعطاء والالتزام بالقيم التي قامت عليها الدولة. ومن هنا جاءت مسيرة النهضة القطرية التي لم تتوقف، بل تواصلت بخطى ثابتة محليًا ودوليًا، لتجعل من قطر نموذجًا إقليميًا في التنمية والريادة. وفي كل عام، يأتي اليوم الوطني ليذكّر القطريين بأن الهوية ليست شعاراً يُرفع فحسب، بل هي مشروع حيّ يتجدد بالعمل والمشاركة والوعي. ورغم مرور الزمن وتغير ملامح الحياة الحديثة، لا تزال قطر حريصة على ترسيخ قيمها الأصيلة في نفوس أبنائها، وتعزيز انتمائهم لهذا الوطن الذي صاغ تجربة تنموية فريدة تجمع بين الحداثة وجذور الإرث العربي الأصيل. وفي هذا السياق، يشكّل درب الساعي مساحة وطنية استثنائية تجتمع فيها الرموز التاريخية والممارسات الثقافية والمبادرات الشبابية، لتجعل من الاحتفال باليوم الوطني ليس مجرد مناسبة، بل تجربة معرفية واجتماعية عميقة تعيد وصل ما انقطع بين الأجيال وسير الآباء المؤسسين. يعود درب الساعي هذا العام بحلّة وطنية جديدة تعكس روح الانتماء، وتُعيد إلى الأذهان المعاني التي تأسست عليها الدولة، وما يميز هذا الحدث أنه لم يعد فعالية موسمية، بل أصبح وسيلة تربوية وثقافية تغرس القيم الوطنية من خلال التجربة الحية، وهو ما يجعله منصة دائمة لبناء الوعي وتعميق الهوية. ومن أبرز فعالياته تأتي فعالية السوق التي تمثل نموذجاً مُصغَّراً للسوق الشعبي القديم في الدوحة. لكنّ قيمتها تتجاوز الطابع التراثي؛ فهي فضاء يُبرز طموح الشباب وروح المبادرة لدى روّاد الأعمال القطريين. ويتيح السوق للزوار التعرف على مشاريع محلية ناشئة، ويمنح أصحابها منصة تجارية حقيقية، ما يعزّز التنافس ويُسهم في دعم الاقتصاد الإبداعي الذي يشكّل أحد مسارات رؤية قطر 2030. وهكذا تتداخل الهوية بالاقتصاد، والتراث بريادة الأعمال، في مشهد يعبّر عن فلسفة قطر الحديثة في التنمية. أما فعالية الميز— المطبخ أو مساحة إعداد الطعام—فتحوّل التجربة الغذائية إلى مساحة للابتكار والتلاقي. فالفعالية، بما تضمه من مطاعم وأكشاك متنوعة، تمنح الشباب القطري فرصة عرض إبداعاتهم ومشاريعهم الناشئة، وتتيح للزوّار تذوق نكهات جديدة تعبّر عن حيوية المجتمع القطري وقدرته على مزج الأصالة بالمعاصرة. إن الميز ليس مجرد أطباق تُباع؛ بل قصة وطن يفتح المجال لأبنائه ليبدعوا، ويفتح شهيّة المجتمع لتجربة الجديد دون أن يفقد نكهته الأصيلة. وعلى الصعيد الخارجي، تواصل قطر دورها الفاعل في تعزيز الأمن والسلم الدوليين عبر الوساطة في النزاعات وإرساء الحوار بين الدول والأطراف المختلفة. وقد أثبتت التجربة أن الدبلوماسية القطرية تقوم على مبادئ ثابتة: احترام السيادة، السعي للسلام، ودعم الشعوب في حقوقها المشروعة. ونتيجة لهذه السياسة الحكيمة، أصبحت قطر مرجعًا مهمًا في حلّ الأزمات الإقليمية والدولية. وداخليا حققت قطر خلال السنوات الأخيرة إنجازات نوعية في العديد من المجالات، التعليم، الثقافة، الإعلام البنية التحتية، وتطوير شبكات النقل، والخدمات الصحية، والتحول الرقمي، وتمكين الشباب والمرأة، إلى جانب المشروعات التنموية الكبرى التي جعلت البلاد تستعد لمرحلة جديدة من التقدم والاستدامة، بما يتسق مع رؤية قطر الوطنية 2030. وثقد شكّل التعليم حجر الأساس في المشروع القطري لبناء الإنسان، إذ قدّمت الدولة نموذجًا رائدًا في الاستثمار في المعرفة باعتبارها الطريق الأضمن نحو تنمية مستدامة. فقد جاءت المدينة التعليمية بما تحتضنه من جامعات عالمية، إلى جانب تطوير المناهج الوطنية ودعم البحث العلمي وتمكين المعلمين، لتؤكد أن قطر تجعل من التعليم محورًا لكل خططها. وقد أثمرت هذه الجهود جيلًا واثقًا، متمسكًا بقيمه، قادرًا على الإبداع والمنافسة في مختلف الميادين. كما أولت قطر تراثها الوطني عناية خاصة، إدراكًا منها بأن الهوية لا تُبنى إلا على ذاكرة راسخة وجذور متينة. فمشاريع إحياء الأسواق التقليدية مثل سوق واقف وسوق الوكرة القديم، والحفاظ على المواقع الأثرية وإحياء الفنون الشعبية، جميعها تعكس رؤية تؤمن بأن الحداثة لا تنفصل عن الأصالة، بل تقوم عليها. بالاضافة إلى النهضة الثقافية اللافتة التي جعلت مركزًا إقليميًا للحراك الفكري والفني. فالمتاحف الكبرى مثل متحف قطر الوطني، ومتحف الفن الإسلامي، والمهرجانات الثقافية ومعارض الكتب، أبرزها معرض الدوحة الدولي للكتاب، صارت منصات تعزز الحوار والانفتاح وتمنح الجيل الجديد فضاءً لاكتشاف العالم وصناعة محتواه الثقافي الخاص. إن ما تقدمه قطر في اليوم الوطني، خصوصاً من خلال درب الساعي، ليس مجرد عروض أو أنشطة بل مشروع وطني متكامل لصون الهوية وتعزيز الانتماء. فالوطن الذي يعرف كيف يستثمر إرثه، ويؤهل شبابه، ويجعل الثقافة جزءاً من التنمية، هو وطن يمشي بثقة نحو المستقبل. ختاما.. في يومها الوطني، تُعيد قطر التأكيد على أن نهضتها ثمرة رؤية قيادية حكيمة، وجهود إنسانها، والتزام مجتمعها بقيم العمل والوحدة والعطاء، ومع شعار “بكم تعلو ومنكم تنتظر”، تمضي الدولة نحو مستقبل أكثر إشراقًا، مؤمنة بأن الإنسان هو البداية والغاية… وبأن الوطن ينهض بسواعد أبنائه وبقوة انتمائهم.

