رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتور أحمدين عبد الله مروح

مساحة إعلانية

مقالات

129

الدكتور أحمدين عبد الله مروح

(كعبة المضيوم) في قلب العالم.. كيف صنع الشيخ حمد بن خليفة قوة قطر الناعمة؟

19 يوليو 2026 , 11:09م

ويلومني العذال على مطلب العلا ويلومني من لا هواي هواه

وحنا كعبة المضيوم إلى ما وزابنا بخيره ولا نرضى بغير ارضاه

ولنا هضبة يأمن بها من نجيره على رغم من ضده ومن عاداه

بهذه الأبيات التي كتبها مؤسس قطر الحديثة، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني رحمه الله، رسم الشيخ جاسم هوية قطر كملجأ للمظلومين وموئل للمحتاجين. وفي العصر الحديث، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، هذا الميراث حين قال: (قطر ستبقى كعبة المضيوم كما أراد لها بانيها الأول. (لكن الذي حول هذه الكعبة من رمز شعري إلى واقع سياسي ودبلوماسي، هو الرجل الذي قاد قطر إلى صدارة المشهد الدولي.

(ليس عيباً أن تكون صغيراً، العيب أن تظل صغيراً).

بهذه الفلسفة التي تجاوزت حدود الجغرافيا والديموغرافيا، قاد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قطر في رحلة تحولت خلالها من دولة تبحث عن موقعها إلى لاعب لا يمكن تجاهله في أي معادلة إقليمية. في المقال الأول من هذه السلسلة، استعرضنا التحول الداخلي المتمثل في الدستور، الرؤية الوطنية، التعليم، والاقتصاد. هنا نروي قصة الإنجاز الأكبر، كيف بنى رجل واحد لبلاده مكانة في الخارج لا تليق إلا بالدول الكبرى.

المدرسة القطرية في الوساطة

لم يولد الدور القطري في الوساطة الدولية من فراغ، ولم يكن نتيجة صدفة أو ظرف مؤقت. كان ثمرة رؤية متكاملة أعادت صياغة مكانة الدولة في النظامين الإقليمي والدولي. منذ تولي الشيخ حمد مقاليد الحكم عام 1995م، شرعت الدوحة في تنفيذ سياسة خارجية تقوم على توسيع هامش الحركة، وتجاوز القيود التقليدية التي كانت تحكم أدوار الدول الخليجية الصغيرة.

أدركت القيادة القطرية مبكراً أن الشرق الأوسط يعيش حالة من التشظي السياسي والصراعات الممتدة، وأن القوى الكبرى باتت بحاجة إلى أطراف قادرة على التواصل مع جميع اللاعبين، بمن فيهم الخصوم الذين يصعب التواصل معهم بصورة مباشرة. ومن هنا تبنت الدوحة سياسة تقوم على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع أطراف متعارضة مثلا شراكات استراتيجية مع واشنطن، وقنوات اتصال مع حركات وقوى سياسية تختلف معها.

هذه القدرة على الجمع بين المتناقضات أصبحت لاحقاً جوهر القوة الناعمة القطرية. فالوسيط الناجح لا يحتاج إلى فرض الحلول بقدر حاجته إلى امتلاك ثقة الأطراف المتنازعة. وهي معادلة عملت الدوحة على بنائها تدريجياً عبر الالتزام بالحوار وتوفير بيئة تفاوضية محايدة نسبياً. وصدق الشيخ حمد حين قال في هذا السياق: (إن الوساطة ليست تدخلاً في شؤون الآخرين، بل هي واجب أخلاقي وإنساني، وهي سبيلنا للمساهمة في استقرار منطقتنا).

لبنان.. اتفاق الدوحة2008 م

في مايو2008 م، كان لبنان على شفا حرب أهلية. اشتباكات مسلحة في بيروت، وشلل سياسي تام استمر ثمانية عشر شهراً، وتهديد بانفجار الطائفية. في هذا المشهد المظلم، تحركت الدوحة.

جمعت قطر الأطراف اللبنانية المتصارعة في مؤتمر حوار وطني استثنائي. وبعد أيام من المفاوضات المضنية، تم التوقيع على (اتفاق الدوحة) في 21 مايو 2008م الذي أنهى الأزمة المتفجرة، وانتخب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وشُكلت حكومة وحدة وطنية.

لا يمكن فهم اتفاق الدوحة نجاحا دبلوماسيا عابرا، بل كان إعلان ميلاد مدرسة قطرية في الوساطة، أثبتت أن دولة صغيرة يمكنها أن تفعل ما تعجز عنه دول كبرى، عندما تمتلك الإرادة والحياد والقدرة على استيعاب الجميع. قال الشيخ حمد في كلمته آنذاك: (إن نجاح هذا الاتفاق هو نجاح للعرب جميعاً، وهو دليل على أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل خلافاتنا).

السودان (دارفور).. ثلاثون شهراً من المفاوضات

بعد النجاح اللبناني، اتجهت الدبلوماسية القطرية نحو السودان، حيث احتضنت الدوحة مفاوضات طويلة بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة في دارفور.

