رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زمنٍ تسوده الضوضاء والصراعات، حيث يبدو العالم كسفينة تتقاذفها أمواج المادية والأنانية، تبرق كلمة «الرحمة» كمنارةٍ تضيء طريق الإنسانية الضائع. إنها ذلك النبع الصافي الذي لا ينضب، الذي يروي ظمأ القلوب القاحلة، ويذكّرنا بأننا، في عمقنا، مخلوقاتٌ مفطورة على الحب والعطاء. الرحمة ليست مجرد شعورٍ عابر، بل هي فلسفة حياة، وقوة تغييرية، ورباطٌ إلهي يجمع بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل وبين الإنسان وكل كائن حي. هي لغة الروح التي لا تحتاج إلى ترجمة، ومفتاح القلب الذي يفتح أبواب الخير والسكينة.
الرحمة في جوهرها شعورٌ نبيل يدفعنا إلى مشاركة الآخرين في آلامهم وأحزانهم، ويحثنا على مد يد العون لتخفيفها. إنها ليست شفقةً متعالية، بل مشاركة وجدانية تضعنا مكان الآخر لنشعر بما يشعر، ثم نحول هذا الإحساس إلى فعلٍ إيجابي. الرحمة هي الرقة التي تملأ القلب، واللين الذي يطبع السلوك، والسكينة التي تفيض على من حولنا. ولها لغاتٌ متعددة، فربما تكون في كلمةٍ طيبة، أو ابتسامةٍ صادقة، أو مساعدةٍ عابرة، أو في زيارة مريضٍ يشعر بالوحدة. وقد تكون في صدقةٍ تُخرجها خفية، أو نصيحةٍ تُقدّمها بإخلاص، أو صفحٍ عن إساءةٍ دون انتظار اعتذار. قال الله تعالى: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (آل عمران: 134)، وفي هذا المعنى قمة الرحمة التي تتجاوز الغضب والانتقام لتنتصر للإنسانية على القسوة.
الرحمة ليست ضعفاً، بل هي قمة القوة، لأنها تحتاج إلى قلبٍ كبير يستطيع أن يسمو فوق الأذى، وأن يمنح العطاء دون انتظار المقابل. وهي لا تنفصل عن العدل، فالرحمة الحقيقية هي التي تحفظ الحقوق دون أن تُهين الكرامة، وتعطي بلا تبذير، وتعفو دون استسلام.
لقد جعل الإسلام الرحمة أساساً لبناء الكون وسمةً لرسالة السماء إلى الأرض. قال تعالى: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» (الأعراف: 156)، وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الترمذي). بل إن أعظم رسالةٍ في التاريخ وُصفت بأنها رحمة للعالمين: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107). فكانت الرحمة هي جوهر الرسالة المحمدية، لا تفرّق بين غنيٍ وفقير، ولا بين قويٍ وضعيف، بل تشمل الإنسان والحيوان وسائر المخلوقات.
وقد تجلت الرحمة في حياة النبي صل الله عليه وسلم بأروع صورها؛ فقد كان يمسح على رأس اليتيم، ويقف احتراماً لجنازة يهودي قائلاً: «أليست نفساً؟»، وكان يوصي بالرفق حتى في الذبح بقوله: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة» (رواه مسلم).
ولم تكن الرحمة في الإسلام مقصورة على البشر، بل امتدت لتشمل الحيوان، فكانت سبباً في الجنة أو النار. فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، بينما غفر الله لرجلٍ سقى كلباً يلهث من العطش، كما في الحديث الشريف الصحيح. وفي هذا الموقف تتجلى إنسانية الإسلام بأبهى صورها، إذ يعلّمنا أن الرحمة لا تُقاس بالعقل وحده، بل بالقلب الحي الذي يشعر بآلام المخلوقات كلها.
ولعل أجمل ما في مشاعر الرحمة أنها لا تحتاج إلى دينٍ أو لغةٍ أو جنسيةٍ لتُفهم. فالطبيب الذي يعالج مريضاً غريباً، والمتطوع الذي يسقي حيواناً عطشاناً، والأم التي تحتضن طفلها بحنان، كلها وجوه مختلفة لنفس النور الإلهي الذي أودعه الله في الفطرة البشرية. فالرحمة هي ما يجعلنا بشراً بحق، وهي التي تحمي العالم من التحول إلى غابةٍ قاسية بلا وجدان.