708

| 08 ديسمبر 2025

الاعتذار... من شيم الكبار

في مجتمعاتنا العربية، كثيرًا ما يختلط على الناس معنى الاعتذار، فيراه البعض انكسارًا للكرامة، أو تنازلًا يُنقص من قدر الإنسان، بينما الحقيقة أن الاعتذار فعل لا يقدر عليه إلا أصحاب النفوس الكبيرة والقلوب الناضجة. الاعتذار ليس ضعفًا، بل شجاعة. ليس سقوطًا، بل ارتفاعًا. وليس تقليلًا من الذات، بل دليل على أنّ صاحبها قادر على مواجهة الحقيقة، مهما كانت مُرة. لا يخلو إنسان من خطأ، فكلنا نقع، وكلنا نخطئ، وكلنا بشر. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 135) فالاعتذار ليس مجرد كلمة؛ إنه استغفار صغير بين الناس، واعتراف بأننا يمكن أن نسيء دون قصد، وأننا قادرون على إصلاح ما أفسدناه. إن ثقافة الاعتذار هي أحد أهم مقاييس التحضّر. فالمجتمعات التي لا يخجل فيها الإنسان من قول: «أعتذر… أخطأت» هي مجتمعات تحترم ذاتها وتقدر إنسانيتها. يكون الاعتذار عندما نشعر بأن كلمة صدرت منّا جرحت قلبًا، أو قرارًا اتخذناه ظلم إنسانًا، أو رد فعل متسرعًا سبّب أذى لمشاعر من نحب. يكون الاعتذار عندما نتجاوز حدود اللطف، أو نغضب بلا وجه حق، أو نغلق الباب في وجه من كان يستحق فرصة الفهم. الاعتذار واجب عندما يكون الخطأ واضحًا، والجرح ظاهرًا، والضمير حيًّا. لكنّه يتحوّل إلى فضيلة عظيمة عندما يكون الإنسان قادرًا على الاعتذار حتى حين لا يُلزمه أحد بذلك. فهناك من يعتذر لأنه أُجبِر… وهناك من يعتذر لأنه كبير. كلمة «آسف» ليست كافية دائمًا، الاعتذار الحقيقي هو الذي يأتي من عمق القلب، لا من سطح اللسان، هو الذي يُشعر الآخر بأننا فهمنا خطأنا، وأننا ندرك حجم أثره عليه، وأننا نملك الصدق الكافي لتغيير السلوك، لا فقط إصلاح اللحظة. الاعتذار الحقيقي لا يجرح الكرامة، بل يُطهّرها. لا يُنقص من قيمة الإنسان، بل يزيده قدرة واحترامًا. والاعتذار ليس خطبة طويلة، ولا تصنّعًا، ولا تبريرًا مغلفًا. الاعتذار الحقيقي بسيط، مباشر، نقي: «لقد أخطأت… وأعتذر». وتلك الجملة وحدها كافية لتهدئ عواصف وتُرمّم علاقات وتُطفئ نارًا كانت ستلتهم ما تبقى من محبة. في الحقيقة، ليس كل إنسان قادرًا على الاعتذار. فالبعض يعيش أسيرًا لـ»أنا» متضخمة، يظن أن اعترافه بالخطأ يسقط هيبته. بينما الهيبة الحقيقية هي أن تكون قادرًا على مواجهة ضعفك، الشخص القادر على الاعتذار هو من يمتلك قلبًا أبيض، ونفسًا كبيرة، وعقلًا قادرًا على رؤية الأمور من منظور الآخرين. إنه شخص ناضج، لا يخشى أن يقول: «لم أنتبه… كنت مخطئًا… سامحني». وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون» فإذا كانت التوبة إلى الله تحتاج اعترافًا بالخطأ وعودة للصواب، فكيف لا تحتاج العلاقات الإنسانية إلى نفس الروح؟ الصداقة علاقة معقدة من الحب، والاحترام، والتوقعات، وقد يخطئ الصديق في لحظة غضب أو سوء فهم، لكن أجمل ما في الصداقة أن الاعتذار فيها يملك قدرة خارقة على إعادة كل شيء إلى مكانه. عندما يعتذر صديق بصدق، لا يستعيد فقط العلاقة، بل يعيد الثقة، ويُثبت أن المودة أغلى من العناد، والأصدقاء الكبار هم الذين يعتذرون فور إدراكهم للخطأ، دون مكابرة ودون انتظار أن يطلب منهم الآخر ذلك. العلاقة الزوجية هي أكثر العلاقات التي تحتاج ثقافة الاعتذار، فالحياة تحت سقف واحد مليئة بالاحتكاكات، والضغوط، والمشاعر المتقلبة، وقد يجرح الزوج كلمة لا يقصدها، أو تتسرع الزوجة في رد فعل لا تعنيه، لكن ما يجعل البيوت عامرة بالرحمة ليس غياب الأخطاء، بل وجود القدرة على الاعتذار. حين يعتذر الزوج، يشعر بأن رجولته ازدادت لا نقصت. وحين تعتذر الزوجة، تشعر أن قلبها أصبح أوسع لا أضعف، الاعتذار بين الزوجين لا يحلّ المشكلة فقط… بل يمنع تراكمات صغيرة تتحول مع الوقت إلى جدار صامت يفصل بين شخصين عاشا يومًا على قلب واحد. كثير من الآباء يظنون أن الاعتذار لأبنائهم ينقص من هيبتهم. لكن الحقيقة أن الطفل الذي يتلقى اعتذارًا صادقًا من والديه ينشأ على قيم عظيمة: احترام الآخر، تحمّل مسؤولية الخطأ، الشجاعة في قول الحقيقة، فالاعتذار للأبناء ليس ضعفًا أبويًا، بل درس تربوي خالد. علم النفس يرى أن القدرة على الاعتذار دليل على شخصية متوازنة، بعيدة عن التصلب أو النرجسية. فالإنسان الذي يعتذر يتحرر من ثقل داخلي، ويشعر براحة الضمير، كما أن الاعتذار يساعد على إغلاق الدائرة النفسية للصراع، وهو خطوة مهمة لتعافي العلاقات وإعادة التوازن العاطفي. كثيرون يخلطون بين الاعتذار والتنازل، الاعتذار ليس خضوعًا ولا ضعفًا؛ هو شجاعة مواجهة الخطأ، هو فعل من أفعال العظماء، لأنهم وحدهم يدركون أن الخطأ ليس نهاية العالم، وأن علاج الجرح أهم من الدفاع عن الأنا. إن الاعتذار يرفع الإنسان، لأنه يحرره من غطرسة زائفة، ويفتح له باب المحبة، ويعيد إليه علاقات كان يمكن أن تضيع لولا شجاعة كلمة واحدة. ختامًا.. الاعتذار ليس فقط سلوكًا أخلاقيًا، بل قيمة إنسانية راقية، ومعيار للنضوج والاحترام وحُسن التربية، هو فعل يداوي القلوب، ويُعيد بناء الجسور، ويجعل الحياة أكثر رحمة وأقل صراعًا. إذا.. أن تعتذر… لا يعني أنك ضعيف... أن تعتذر… يعني أنك كبير.

