رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

678

وجيدة القحطاني

«الرحمة» ليست ضعفاً بل هي قمة القوة

26 أكتوبر 2025 , 12:51ص

في زمنٍ تسوده الضوضاء والصراعات، حيث يبدو العالم كسفينة تتقاذفها أمواج المادية والأنانية، تبرق كلمة «الرحمة» كمنارةٍ تضيء طريق الإنسانية الضائع. إنها ذلك النبع الصافي الذي لا ينضب، الذي يروي ظمأ القلوب القاحلة، ويذكّرنا بأننا، في عمقنا، مخلوقاتٌ مفطورة على الحب والعطاء. الرحمة ليست مجرد شعورٍ عابر، بل هي فلسفة حياة، وقوة تغييرية، ورباطٌ إلهي يجمع بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل وبين الإنسان وكل كائن حي. هي لغة الروح التي لا تحتاج إلى ترجمة، ومفتاح القلب الذي يفتح أبواب الخير والسكينة.

الرحمة في جوهرها شعورٌ نبيل يدفعنا إلى مشاركة الآخرين في آلامهم وأحزانهم، ويحثنا على مد يد العون لتخفيفها. إنها ليست شفقةً متعالية، بل مشاركة وجدانية تضعنا مكان الآخر لنشعر بما يشعر، ثم نحول هذا الإحساس إلى فعلٍ إيجابي. الرحمة هي الرقة التي تملأ القلب، واللين الذي يطبع السلوك، والسكينة التي تفيض على من حولنا. ولها لغاتٌ متعددة، فربما تكون في كلمةٍ طيبة، أو ابتسامةٍ صادقة، أو مساعدةٍ عابرة، أو في زيارة مريضٍ يشعر بالوحدة. وقد تكون في صدقةٍ تُخرجها خفية، أو نصيحةٍ تُقدّمها بإخلاص، أو صفحٍ عن إساءةٍ دون انتظار اعتذار. قال الله تعالى: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (آل عمران: 134)، وفي هذا المعنى قمة الرحمة التي تتجاوز الغضب والانتقام لتنتصر للإنسانية على القسوة.

الرحمة ليست ضعفاً، بل هي قمة القوة، لأنها تحتاج إلى قلبٍ كبير يستطيع أن يسمو فوق الأذى، وأن يمنح العطاء دون انتظار المقابل. وهي لا تنفصل عن العدل، فالرحمة الحقيقية هي التي تحفظ الحقوق دون أن تُهين الكرامة، وتعطي بلا تبذير، وتعفو دون استسلام.

لقد جعل الإسلام الرحمة أساساً لبناء الكون وسمةً لرسالة السماء إلى الأرض. قال تعالى: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» (الأعراف: 156)، وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الترمذي). بل إن أعظم رسالةٍ في التاريخ وُصفت بأنها رحمة للعالمين: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107). فكانت الرحمة هي جوهر الرسالة المحمدية، لا تفرّق بين غنيٍ وفقير، ولا بين قويٍ وضعيف، بل تشمل الإنسان والحيوان وسائر المخلوقات.

وقد تجلت الرحمة في حياة النبي صل الله عليه وسلم بأروع صورها؛ فقد كان يمسح على رأس اليتيم، ويقف احتراماً لجنازة يهودي قائلاً: «أليست نفساً؟»، وكان يوصي بالرفق حتى في الذبح بقوله: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة» (رواه مسلم).

ولم تكن الرحمة في الإسلام مقصورة على البشر، بل امتدت لتشمل الحيوان، فكانت سبباً في الجنة أو النار. فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، بينما غفر الله لرجلٍ سقى كلباً يلهث من العطش، كما في الحديث الشريف الصحيح. وفي هذا الموقف تتجلى إنسانية الإسلام بأبهى صورها، إذ يعلّمنا أن الرحمة لا تُقاس بالعقل وحده، بل بالقلب الحي الذي يشعر بآلام المخلوقات كلها.

