رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

300

وجيدة القحطاني

الأمير الوالد.. حين يبكي الوطن أباه

18 يوليو 2026 , 11:53م

هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون في تفاصيل الحياة اليومية لشعوبهم. وهناك قادة لا تُقاس مكانتهم بعدد السنوات التي قضوها في الحكم، بل بما تركوه من أثر في قلوب الناس، وما صنعوه من تاريخ لوطنهم. ومن هؤلاء، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، "طيب الله ثراه" الذي لم تكن وفاته مجرد خبر حزين، بل كانت لحظة إنسانية مؤثرة عاشتها قطر بكل أطيافها، وشاركتها فيها الأمة العربية والعالم.

فبعد مرور أيام على رحيله، لا تزال ملامح الحزن تخيم على الشارع القطري، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. ولا تزال كلمات الرثاء تتردد، وصور الأمير الوالد تتصدر المجالس ووسائل الإعلام، في مشهد يؤكد أن العلاقة بينه وبين شعبه تجاوزت حدود السياسة والحكم، لتصبح علاقة وفاء ومحبة وامتنان.

ولعل المشهد الأبرز الذي جسّد هذه المحبة كان المشاركة الواسعة لآلاف المواطنين والمقيمين في تشييع جثمانه، في صورة نادرة تعكس مكانة رجل عاش قريبًا من شعبه، فبادله الشعب حبًا بحب، ووفاءً بوفاء. لم يكن الحضور بدافع الواجب، بل كان تعبيرًا صادقًا عن مشاعر إنسانية تجاه قائد أصبح جزءًا من ذاكرة كل بيت قطري.

ولم يقتصر الحزن على الداخل القطري، بل تحولت الدوحة إلى قبلة لقادة العالم الذين حرصوا على الحضور لتقديم واجب العزاء، تقديرًا لرجل كانت له بصمات واضحة في محيطه العربي والإقليمي والدولي. فجاءت الوفود الرسمية من مختلف الدول لتؤكد أن الأمير الوالد لم يكن قائدًا لقطر وحدها، بل شخصية دولية حظيت بالاحترام والتقدير.

لقد أدرك الجميع أن الشيخ حمد بن خليفة لم يصنع نهضة اقتصادية وعمرانية فحسب، بل صنع نموذجًا للدولة الحديثة، ووضع أسسًا جعلت قطر تتبوأ مكانة متقدمة بين دول العالم، مع الحفاظ على هويتها العربية والإسلامية. كما لعب أدوارًا بارزة في تقريب وجهات النظر بين الدول، ورعاية الحوار وحل النزاعات، مؤمنًا بأن الاستقرار هو الطريق الحقيقي للتنمية.

ومن أكثر المواقف التي ستظل شاهدة على حكمته، قراره التاريخي بالتنازل الطوعي عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة غير مسبوقة في المنطقة، قدم خلالها درسًا في تداول المسؤولية وتجديد القيادة. لم يكن ذلك انسحابًا من المشهد، بل انتقال إلى دور الأب الحكيم والمرشد الأمين، فظل سندًا لابنه، يدعمه بخبرته، ويمنحه الثقة، ويترك له مساحة كاملة لقيادة الدولة، وهو ما أسهم في استمرار مسيرة النهضة بثبات واستقرار.

لقد أثبت الأمير الوالد أن القيادة ليست تمسكًا بالسلطة، وإنما مسؤولية ورسالة. وأن القائد الحقيقي هو من يعرف متى يقود، ومتى يسلم الراية، ثم يقف خلفها داعمًا ومساندًا دون أن ينازعها.

واليوم، يبدو واضحًا أن قطر تبكي أبًا وقائدًا وإنسانًا. وما استمرار حالة الحزن بعد أيام من رحيله إلا دليل على أن الرجال الكبار لا يغادرون ذاكرة أوطانهم بسهولة. فالمحبة التي تُبنى بالصدق والإخلاص والعمل لا تموت، بل تزداد رسوخًا مع الأيام.

لقد فقدت قطر رجلًا نادر الوجود، وفقدت الأمة العربية قائدًا امتلك رؤية استثنائية، وحكمة في اتخاذ القرار، وإنسانية في التعامل مع شعبه وأمته. لكن عزاء الجميع أن إرثه باقٍ في وطن قوي، ومؤسسات راسخة، ونهضة مستمرة، وأجيال تعلمت أن حب الوطن يُترجم بالعمل والعطاء.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وألهم الشعب القطري الكريم وقيادته الرشيدة الصبر والسلوان. وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة التاريخ، ليس لأنه حكم قطر، بل لأنه أحبها بصدق، فبادلته حبًا سيبقى حيًا ما بقيت الأوطان تذكر عظماءها.

مساحة إعلانية