555

| 26 نوفمبر 2025

التعلّق.. خيطٌ من المحبة يجرّنا إلى الوجع

التعلّق شعورٌ يولد مع الإنسان منذ أول لحظةٍ يبصر فيها النور، كأنه نداء خفيّ في أعماق القلب يبحث عن مأمن وسند. هو حاجة فطرية مغروسة فينا، تدفعنا نحو الآخرين طلبًا للدفء والطمأنينة، لكنه في الوقت نفسه اختبارٌ قاسٍ لمدى وعينا بطبيعة الحياة وزوالها. نتعلّق لأننا نحب، ونحب لأننا نخاف الوحدة، ونخشى الفراغ، فنربط قلوبنا بما يملأ هذا النقص فينا. غير أن الأمان الذي نبحث عنه في الوجوه والأيدي والكلمات، سرعان ما يتلاشى حين ندرك أن كل شيءٍ حولنا يتغيّر، وأن الثابت الوحيد في هذا الوجود هو الله. فكل من نتعلّق بهم قد يرحلون، وكل ما نملكه قد يزول، أما من تعلّق قلبه بمن لا يتغير ولا يغيب، فقد وجد الأمان الذي لا يخذله الزمن ولا الفقد. كل ما في الدنيا مؤقت؛ الوجوه، والأصوات، والمشاعر، حتى الأحضان التي نلوذ بها يومًا، تتركنا يومًا آخر. وما أشدّ أن يعلّق القلب سعادته بما لا يدوم! فالتعلّق يجعلنا نعيش على حافة الخوف، نرتجف من فكرة الفقد قبل أن يأتي الفقد. ولذا كان أعظم الدروس في الحياة أن نتعلم كيف نُحب دون أن نُستَعبَد، وكيف نَمنح دون أن نُنسى أنفسنا، وكيف نعلّق القلب بالله وحده فلا نخسر إذا خسرنا أحدًا. ما من صورة أصدق للتعلّق من قلب أمٍّ تحمل أبناءها في دعائها قبل أن تضمّهم إلى صدرها. تبدأ حياتها من أجلهم، وتدور أيامها في فلكهم، تفرح لضحكاتهم الصغيرة وتقلق لأنفاسهم حين تتعب. وحين يكبرون، تتّسع المسافة بينهم وبينها دون قصد، فينشغلون بأعمالهم وبيوتهم وأبنائهم، وتبقى هي في زاويةٍ من الذاكرة تُقلّب صورهم القديمة وتمسح عنها غبار السنين. ليس وجعها من قسوةٍ أو جفاء، بل من حبٍّ عظيمٍ لم تعرف له حدودًا، ومن قلبٍ لم يتعلّم أن يُفطم بعد. تتألّم لأنها أحبّت أكثر مما يحتمل القلب، وتعلّقت بأيدٍ كان لا بد أن ترحل عنها يومًا، فتظلّ تودّعهم بصمتٍ كلّ صباح، وتستقبل غيابهم بالدعاء والحنين. وهكذا هو التعلّق، يعطي ثم يسلب، يمنح الفرح ثم يجرّ الدموع. فالأبناء الذين ملأوا البيت ضجيجًا يغادرونه، والضحكات التي ملأت الأمس تذوب في الصمت. ومع كل فراقٍ صغير، تتعلم الأم أن أبناءها ليسوا لها، بل لله، وأن الحب إن لم يكن لله، أصبح عبئًا على صاحبه. قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}، والفتنة هنا امتحان، ليرى الله أين يقف القلب حين يُنتزع منه أحبّته. وكما تتعلق الأم بأبنائها، يتعلّق الأبناء بالوالدين. فهم جدار الأمان الذي نستند إليه، والملجأ الذي نحتمي به من تقلبات الدنيا. وجودهم يخفف الخوف ويُشعرنا بأننا مهما تعثرنا فهناك من يلتقطنا. لكنّ هذا التعلّق، مهما كان جميلًا، يحمل في داخله وجع الفقد. يمضي العمر، ويأتي يوم تغيب فيه تلك الأصوات التي كانت تدعو لنا في الغيب، وتبرد أكفّ كانت تمسح حزننا. عندها يدرك الأبناء أن التعلّق بالبشر مهما كان نقيًّا، فإنه متعب، لأنهم راحلون، وأن التعلّق بالباقي وحده هو من يملأ هذا الفراغ. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، وكأنها تذكرة لنا أن لا نربط حياتنا بمن يفنى. ولا يخلو الحب بين الزوجين من التعلّق أيضًا. فهو حبٌّ جميل، مودة ورحمة، لكنه حين يتحوّل إلى اعتمادٍ مطلق، يصير سجنًا للعاطفة. حين تُعلّق المرأة نفسها بزوجها حتى تنسى ذاتها، تتعب، لأن التغيّر سنة الحياة، ولأن القلوب بيد الله لا بيد أحدٍ من خلقه. كم من امرأةٍ ذبلت لأن من علّقت به قلبها تغيّر أو ابتعد، وكم من أخرى أزهرت لأنها أحبّت لله، فصار حبّها عبادة لا عبودية. إن التعلّق الزائد يجعلنا نعيش بقلوبٍ مهددة دائمًا، تنتظر كلمة أو تصرفًا كي تهنأ أو تنهار. الحقيقة المؤلمة أن التعلّق هو شكلٌ من أشكال العذاب اللطيف، لأنه يُشبه الحب في البداية، ثم يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى وجعٍ خفيّ. نرتبط بالأشخاص ظنًّا أن وجودهم يمنحنا الحياة، فنكتشف أنهم جزء منها لا مصدرها. لا أحد يملأ القلب كما يفعل الإيمان، ولا أحد يمنح الطمأنينة كما يفعل القرب من الله. قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، وهذه الطمأنينة لا تُشترى، ولا تُكتسب إلا حين يتحرر القلب من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق. ختاما.. التعلّق بالله هو الحرية الكبرى. هو أن تمسك الأشياء كلها بيدك لا بقلبك، فإذا أفلتت يدك، بقي قلبك مطمئنًا. هو أن تحب الناس وتعيش معهم وتفرح بهم، لكنك في عمقك تعرف أنك لا تحتاج سواهم، لأن الذي منحهم لك، إن شاء أبدلك خيرًا، وإن شاء أبقاهم حولك نعمةً وشكرًا.