ولعل أجمل ما في مشاعر الرحمة أنها لا تحتاج إلى دينٍ أو لغةٍ أو جنسيةٍ لتُفهم. فالطبيب الذي يعالج مريضاً غريباً، والمتطوع الذي يسقي حيواناً عطشاناً، والأم التي تحتضن طفلها بحنان، كلها وجوه مختلفة لنفس النور الإلهي الذي أودعه الله في الفطرة البشرية. فالرحمة هي ما يجعلنا بشراً بحق، وهي التي تحمي العالم من التحول إلى غابةٍ قاسية بلا وجدان.

لكن واقعنا الحديث يشهد اضطراباً في مشاعر الرحمة. ففي عصر السرعة والتكنولوجيا، بدأت القلوب تفقد دفأها، وأصابها ما يمكن تسميته بـ»التبلد الوجداني». فالمشاهد اليومية للعنف والدمار على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي جعلت كثيرين يتعاملون مع المآسي وكأنها مجرد أخبارٍ عابرة. ومع انتشار الفردانية وثقافة «أنا أولاً»، انكمش الشعور بالآخر، وغابت المسؤولية الاجتماعية التي كانت تميز المجتمعات قديماً.

لقد أصبحت الرحمة أحياناً تُمارس افتراضياً: إعجابٌ على منشورٍ عن محتاج، أو تعليقٌ متعاطف، دون أن يتحول ذلك إلى فعلٍ حقيقي. كما تمّ تسييس مشاعر الرحمة أحياناً، فصار بعض الناس يتعاطفون مع طرفٍ ويغضون الطرف عن مأساة طرفٍ آخر، بحسب الانتماء أو المصلحة. وهنا تكمن خطورة الواقع المعاصر، حين تفقد الرحمة نقاءها وتصبح انتقائية.

وعلى مستوى الأمم، تتحول الرحمة من فضيلةٍ شخصية إلى ضرورةٍ حضارية. فالأمم التي تتراحم في داخلها وتتعاطف مع غيرها تكون أكثر قدرةً على بناء السلم العالمي، ونبذ الكراهية والحروب. الرحمة بين الأمم تعني مساندة المظلوم، وإغاثة اللاجئ، ومعالجة الجائع والمريض دون تمييز. هي الأساس الأخلاقي الذي تنشأ عليه منظمات الإغاثة الدولية، وهي المحرك الإنساني لحملات مكافحة الفقر والكوارث، وهي صوت الضمير العالمي الذي يذكّرنا بأن الإنسانية أسرةٌ واحدة.

إن الرحمة لا تصنع فقط مجتمعاتٍ متماسكة، بل تبني حضاراتٍ عظيمة. فالحضارة التي تُشيَّد على القوة وحدها تنهار عند أول أزمة، أما التي تُبنى على الرحمة فهي التي تبقى لأنها تستند إلى قيمةٍ خالدة. قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (المائدة: 2)، والتعاون في الخير لا يكون إلا في ظلّ الرحمة.

ولنا في التاريخ شواهد كثيرة على أن الرحمة تصنع المعجزات. فكم من قائدٍ غيّر مجرى التاريخ بعفوٍ صادق، كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم يوم فتح مكة حين قال لأعدائه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وكم من أمةٍ نهضت بعد محنٍ بفضل تكاتف أبنائها وتراحمهم، وكم من قلوبٍ متنافرة التأمت بفضل لمسة رحمةٍ صادقة.

الرحمة هي النبض الخفي للقلب الإنساني، هي ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس لنا بأننا لسنا جزراً معزولة، بل أجزاء من كلٍّ متكامل. في عالمٍ يبدو أحياناً قاسياً، تبقى الرحمة هي السلاح الأقوى في مواجهة القسوة، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع بلا ترجمة. إنها ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورةٌ وجودية تضمن بقاءنا كبشرٍ أسوياء.

فلنحرص على ترسيخها في أنفسنا أولاً، بأن نرأف بمن حولنا، ونلين مع الضعفاء، ونعين المظلومين، ونمد يد العون لكل محتاج. ولنزرعها في قلوب أبنائنا، ليكبروا وهم يؤمنون بأن الرحمة ليست ضعفاً، بل هي أعظم أشكال القوة. وعندما تستعيد القلوب نبع الرحمة، يستعيد العالم نبضه الإنساني، فنصنع معاً عالماً لا يقوم فقط على التقدم، بل على الدفء، والإيمان، والجمال، والإنسانية.

مساحة إعلانية