رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التعلّق شعورٌ يولد مع الإنسان منذ أول لحظةٍ يبصر فيها النور، كأنه نداء خفيّ في أعماق القلب يبحث عن مأمن وسند. هو حاجة فطرية مغروسة فينا، تدفعنا نحو الآخرين طلبًا للدفء والطمأنينة، لكنه في الوقت نفسه اختبارٌ قاسٍ لمدى وعينا بطبيعة الحياة وزوالها. نتعلّق لأننا نحب، ونحب لأننا نخاف الوحدة، ونخشى الفراغ، فنربط قلوبنا بما يملأ هذا النقص فينا. غير أن الأمان الذي نبحث عنه في الوجوه والأيدي والكلمات، سرعان ما يتلاشى حين ندرك أن كل شيءٍ حولنا يتغيّر، وأن الثابت الوحيد في هذا الوجود هو الله. فكل من نتعلّق بهم قد يرحلون، وكل ما نملكه قد يزول، أما من تعلّق قلبه بمن لا يتغير ولا يغيب، فقد وجد الأمان الذي لا يخذله الزمن ولا الفقد.
كل ما في الدنيا مؤقت؛ الوجوه، والأصوات، والمشاعر، حتى الأحضان التي نلوذ بها يومًا، تتركنا يومًا آخر. وما أشدّ أن يعلّق القلب سعادته بما لا يدوم! فالتعلّق يجعلنا نعيش على حافة الخوف، نرتجف من فكرة الفقد قبل أن يأتي الفقد. ولذا كان أعظم الدروس في الحياة أن نتعلم كيف نُحب دون أن نُستَعبَد، وكيف نَمنح دون أن نُنسى أنفسنا، وكيف نعلّق القلب بالله وحده فلا نخسر إذا خسرنا أحدًا.
ما من صورة أصدق للتعلّق من قلب أمٍّ تحمل أبناءها في دعائها قبل أن تضمّهم إلى صدرها. تبدأ حياتها من أجلهم، وتدور أيامها في فلكهم، تفرح لضحكاتهم الصغيرة وتقلق لأنفاسهم حين تتعب. وحين يكبرون، تتّسع المسافة بينهم وبينها دون قصد، فينشغلون بأعمالهم وبيوتهم وأبنائهم، وتبقى هي في زاويةٍ من الذاكرة تُقلّب صورهم القديمة وتمسح عنها غبار السنين. ليس وجعها من قسوةٍ أو جفاء، بل من حبٍّ عظيمٍ لم تعرف له حدودًا، ومن قلبٍ لم يتعلّم أن يُفطم بعد. تتألّم لأنها أحبّت أكثر مما يحتمل القلب، وتعلّقت بأيدٍ كان لا بد أن ترحل عنها يومًا، فتظلّ تودّعهم بصمتٍ كلّ صباح، وتستقبل غيابهم بالدعاء والحنين.
وهكذا هو التعلّق، يعطي ثم يسلب، يمنح الفرح ثم يجرّ الدموع. فالأبناء الذين ملأوا البيت ضجيجًا يغادرونه، والضحكات التي ملأت الأمس تذوب في الصمت. ومع كل فراقٍ صغير، تتعلم الأم أن أبناءها ليسوا لها، بل لله، وأن الحب إن لم يكن لله، أصبح عبئًا على صاحبه. قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}، والفتنة هنا امتحان، ليرى الله أين يقف القلب حين يُنتزع منه أحبّته.
وكما تتعلق الأم بأبنائها، يتعلّق الأبناء بالوالدين. فهم جدار الأمان الذي نستند إليه، والملجأ الذي نحتمي به من تقلبات الدنيا. وجودهم يخفف الخوف ويُشعرنا بأننا مهما تعثرنا فهناك من يلتقطنا. لكنّ هذا التعلّق، مهما كان جميلًا، يحمل في داخله وجع الفقد. يمضي العمر، ويأتي يوم تغيب فيه تلك الأصوات التي كانت تدعو لنا في الغيب، وتبرد أكفّ كانت تمسح حزننا. عندها يدرك الأبناء أن التعلّق بالبشر مهما كان نقيًّا، فإنه متعب، لأنهم راحلون، وأن التعلّق بالباقي وحده هو من يملأ هذا الفراغ. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، وكأنها تذكرة لنا أن لا نربط حياتنا بمن يفنى.
ولا يخلو الحب بين الزوجين من التعلّق أيضًا. فهو حبٌّ جميل، مودة ورحمة، لكنه حين يتحوّل إلى اعتمادٍ مطلق، يصير سجنًا للعاطفة. حين تُعلّق المرأة نفسها بزوجها حتى تنسى ذاتها، تتعب، لأن التغيّر سنة الحياة، ولأن القلوب بيد الله لا بيد أحدٍ من خلقه. كم من امرأةٍ ذبلت لأن من علّقت به قلبها تغيّر أو ابتعد، وكم من أخرى أزهرت لأنها أحبّت لله، فصار حبّها عبادة لا عبودية. إن التعلّق الزائد يجعلنا نعيش بقلوبٍ مهددة دائمًا، تنتظر كلمة أو تصرفًا كي تهنأ أو تنهار.
الحقيقة المؤلمة أن التعلّق هو شكلٌ من أشكال العذاب اللطيف، لأنه يُشبه الحب في البداية، ثم يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى وجعٍ خفيّ. نرتبط بالأشخاص ظنًّا أن وجودهم يمنحنا الحياة، فنكتشف أنهم جزء منها لا مصدرها. لا أحد يملأ القلب كما يفعل الإيمان، ولا أحد يمنح الطمأنينة كما يفعل القرب من الله. قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، وهذه الطمأنينة لا تُشترى، ولا تُكتسب إلا حين يتحرر القلب من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق.
ختاما.. التعلّق بالله هو الحرية الكبرى. هو أن تمسك الأشياء كلها بيدك لا بقلبك، فإذا أفلتت يدك، بقي قلبك مطمئنًا. هو أن تحب الناس وتعيش معهم وتفرح بهم، لكنك في عمقك تعرف أنك لا تحتاج سواهم، لأن الذي منحهم لك، إن شاء أبدلك خيرًا، وإن شاء أبقاهم حولك نعمةً وشكرًا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• ناشطة اجتماعية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
3156
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2190
| 28 يناير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
1323
| 04 فبراير 2026