285

| 17 نوفمبر 2025

التكيّف.. رحمة من ربّ العالمين

منذ أن خلق الله الكون وأبدع نظامه، جعل لكل مخلوق وسيلة يعيش بها، ولكل كائن قدرة يتفاعل بها مع بيئته، فلا يفنى ولا يندثر، بل يستمر ويزدهر بقدر ما يُحسن التكيّف مع ما حوله. فالتكيّف ليس مجرد سلوك عابر، بل هو سُنّة من سنن الله في خلقه، وآية من آيات رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء. ولو تأمل الإنسان في نفسه وفيما حوله، لرأى أن التكيّف هو سر الحياة وبقاؤها، وهو الدليل على أن الخالق جلّ شأنه جعل لكل ظرف بابًا للنجاة، ولكل ابتلاء طريقًا للتجاوز، ولكل ضعفٍ قوةً خفية تنبع من داخل النفس. التكيّف في معناه الواسع هو قدرة الكائن الحي على تعديل سلوكه أو وظائفه أو شكله أو تفكيره بما يتلاءم مع البيئة أو الظروف التي يعيش فيها، ليتمكن من البقاء والنمو. وهو استجابة طبيعية للحياة وتحدياتها، فالإنسان والحيوان والنبات جميعهم يتفاعلون مع بيئاتهم بشكلٍ يضمن استمرارهم. فالتكيّف ليس ضعفًا أو تنازلاً، بل هو ذكاء وفطنة، إذ يستطيع من يمتلك هذه القدرة أن يحوّل الأزمات إلى فرص، والعوائق إلى دوافع للنجاح. من دون التكيّف، لا يمكن للحياة أن تستمر على وجه الأرض. فهو الوسيلة التي مكّنت المخلوقات من البقاء رغم التغيّرات المناخية والبيئية والاجتماعية التي لا تتوقف. ولولا هذه القدرة الإلهية لما استطاعت الكائنات أن تواجه تقلبات الزمان والمكان. فالتكيّف يحمي من الفناء، ويساعد على تحقيق التوازن بين الإنسان وبيئته، وبين رغباته وواقعه. إنه ما يجعل الفرد قادرًا على التأقلم مع صعوبات العمل وضغوط الحياة الأسرية، ويمنحه القوة على التحمّل والمثابرة. ومن جهة أخرى، يسهم التكيّف في نمو المجتمعات، إذ يجعل أفرادها أكثر مرونة في مواجهة الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الصحية، كما حدث خلال جائحة كورونا حين غيَّر الناس أساليب حياتهم وتعلمهم وعملهم. إن التكيّف نعمة ربانية شاملة لكل الكائنات، فقد خلق الله الإنسان بعقل يفكر، وقلب يشعر، وجسد يتأقلم، ليتمكّن من مواجهة مختلف البيئات. فالإنسان يعيش في الصحراء والجبال والسواحل والغابات، ويتحمل حرارة الصيف وبرد الشتاء، ويبتكر الوسائل التي تحفظ حياته. وفي ذلك تجلٍّ لقوله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ» (الجاثية: 13). أما الحيوان، فالتكيّف فيه غريزة تحفظ بقاءه. فمنها من غيّر شكل جسده ليقاوم الحرارة أو البرد، ومنها من طوّر طرقًا للصيد أو الهروب من الأعداء. والنبات كذلك له نصيب من هذه الرحمة، فهو يبدّل اتجاه أوراقه نحو الشمس، ويمد جذوره بحثًا عن الماء، ويتحوّل شكله ليقاوم الجفاف أو الرطوبة. إنها شبكة عظيمة من التوازن والانسجام لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه. ومن أبهى صور التكيّف التي نشهدها في واقعنا، تكيف ذوي الإعاقة مع حياتهم. فرغم ما يواجهونه من تحديات جسدية أو حسية، إلا أنهم يتجاوزونها بإصرار وإيمان عميق بقدرتهم على العطاء. ومن أبرز الأمثلة الملهمة غانم المفتاح، الذي وُلد بإعاقة نادرة جعلته يعيش من دون الجزء السفلي من جسده، لكنه تحوّل إلى نموذج عالمي للأمل والإيجابية. لم يستسلم لظروفه، بل واصل تعليمه، وشارك في فعاليات دولية كبرى، وأصبح سفيرًا للإنسانية، مذكّرًا الجميع بأن الإعاقة ليست في الجسد بل في الإرادة. قصة غانم المفتاح هي ترجمة حيّة لقوله تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (الشرح: 6). فهو دليل على أن التكيّف الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل ينبع من الداخل، من الإيمان والصبر والعزيمة. ومن الحيوانات نجد الجمل، الذي لقّب بـ»سفينة الصحراء»، مثال بديع على التكيّف في عالم الحيوان. فقد هيّأه الله بخصائص فريدة تمكّنه من العيش في أصعب البيئات وأكثرها قسوة. حتى الأزهار، رغم رقتها وجمالها، تمتلك قدرة مدهشة على التكيّف. فالتكيّف في النباتات ليس مجرد بقاء، بل جمالٌ في الطاعة وانسجامٌ مع النظام الإلهي الدقيق. كل هذا يصل بنا إلى نتيجة واحدة، أن الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، بل مليئة بالتحديات والمفاجآت، ومن ينجح في اجتيازها هو من يُتقن فنّ التكيّف. في العمل، قد يواجه الإنسان زملاء مختلفين في الطباع أو ظروفًا مهنية قاسية، فيحتاج إلى الصبر والحكمة ليحافظ على توازنه وأدائه. وفي الأسرة، يتكيف الأبوان مع مسؤوليات التربية، ويتعلم الأبناء كيف يتعاملون مع الخلافات ويزرعون الاحترام والحب رغم الضغوط. وفي الحياة العامة، يمر الإنسان بمواقف مؤلمة أو خسارات، لكن رحمة الله تمدّه بقدرة على النهوض من جديد، ليواصل الطريق بإيمانٍ وثقة. التكيّف هنا ليس قبولًا بالعجز، بل قوة هادئة تتيح للإنسان أن يرى الجانب المضيء من المواقف، وأن يتعلّم من كل تجربة درسًا يقرّبه من النضج والنجاح. إذا.. التكيّف والتعايش ضرورة لا رفاهية. فالتحديات مثل التغير المناخي، والحروب، والضغوط الاقتصادية، تتطلب أن نتعلم كيف نحيا بمرونة، وأن نُدرك أن التنوّع والاختلاف ليسا تهديدًا، بل فرصة للتكامل والتعايش السلمي. حين يتكيّف الإنسان مع بيئته ويحترم قوانينها، ويحافظ على موارده، ويقبل الآخر رغم اختلافه، فهو يسهم في حماية الحياة على الأرض. ومن لا يتكيف مع الواقع، يتجاوزه الواقع نفسه. قال تعالى: «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (الحجرات: 13)، فالتعارف والتعايش نوع من التكيّف الاجتماعي الذي يحفظ الإنسانية من التنازع والدمار. ختاماً.. التكيّف ليس مجرد مهارة نتعلمها، بل نعمة ورحمة من رب العالمين أودعها في كل كائن، ليحيا بمرونة واتزان. وهو سرّ الاستمرار في وجه الشدائد، وجوهر الحكمة في التعامل مع الحياة. فمن يتأمل في الكون يرى أن كل شيء فيه يتكيف: البحر والمد والجزر، النبات والضوء، الحيوان والغذاء، والإنسان والمصير. إنها دعوة لأن نحمد الله على هذه النعمة، وأن نتعلّم كيف نجعل من التكيّف وسيلة للنمو لا للاستسلام، وللإبداع لا للجمود، وأن ندرك أن كل ما يأتينا من تبدّلٍ في الحياة إنما هو امتحانٌ لنعمة عظيمة، هي رحمة التكيّف التي تضمن بقاءنا واستمرارنا في رحمة الله الواسعة.