لكن واقعنا الحديث يشهد اضطراباً في مشاعر الرحمة. ففي عصر السرعة والتكنولوجيا، بدأت القلوب تفقد دفأها، وأصابها ما يمكن تسميته بـ»التبلد الوجداني». فالمشاهد اليومية للعنف والدمار على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي جعلت كثيرين يتعاملون مع المآسي وكأنها مجرد أخبارٍ عابرة. ومع انتشار الفردانية وثقافة «أنا أولاً»، انكمش الشعور بالآخر، وغابت المسؤولية الاجتماعية التي كانت تميز المجتمعات قديماً.
لقد أصبحت الرحمة أحياناً تُمارس افتراضياً: إعجابٌ على منشورٍ عن محتاج، أو تعليقٌ متعاطف، دون أن يتحول ذلك إلى فعلٍ حقيقي. كما تمّ تسييس مشاعر الرحمة أحياناً، فصار بعض الناس يتعاطفون مع طرفٍ ويغضون الطرف عن مأساة طرفٍ آخر، بحسب الانتماء أو المصلحة. وهنا تكمن خطورة الواقع المعاصر، حين تفقد الرحمة نقاءها وتصبح انتقائية.
وعلى مستوى الأمم، تتحول الرحمة من فضيلةٍ شخصية إلى ضرورةٍ حضارية. فالأمم التي تتراحم في داخلها وتتعاطف مع غيرها تكون أكثر قدرةً على بناء السلم العالمي، ونبذ الكراهية والحروب. الرحمة بين الأمم تعني مساندة المظلوم، وإغاثة اللاجئ، ومعالجة الجائع والمريض دون تمييز. هي الأساس الأخلاقي الذي تنشأ عليه منظمات الإغاثة الدولية، وهي المحرك الإنساني لحملات مكافحة الفقر والكوارث، وهي صوت الضمير العالمي الذي يذكّرنا بأن الإنسانية أسرةٌ واحدة.
إن الرحمة لا تصنع فقط مجتمعاتٍ متماسكة، بل تبني حضاراتٍ عظيمة. فالحضارة التي تُشيَّد على القوة وحدها تنهار عند أول أزمة، أما التي تُبنى على الرحمة فهي التي تبقى لأنها تستند إلى قيمةٍ خالدة. قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (المائدة: 2)، والتعاون في الخير لا يكون إلا في ظلّ الرحمة.
ولنا في التاريخ شواهد كثيرة على أن الرحمة تصنع المعجزات. فكم من قائدٍ غيّر مجرى التاريخ بعفوٍ صادق، كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم يوم فتح مكة حين قال لأعدائه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وكم من أمةٍ نهضت بعد محنٍ بفضل تكاتف أبنائها وتراحمهم، وكم من قلوبٍ متنافرة التأمت بفضل لمسة رحمةٍ صادقة.
الرحمة هي النبض الخفي للقلب الإنساني، هي ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس لنا بأننا لسنا جزراً معزولة، بل أجزاء من كلٍّ متكامل. في عالمٍ يبدو أحياناً قاسياً، تبقى الرحمة هي السلاح الأقوى في مواجهة القسوة، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع بلا ترجمة. إنها ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورةٌ وجودية تضمن بقاءنا كبشرٍ أسوياء.
فلنحرص على ترسيخها في أنفسنا أولاً، بأن نرأف بمن حولنا، ونلين مع الضعفاء، ونعين المظلومين، ونمد يد العون لكل محتاج. ولنزرعها في قلوب أبنائنا، ليكبروا وهم يؤمنون بأن الرحمة ليست ضعفاً، بل هي أعظم أشكال القوة. وعندما تستعيد القلوب نبع الرحمة، يستعيد العالم نبضه الإنساني، فنصنع معاً عالماً لا يقوم فقط على التقدم، بل على الدفء، والإيمان، والجمال، والإنسانية.
حيث يغيب الأب
في زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة، وتتزاحم المسؤوليات المهنية والاقتصادية، يبقى البيت في أمسّ الحاجة إلى ذلك الحضور... اقرأ المزيد
462
| 15 سبتمبر 2026
عام دراسي جديد بطموحات وإنجازات قطرية
مع انطلاق العام الدراسي الجديد، في المدارس الحكومية والخاصة في قطر، وفقًا للتقويم السنوي المعتمد من وزارة التربية... اقرأ المزيد
270
| 30 أغسطس 2026
"كنف".. قلب الأسرة وصناعة المستقبل
يمثل تدشين مركز التربية الوالدية (كنف) في قطر خطوة نوعية جديدة تعكس عمق الرؤية الوطنية التي تضع الأسرة... اقرأ المزيد
339
| 15 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• ناشطة اجتماعية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8733
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2919
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2838
| 30 أكتوبر 2026