540

| 03 نوفمبر 2025

«الرحمة» ليست ضعفاً بل هي قمة القوة

في زمنٍ تسوده الضوضاء والصراعات، حيث يبدو العالم كسفينة تتقاذفها أمواج المادية والأنانية، تبرق كلمة «الرحمة» كمنارةٍ تضيء طريق الإنسانية الضائع. إنها ذلك النبع الصافي الذي لا ينضب، الذي يروي ظمأ القلوب القاحلة، ويذكّرنا بأننا، في عمقنا، مخلوقاتٌ مفطورة على الحب والعطاء. الرحمة ليست مجرد شعورٍ عابر، بل هي فلسفة حياة، وقوة تغييرية، ورباطٌ إلهي يجمع بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل وبين الإنسان وكل كائن حي. هي لغة الروح التي لا تحتاج إلى ترجمة، ومفتاح القلب الذي يفتح أبواب الخير والسكينة. الرحمة في جوهرها شعورٌ نبيل يدفعنا إلى مشاركة الآخرين في آلامهم وأحزانهم، ويحثنا على مد يد العون لتخفيفها. إنها ليست شفقةً متعالية، بل مشاركة وجدانية تضعنا مكان الآخر لنشعر بما يشعر، ثم نحول هذا الإحساس إلى فعلٍ إيجابي. الرحمة هي الرقة التي تملأ القلب، واللين الذي يطبع السلوك، والسكينة التي تفيض على من حولنا. ولها لغاتٌ متعددة، فربما تكون في كلمةٍ طيبة، أو ابتسامةٍ صادقة، أو مساعدةٍ عابرة، أو في زيارة مريضٍ يشعر بالوحدة. وقد تكون في صدقةٍ تُخرجها خفية، أو نصيحةٍ تُقدّمها بإخلاص، أو صفحٍ عن إساءةٍ دون انتظار اعتذار. قال الله تعالى: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (آل عمران: 134)، وفي هذا المعنى قمة الرحمة التي تتجاوز الغضب والانتقام لتنتصر للإنسانية على القسوة. الرحمة ليست ضعفاً، بل هي قمة القوة، لأنها تحتاج إلى قلبٍ كبير يستطيع أن يسمو فوق الأذى، وأن يمنح العطاء دون انتظار المقابل. وهي لا تنفصل عن العدل، فالرحمة الحقيقية هي التي تحفظ الحقوق دون أن تُهين الكرامة، وتعطي بلا تبذير، وتعفو دون استسلام. لقد جعل الإسلام الرحمة أساساً لبناء الكون وسمةً لرسالة السماء إلى الأرض. قال تعالى: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» (الأعراف: 156)، وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الترمذي). بل إن أعظم رسالةٍ في التاريخ وُصفت بأنها رحمة للعالمين: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107). فكانت الرحمة هي جوهر الرسالة المحمدية، لا تفرّق بين غنيٍ وفقير، ولا بين قويٍ وضعيف، بل تشمل الإنسان والحيوان وسائر المخلوقات. وقد تجلت الرحمة في حياة النبي صل الله عليه وسلم بأروع صورها؛ فقد كان يمسح على رأس اليتيم، ويقف احتراماً لجنازة يهودي قائلاً: «أليست نفساً؟»، وكان يوصي بالرفق حتى في الذبح بقوله: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة» (رواه مسلم). ولم تكن الرحمة في الإسلام مقصورة على البشر، بل امتدت لتشمل الحيوان، فكانت سبباً في الجنة أو النار. فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، بينما غفر الله لرجلٍ سقى كلباً يلهث من العطش، كما في الحديث الشريف الصحيح. وفي هذا الموقف تتجلى إنسانية الإسلام بأبهى صورها، إذ يعلّمنا أن الرحمة لا تُقاس بالعقل وحده، بل بالقلب الحي الذي يشعر بآلام المخلوقات كلها. ولعل أجمل ما في مشاعر الرحمة أنها لا تحتاج إلى دينٍ أو لغةٍ أو جنسيةٍ لتُفهم. فالطبيب الذي يعالج مريضاً غريباً، والمتطوع الذي يسقي حيواناً عطشاناً، والأم التي تحتضن طفلها بحنان، كلها وجوه مختلفة لنفس النور الإلهي الذي أودعه الله في الفطرة البشرية. فالرحمة هي ما يجعلنا بشراً بحق، وهي التي تحمي العالم من التحول إلى غابةٍ قاسية بلا وجدان. لكن واقعنا الحديث يشهد اضطراباً في مشاعر الرحمة. ففي عصر السرعة والتكنولوجيا، بدأت القلوب تفقد دفأها، وأصابها ما يمكن تسميته بـ»التبلد الوجداني». فالمشاهد اليومية للعنف والدمار على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي جعلت كثيرين يتعاملون مع المآسي وكأنها مجرد أخبارٍ عابرة. ومع انتشار الفردانية وثقافة «أنا أولاً»، انكمش الشعور بالآخر، وغابت المسؤولية الاجتماعية التي كانت تميز المجتمعات قديماً. لقد أصبحت الرحمة أحياناً تُمارس افتراضياً: إعجابٌ على منشورٍ عن محتاج، أو تعليقٌ متعاطف، دون أن يتحول ذلك إلى فعلٍ حقيقي. كما تمّ تسييس مشاعر الرحمة أحياناً، فصار بعض الناس يتعاطفون مع طرفٍ ويغضون الطرف عن مأساة طرفٍ آخر، بحسب الانتماء أو المصلحة. وهنا تكمن خطورة الواقع المعاصر، حين تفقد الرحمة نقاءها وتصبح انتقائية. وعلى مستوى الأمم، تتحول الرحمة من فضيلةٍ شخصية إلى ضرورةٍ حضارية. فالأمم التي تتراحم في داخلها وتتعاطف مع غيرها تكون أكثر قدرةً على بناء السلم العالمي، ونبذ الكراهية والحروب. الرحمة بين الأمم تعني مساندة المظلوم، وإغاثة اللاجئ، ومعالجة الجائع والمريض دون تمييز. هي الأساس الأخلاقي الذي تنشأ عليه منظمات الإغاثة الدولية، وهي المحرك الإنساني لحملات مكافحة الفقر والكوارث، وهي صوت الضمير العالمي الذي يذكّرنا بأن الإنسانية أسرةٌ واحدة. إن الرحمة لا تصنع فقط مجتمعاتٍ متماسكة، بل تبني حضاراتٍ عظيمة. فالحضارة التي تُشيَّد على القوة وحدها تنهار عند أول أزمة، أما التي تُبنى على الرحمة فهي التي تبقى لأنها تستند إلى قيمةٍ خالدة. قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (المائدة: 2)، والتعاون في الخير لا يكون إلا في ظلّ الرحمة. ولنا في التاريخ شواهد كثيرة على أن الرحمة تصنع المعجزات. فكم من قائدٍ غيّر مجرى التاريخ بعفوٍ صادق، كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم يوم فتح مكة حين قال لأعدائه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وكم من أمةٍ نهضت بعد محنٍ بفضل تكاتف أبنائها وتراحمهم، وكم من قلوبٍ متنافرة التأمت بفضل لمسة رحمةٍ صادقة. الرحمة هي النبض الخفي للقلب الإنساني، هي ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس لنا بأننا لسنا جزراً معزولة، بل أجزاء من كلٍّ متكامل. في عالمٍ يبدو أحياناً قاسياً، تبقى الرحمة هي السلاح الأقوى في مواجهة القسوة، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع بلا ترجمة. إنها ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورةٌ وجودية تضمن بقاءنا كبشرٍ أسوياء. فلنحرص على ترسيخها في أنفسنا أولاً، بأن نرأف بمن حولنا، ونلين مع الضعفاء، ونعين المظلومين، ونمد يد العون لكل محتاج. ولنزرعها في قلوب أبنائنا، ليكبروا وهم يؤمنون بأن الرحمة ليست ضعفاً، بل هي أعظم أشكال القوة. وعندما تستعيد القلوب نبع الرحمة، يستعيد العالم نبضه الإنساني، فنصنع معاً عالماً لا يقوم فقط على التقدم، بل على الدفء، والإيمان، والجمال، والإنسانية.

675

| 26 أكتوبر 2025

زواج الأقارب بين مؤيد ومعارض

يظل زواج الأقارب من القضايا المثيرة للجدل في المجتمعات العربية، حيث تتقاطع فيه العادات مع العلم، والتقاليد مع مفاهيم الحداثة. وبين من يراه امتدادًا طبيعيًا للروابط الأسرية والاجتماعية، ومن يعتبره ممارسة تحمل مخاطر صحية ونفسية، تتباين الآراء وتتعدد المبررات. وتزداد أهمية تناول هذا الموضوع في ظل التحولات الاجتماعية التي تشهدها المنطقة، والتي أعادت طرح مفهوم الزواج ذاته للنقاش بين الأجيال الجديدة. تاريخيًا، كان زواج الأقارب يُعد من الممارسات المقبولة والمحبذة، لما يحققه من تماسك اجتماعي وتقارب عائلي. غير أن تطور المعرفة العلمية، خصوصًا في مجالات الوراثة والصحة العامة، ألقى الضوء على جوانب أخرى من القضية، إذ أثبتت بعض الدراسات ارتفاع احتمالية الإصابة بالأمراض الوراثية بين أبناء الأقارب في حال وجود تاريخ عائلي مشترك. ومع ذلك، فإن هذه المخاطر لا تجعل من زواج الأقارب خيارًا مرفوضًا تمامًا، بقدر ما تضع مسؤولية إضافية على الأسر والمقبلين على الزواج لإجراء الفحوص الطبية اللازمة قبل اتخاذ القرار. ومن الناحية الاجتماعية، لا يمكن تجاهل البعد الثقافي في النظرة إلى هذا النوع من الزواج. فبينما كان يُنظر إليه سابقًا كضمانة لاستمرار الروابط العائلية وصون الميراث الاجتماعي والاقتصادي، أصبحت بعض فئات الشباب اليوم ترى فيه شكلاً من أشكال التقليدية التي تحد من حرية الاختيار. ويرى هؤلاء أن الارتباط بمن هم خارج نطاق الأسرة يتيح مساحة أكبر للتنوع والتفاهم بعيدًا عن ضغوط القرابة أو المجاملات العائلية. إلا أن هذا الموقف لا يخلو من تعميم، إذ إن نجاح الزواج لا يرتبط بمدى القرابة، بل بمدى النضج الشخصي والتفاهم النفسي والعاطفي بين الطرفين. من زاوية أخرى، يطرح زواج الأقارب إشكالية التوازن بين العاطفة والعقل، وبين الولاء للعائلة والرغبة في الاستقلال. فالقرب الأسري لا يعني بالضرورة انسجامًا فكريًا أو عاطفيًا، كما أن البعد لا يضمن التفاهم. لذلك يبقى المعيار الحقيقي هو القدرة على بناء علاقة متوازنة تقوم على الاختيار الحر والاحترام المتبادل وتحمل المسؤولية. وهو ما أكده الحديث الشريف: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.» لقد أسهمت التحولات الاجتماعية خلال العقود الأخيرة في تغيير شكل العلاقات داخل الأسرة العربية، وأثرت بطبيعة الحال على مفهوم الزواج. فالتباعد الجغرافي، وتراجع التواصل بين الأقارب، والانشغال بأنماط الحياة الحديثة، كلها عوامل قللت من فرص التعارف الحقيقي داخل العائلة الواحدة. كما أن الوعي بحقوق الفرد، خاصة لدى الشباب، جعلهم أكثر ميلًا لاختيار شريك الحياة بناءً على التفاهم الشخصي لا على اعتبارات القرابة أو رضا الأسرة. ومع ذلك، تبقى هناك تجارب ناجحة تثبت أن زواج الأقارب يمكن أن يحقق استقرارًا ونجاحًا إذا قام على أسس سليمة. فحين تتوافر الإرادة الحرة، ويُجرى الفحص الطبي، ويُحترم استقلال الزوجين وخصوصية حياتهما بعيدًا عن التدخلات العائلية، يمكن أن تتحول القرابة إلى عامل دعم لا إلى مصدر خلاف. وتشير بعض الدراسات الاجتماعية إلى أن الأزواج من الأقارب قد يتمتعون بدرجة من التفاهم بسبب الخلفية المشتركة، وهو ما يسهّل التعامل مع الخلافات اليومية ويزيد من التماسك الأسري في بعض الحالات. وهنا يبرز تساؤل مهم: هل توافق العلاقة بين الزوجين الأساس الصحيح للعلاقات بين الأقارب بما يؤدي إلى زواج ناجح وموفق؟ تُظهر الخبرات الاجتماعية أن التفاهم بين الزوجين لا يتحقق تلقائيًا لمجرد وجود قرابة عائلية، بل يحتاج إلى وعي متبادل بحدود العلاقة ومسؤولياتها. فالعلاقة الزوجية تختلف عن العلاقات الأسرية الأخرى، لأنها تقوم على خصوصية ومشاركة وجدانية لا يمكن أن تدار بمنطق القرابة أو المجاملة. وعندما يتعامل الطرفان بوعي ناضج يحافظ على التوازن بين الانتماء العائلي والاستقلال الشخصي، تصبح العلاقة الزوجية امتدادًا صحيًا للعلاقات الأسرية وليست استمرارًا لها بالضرورة. وبهذا المعنى، فإن توافق العلاقة بين الزوجين هو الذي ينعكس إيجابًا على الأسرة الممتدة، لا العكس. في المقابل، فإن فشل بعض تجارب زواج الأقارب يرتبط غالبًا بتداخل الأدوار العائلية وضعف الخصوصية، أو بتغليب المصالح الاجتماعية على التوافق الشخصي. وهنا تبرز الحاجة إلى الوعي الأسري والتربية على احترام حرية الاختيار، وهو ما عبّر عنه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: «لا تُجبروا أولادكم على عاداتكم، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم». خلاصة القول إن زواج الأقارب ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، بل هو خيار اجتماعي ينبغي أن يُقاس بمدى نضج الأفراد واستعدادهم لبناء علاقة قائمة على الوعي والمسؤولية. فالزواج في النهاية مؤسسة إنسانية تهدف إلى الاستقرار والتكامل، لا إلى الحفاظ على الشكل الاجتماعي أو الانصياع للتقاليد. ومن ثمّ، فإن نجاح أي زواج، سواء كان بين أقارب أو غرباء، يظل رهينًا بمدى الوعي، والاحترام المتبادل، والإرادة الحرة في اتخاذ القرار.

588

| 21 أكتوبر 2025

الأثر الطيب.. لغة بلا كلمات

في زمنٍ سريعٍ يركض بنا دون توقف، نعتقد أحيانًا أن ما نقوله أو نفعله يمرّ بلا أثر. غير أن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير؛ فالكلمة أو الموقف البسيط قد يتحولان إلى نقطة ضوء في قلب إنسان، يغيّران مساره ويمنحانه أملًا جديدًا. أثرٌ قد يبدو عابرًا في لحظته، لكنه يبقى محفورًا في الذاكرة والوجدان لسنوات طويلة. الكلمات ليست أصواتًا عابرة، بل بذور تُزرع في القلوب. كلمة مثل «أؤمن بك» قد تمنح إنسانًا القدرة على النهوض من كبوته، وقد تفتح أمامه طريقًا لم يكن يراه. الكلمة الطيبة لا تحتاج إلى جهد، لكنها تصنع المعجزات. ولعلّ أجمل توصيف لذلك ما جاء في القرآن الكريم حين شبّهها الله بالشجرة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تنحني ولا تذبل، بل تبقى تمنح الحياة وتفيض بالخير. حين يحرص الإنسان على ترك أثر طيب، فإنه في الحقيقة لا يغيّر حياة الآخرين فقط، بل يُعيد تشكيل حياته هو أيضًا. من يساعد غيره، يشعر برضا داخلي يجعله أكثر هدوءًا وثقةً بنفسه. الأثر الطيب يصبح مرآة ينعكس فيها الخير على صاحبها أولًا، فينمو بداخله الشعور بالقيمة والمعنى. الإنسان الذي يتعمّد نشر الخير في محيطه يكتسب صفات جديدة بمرور الوقت: يصبح أكثر صبرًا، وأكثر تسامحًا، وأقرب إلى التواضع. فهو يدرك أن أفعاله مهما بدت صغيرة قد تغيّر مصائر، فيتعلّم أن يتحكم في غضبه، ويزن كلماته، ويختار أفعاله بوعي أكبر. هذا التحوّل لا يحدث فجأة، لكنه تراكم طبيعي لسنوات من الممارسة والنية الصافية. من يترك بصمة طيبة يتغيّر تلقائيًا في طريقة تعامله مع الآخرين. يصبح أكثر ميلًا إلى الإنصات بدلًا من الجدل، وأكثر تعاطفًا بدلًا من الانتقاد. الأثر الطيب يفتح أمام صاحبه أبوابًا من العلاقات الإنسانية الحقيقية، لأنه يتعامل بصدق ورغبة في الإعطاء لا في الأخذ. ومع الوقت، يجد أن احترام الناس له وحبهم هو نتيجة طبيعية لرحلته في صنع الخير. القلوب التي تنبض بالعطاء لا تبحث عن مقابل. حين تمتد يد لإنقاذ متعثر أو لرفع كربة عن محتاج، فإن الأثر يتجاوز اللحظة ذاتها. من أنقذته اليوم قد يصبح غدًا عونًا لغيره، وهكذا يتسلسل الخير. وهذا ما أكده الرسول صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». فالطيبة لا تذهب سدى، بل تبقى رصيدًا من الرحمة يعود لصاحبه يومًا ما. ليس التأثير دائمًا في الكلام، بل أحيانًا في الصمت والابتسامة وطريقة التعامل. قد تُعيد نظرة احترام أو ابتسامة صادقة بناء إنسان هشّ فقد ثقته بالعالم. المواقف الصغيرة، كالصبر على خطأ، أو احتواء ضعف، قد تكون أقوى من خطابات طويلة. إنها لغة إنسانية يفهمها كل قلب،وتترك أثرًا أبقى من أي حديث. الأثر الطيب لا يتوقف عند حدود الشخص الذي نُسدي له معروفًا. بل ينتقل كعدوى إيجابية، فيُلهم من نساعده ليساعد غيره. هكذا يولد «التأثير المتسلسل»: سلسلة من الخير قد تبدأ بابتسامة في لحظة عابرة، لكنها تتحول إلى حركة إنسانية لا نعرف إلى أين تصل. وربما يكون ما فعلناه بذرة تثمر قادة ومصلحين وكتّابًا ملهمين بعد سنوات. الناس ينسون الكلمات أحيانًا، لكنهم لا ينسون الشعور الذي تركته بداخلهم. الأمان، الدعم، والاحتواء، تبقى محفورة في الذاكرة مهما تقادم الزمن. ولعل أصدق ما قيل: «قد تنسى الناس ما قلت، لكنهم لن ينسوا كيف جعلتهم يشعرون». هذه المشاعر هي الأثر الحقيقي الذي لا يُمحى. فى النهاية.. لا يحتاج المرء إلى ثروة أو شهرة ليترك أثرًا خالدًا. الأمر أبسط من ذلك: كلمة صادقة، موقف كريم، أو حتى صمت حانٍ. كل إنسان قادر على أن يكون بداية لدوائر من الخير تمتد بعده. حين تُضيء قلبًا واحدًا، فأنت تفتح نافذة لعالم أكثر دفئًا وإنسانية.

459

| 16 أكتوبر 2025

بين دفء الاجتماع ووحشة الوحدة

الإنسان لم يُخلق ليعيش وحيداً. فمنذ فجر التاريخ، ارتبط بقاء البشر بالقدرة على التعاون والعيش في جماعات. فالكهوف الأولى لم تكن مجرد مأوى، بل كانت بداية الحكاية الإنسانية التي لا تكتمل إلا بالآخر. لكن ليس الجميع يجد في العلاقات الاجتماعية ملاذاً أو راحة. فهناك من يميل إلى الوحدة، لا هرباً من الناس، بل بحثاً عن السكون الداخلي. هؤلاء لا يكرهون الآخرين، بل يفضلون المسافة الآمنة التي تمنحهم وضوحاً وصفاءً. فهل يُعد هذا الميل للانطواء ضعفاً أم خياراً مشروعاً؟ الوحدة قد تكون ملاذاً مؤقتاً، يلجأ إليها الإنسان حين يضيق صدره أو يثقل قلبه. لكنها تتحول إلى مأزق حين تصبح أسلوب حياة دائم، يقطع الصلة بالآخرين ويجعل الإنسان غريباً حتى عن أقرب الناس إليه. أما الانطوائية، فهي طبيعة شخصية، لا تعني بالضرورة العزلة، بل تعكس حاجة الفرد إلى الهدوء أكثر من الضجيج، إلى التأمل أكثر من التفاعل. الوحدة والانطوائية حين تتحولان من خيار شخصي إلى نمط دائم، تُلقيان بظلال ثقيلة على الفرد والمجتمع معاً. فالفرد المنعزل يفقد تدريجياً مهارات التواصل، ويصبح أقل قدرة على التعبير عن مشاعره أو فهم الآخرين، مما يزيد من احتمالية الإصابة بالقلق والاكتئاب. كما أن الانطواء يحدّ من فرص النمو الشخصي، ويقلل من التفاعل مع التجارب التي تُثري الفكر وتوسع المدارك. أما على مستوى المجتمع، فإن انتشار الانعزال يضعف الروابط الإنسانية، ويخلق فجوات بين الأفراد، مما يؤدي إلى تراجع روح التعاون والتكافل. فالمجتمع لا يُبنى بالأفراد المنعزلين، بل بالأرواح المتفاعلة التي تتبادل الدعم وتشارك في البناء. الدراسات النفسية تشير إلى أن الانطواء ليس مرضاً، بل نمط تفكير وسلوك. لكنه قد يتحول إلى عبء نفسي إذا صاحبه شعور بالرفض أو عدم الفهم من الآخرين. فحين يُنظر إلى الانطوائي على أنه غريب أو غير اجتماعي، يُدفع إلى عزلة قسرية، لا اختيارية، وهنا تبدأ المعاناة. على مستوى العلاقات، قد لا يكون الانطوائي كثير الكلام، لكنه يحمل مشاعر عميقة، ويمنح ثقته بصعوبة، لكنه حين يمنحها، تكون صادقة وثابتة. فالعلاقات عنده ليست كثيرة، لكنها قوية. وهو لا يبحث عن الحشود، بل عن القلوب التي تفهمه دون أن تفرض عليه التغيير. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». لكن هذا لا يعني أن من لا يخالط الناس مذموم، بل أن الصبر على العلاقات فضيلة، وأن الاجتماع يحتاج إلى جهد، لا يُجبر عليه كل أحد. في بيئة العمل، لا تقتصر أهمية التجمع على تبادل المهام أو إنجاز المشاريع، بل تمتد لتشمل بناء الثقة وتعزيز روح الفريق. فالتجمعات بين الزملاء، سواء كانت رسمية أو ودية، تخلق مناخاً إيجابياً يُشعر الفرد بالانتماء ويحفّزه على العطاء. ممارسة الحياة الاجتماعية في العمل تُسهم في تخفيف التوتر، وتزيد من الإنتاجية، وتفتح المجال لتبادل الأفكار والخبرات. كما أن العلاقات الإنسانية داخل بيئة العمل تُعدّ صمام أمان نفسي، تمنح الموظف شعوراً بالدعم والتقدير. فحين يشعر الإنسان أنه جزء من منظومة حية، لا مجرد ترس في آلة، يصبح أكثر قدرة على الإبداع وأكثر استعداداً لمواجهة التحديات. لا شيء يعوّض لحظة صدق بين شخصين يفهمان بعضهما دون كثير كلام. فالعلاقات ليست بعدد الأصدقاء، بل بجودة التواصل. والانطوائي قد يجد راحته في جلسة هادئة مع شخص واحد، أكثر مما يجده في حفل مزدحم. قال الله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا» (الفرقان: 54). فالعلاقات الإنسانية جزء من فطرة الإنسان، لكن لكلٍ طريقته في التعبير عنها. فليس كل من ابتعد، فقد المحبة، وليس كل من صمت، غاب عن الود. الحياة الاجتماعية ليست فرضاً على الجميع بنفس الدرجة. هي مساحة للتفاعل، لكن لا بد أن تُراعى فيها الفروق الفردية. فبعض الناس يحتاج إلى العزلة ليعيد ترتيب نفسه، وبعضهم يجد في الوحدة طمأنينة لا توفرها الجموع. كثير من الانطوائيين تغيّرت حياتهم عبر مواقف بسيطة: كلمة طيبة، جلسة صادقة، أو حتى نظرة احترام من شخص لم يُجبرهم على التغيير. فالتواصل لا يعني التنازل عن الذات، بل إيجاد من يفهمها ويقبلها كما هي. قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى» (المائدة: 2). وهذه دعوة للتعاون، لا للتشابه. فالتعاون لا يعني أن نكون نسخاً من بعضنا، بل أن نكمل بعضنا، كلٌ بطريقته. لا أحد يُطالب بأن يكون منفتحاً طوال الوقت، ولا أن يتخلى عن خصوصيته. المطلوب هو التوازن: أن نحترم ميولنا، ونمنح أنفسنا فسحة من الوحدة حين نحتاجها، دون أن نقطع الصلة بالناس تماماً. ختاماً.. الوحدة قد تمنح راحة وقتية، لكنها لا تصنع سعادة دائمة. والسعادة ليست في كثرة العلاقات، بل في صدقها. فليكن لكلٍ طريقه، وليكن الاحترام هو الجسر الذي يربط المختلفين، دون أن يُجبر أحد على تغيير ذاته.

822

| 06 أكتوبر 2025

النسيان نعمة أم نقمة؟

في لحظة صفاء مع النفس، يطلّ النسيان عليَّ كسؤال وجودي يأبى أن يتركني بسلام: هل هو نعمة تحررني من ثِقل التجارب الموجعة، أم نقمة تسلبني تفاصيل اللحظات التي صنعتني؟ كثيرًا ما أرى أن الذاكرة هي مستودع الإنسان، وأنها ما يميّزه عن غيره من الكائنات، لكن النسيان، ليس دائمًا خصمًا، بل قد يكون حبل النجاة الوحيد. أدركت أن النسيان ليس ضيفًا عابرًا، بل طبيعة بشرية متأصلة. يتسلل إليَّ حين يرهقني الألم أو حين يُثقلني الحنين. أحتاجه حين أتألم، وأخشاه حين يبتلع أجمل ما مررتُ به. ففي الحب مثلًا، قد ينقذني النسيان من وجع علاقة انتهت، لكنه قد يسلبني جمال ذكرى لم يزل القلب يحنّ إليها. وفي الفقد، يمدّني النسيان بطاقة على الاستمرار، لكنه لا يعيد لي من رحل. أما في الغضب، فقد يطفئ النسيان نار مشاعري، لكنه يتركني عرضة لتكرار الأخطاء وكأنني لم أتعلم. أسباب النسيان كثيرة ومتداخلة، منها ما يرتبط بطبيعة العقل، ومنها ما يتصل بنمط الحياة وضغوطها. أحيانًا يكون النسيان نتيجة طبيعية لتكدس المعلومات وتزاحم التفاصيل، فيعجز العقل عن الاحتفاظ بكل شيء، فيُسقط ما يراه أقل أهمية. وأحيانًا يكون وليد التعب والإرهاق، فالعقل المنهك لا يملك طاقة للتخزين والتذكر. وقد يتجلى النسيان كآلية دفاعية يطلقها الجسد لحماية الروح من الانهيار، فيُبعد عنا ما يثقلنا من ذكريات موجعة أو مواقف قاسية. حتى التقدم في العمر له نصيبه، فمع مرور السنين تتراجع الذاكرة أمام ضغط الزمن وكثرة التجارب. لكنني أؤمن أن بعض النسيان يصنعه الإنسان بوعي حين يختار أن يتجاوز، فلا يظل أسيرًا لذكرى تعوقه عن المضي قدمًا. القرآن الكريم لم يغفل هذا البُعد الإنساني، فصوّر النسيان أحيانًا كعقوبة، كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾، وأحيانًا كصفة بشرية أصيلة، كما حدث مع آدم عليه السلام: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. بل إن الدعاء القرآني نفسه جاء ليؤكد ضعف الإنسان وحاجته إلى رحمة الله في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾، وكأنها تربية ربانية على أن النسيان ليس عيبًا بل جزء من طبيعتنا التي تحتاج إلى العفو والصفح. أما السنة النبوية فقد تعاملت مع النسيان برفق ورحمة، فجاء الحديث الشريف: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه.» بل إن النبي ﷺ نفسه أقرّ بإنسانيته قائلاً: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون.» وهنا يترسخ المعنى بأن النسيان ليس نقصًا، بل طبيعة لا ينفكّ عنها الإنسان. وحين أتأمل العلاقة بين المشاعر والنسيان أجدها من أعقد الروابط وأكثرها إرباكًا. فالمشاعر القوية، سواء كانت حبًا أو ألمًا أو غضبًا، تترك أثرًا صعب الزوال في الذاكرة، لذلك يصعب نسيانها بسهولة. لكن المفارقة أن قوة المشاعر ذاتها قد تدفع أحيانًا إلى النسيان، فالقلب المنهك من كثرة الوجع يقرر أن يتخفف، فيطوي الصفحات الموجعة كي يتمكن من الاستمرار. في لحظات الفرح، يختزن العقل الذكرى بحيوية تجعلها عصية على النسيان، بينما في لحظات الحزن العميق يتدخل الزمن ببطء ليمحو حدّة الذكرى، لا ليجعلنا ننساها بالكامل، بل ليجعلها أخف وطأة على أرواحنا. وهكذا أرى أن النسيان ليس مجرد فعل عقلي بارد، بل هو انعكاس لمشاعرنا العميقة وصراعها الدائم بين التذكر والنسيان. حين أتأمل بعمق، أجد أن النسيان نعمة كبرى لا يدركها إلا من تجرّع مرارة الفقد أو صراع الفشل. لولا النسيان لبقينا أسرى جراح الأمس، نعيش حاضرنا مقيّدين بقيود الماضي. إنه يخفف من ثِقل الحزن، يفتح لي نافذة نحو شمس جديدة، ويعيد إليَّ القدرة على التنفس. فتصوّرتُ لو أن كل ألم عشته ظل حاضرًا بنفس حدته الأولى، كيف كنت سأحتمل الحياة؟ لكنني لا أستطيع أن أبرئ النسيان من كونه نقمة أيضًا. فحين أنسى المعروف أصبح جاحدة، وحين أنسى العِبرة أكرر الأخطاء ذاتها، وحين أنسى الأحبة أفرّط في أجمل ما أملك من روابط إنسانية. بل إن بعض صور النسيان قد تقترب من فقدان الهوية، حين أنسى ماضيَّ وتجربتي، فأعيش كمن تبدأ من الصفر في كل مرة. وهنا أرى أن النسيان ليس في ذاته خيرًا أو شرًا، بل أداة محايدة، نحن من نحدد وجهتها. إن نسيتُ بوعي، صار دواءً يرمم جراحي، وإن تركته يعبث بذاكرتي صار وبالًا يطيح بدروس عمري. النسيان الحقيقي الذي أحتاجه هو ذاك الذي يترك فيَّ الأثر دون أن يُبقيني أسيرة الألم، ويمنحني الصفح دون أن يجرّدني من الحكمة. في النهاية، يظل النسيان هبة إلهية مزدوجة الوجه. هو نعمة حين يساعدني على تجاوز القسوة، ونقمة حين يُغرقني في سطحية اللحظة وينزع مني جذور التجربة. لذلك أرى أن الحكمة ليست في محاربة النسيان أو الخضوع له، بل في التعايش معه، وقيادته بدل أن يقودني. أن أحفظ من ذاكرتي ما يعينني على النهوض، وأُسقط منها ما يعوق خطواتي. هكذا فقط يصبح النسيان مدرسةً أتعلم منها كيف أعيش، لا هاويةً أسقط فيها بلا وعي.

924

| 30 سبتمبر 2025

alsharq
إبراهيم دياز قتل طموحنا

في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...

3954

| 20 يناير 2026

alsharq
ضحكة تتلألأ ودمعة تختبئ

بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...

1467

| 16 يناير 2026

alsharq
هل الدوحة الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟

لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...

717

| 16 يناير 2026

alsharq
مرحلة جديدة في قانون الموارد البشرية

التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...

690

| 20 يناير 2026

alsharq
فلسطين ليست قضيتي

في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...

657

| 20 يناير 2026

alsharq
إطلالة على مركز قطر للمال بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسه

احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...

600

| 18 يناير 2026

alsharq
قطر والسعودية وعمان ركائز الاستقرار الإقليمي

يمثل الاستقرار الإقليمي أولوية قصوى لدى حضرة صاحب...

507

| 16 يناير 2026

alsharq
الإدارة المريضة

إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان،...

498

| 18 يناير 2026

alsharq
العمل التطوعي ركيزة تنموية وهويّة وطنية

أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا...

435

| 19 يناير 2026

alsharq
غرينلاند.. القنبلة العالمية!

يَتصدّر الحديث عن جزيرة (غرينلاند) الدنماركية حاليًا نشرات...

432

| 16 يناير 2026

alsharq
الموناليزا حين تتكلم

عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض...

432

| 19 يناير 2026

alsharq
يوم التعليم: قوة الشباب في بناء مستقبل التعليم

«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...

426

| 21 يناير 2026

أخبار محلية