استمرت المفاوضات ثلاثين شهراً، في واحدة من أطول وأعقد جولات الوساطة في التاريخ الحديث. انطلقت الوساطة رسمياً عام 2008م بتفويض من جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، واعتمدت على ثلاثة مرتكزات رئيسية، الحياد الإيجابي، والشمولية بإشراك المجتمع المدني والنازحين، والربط بين الأمن والتنمية.

لم تكلّ الدوحة، ولم تملّ، ولم تيأس. قدمت قطر نفسها كمنصة للحوار، وكرست وقتها وجهدها ومواردها لإنجاح هذا المسعى. تُوِّجت الجهود بتوقيع وثيقة الدوحة لسلام دارفور في يوليو 2011م، بحضور الرئيس السوداني السابق عمر البشير وقادة الحركات المسلحة. وتضمنت الوثيقة محاور للسلطة وتقاسم الثروة والتعويضات والعدالة الانتقالية.

فقال الشيخ حمد في إحدى جلسات التفاوض: (نحن في قطر لا نبحث عن مكاسب سياسية من وساطتنا، بل نبحث عن سلام يعيد الأمن والاستقرار إلى أشقائنا في السودان).

اليمن.. وساطة استباقية

لم تنتظر الدوحة حتى تشتعل النيران لتبدأ وساطتها. في اليمن، تحركت قطر باكراً، وكرست جهوداً دبلوماسية لمنع انزلاق البلاد إلى حرب واسعة. قاد الشيخ حمد وساطة لإعادة تفعيل اتفاق الدوحة بين الحكومة اليمنية والحوثيين.

هذه الاستباقية الدبلوماسية كانت سمة مميزة للسياسة الخارجية القطرية، لا تنتظر حتى تتفاقم الأزمات، بل تتحرك لمنعها قبل وقوعها.

فلسطين.. القضية المركزية

لم تكن القضية الفلسطينية مجرد موقف سياسي في عهد الشيخ حمد، بل كانت نهجاً متكاملاً جمع بين الكلمة والفعل. قال الشيخ حمد في خطابه الشهير أمام الفلسطنيين (إن وقوف أشقائكم العرب ليس معروفاً يسدى أو جميلاً. نحن في قطر كنا وسنكون من أول المبادرين).

الزيارة التاريخية الأولى1999م: في عام 1999م، سجل الشيخ حمد حضوره التاريخي في الأراضي الفلسطينية، حين استقبله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. كان الشيخ حمد أول زعيم خليجي يزور فلسطين منذ عام 1967م، جاءت الزيارة في مرحلة دقيقة شهدت تعثراً إسرائيلياً في تنفيذ التزامات اتفاقيات (واي بلانتيشن) الموقعة في أكتوبر 1998م، لتشكل زيارة سموه دعماً سياسياً ومعنوياً بارزاً للقيادة الفلسطينية.

كسر الحصار2012م: في 23 أكتوبر2012م، وصل الأمير الوالد إلى قطاع غزة برفقة الشيخة موزا بنت ناصر ووفد قطري رفيع المستوى، وسط استقبال رسمي وشعبي غير مسبوق. كان الشيخ حمد الزعيم العربي الوحيد الذي كسر الحصار المفروض على القطاع بزيارة رسمية تاريخية.

وصف الفلسطينيون الزيارة بأنها لحظة تاريخية فارقة كسرت العزلة السياسية والاقتصادية المفروضة على القطاع. ويومها قال الشيخ حمد في خطابه من الجامعة الإسلامية بغزة: (نحن هنا لنقول للعالم إن غزة ليست وحدها، وإن إرادة هذه الأمة أقوى من أي حصار).

حينها أعلنت قطر أن الهدف من الزيارة هو تدشين مشاريع إعمار في القطاع تزيد قيمتها عن 400 مليون دولار. وما أن أعلن الديوان الأميري وفاة الشيخ حمد، حتى امتلأت منصات التواصل الاجتماعي في غزة برسائل النعي والاستذكار.

المصالحة الفلسطينية: لم تقتصر جهود الشيخ حمد على الدعم السياسي والإنساني فقط، بل امتدت إلى رعاية المصالحة الفلسطينية بين حركتي حماس وفتح، في محاولة جادة لإنهاء الانقسام الفلسطيني.

الدبلوماسية الإنسانية

قال الشيخ حمد ذات يوم: (الدبلوماسية الإنسانية هي العنوان العريض للسياسة الخارجية القطرية الفاعلة. (لم تكن هذه الكلمات مجرد شعار، بل كانت فلسفة تحولت إلى مؤسسات ومشاريع غيرت حياة الملايين.

في عهد الشيخ حمد، انتقل العمل الخيري القطري من المبادرات التقليدية إلى منظومة مؤسسية متكاملة، تقوم على التشريع والحوكمة والاستدامة والشراكات الدولية.

صندوق قطر للتنمية 2002م: أنشئ ليكون الذراع الرسمي للدولة في تنفيذ المشاريع التنموية والإنسانية حول العالم، من بناء المدارس والجامعات إلى إنشاء المستشفيات ومشاريع المياه والطاقة، وإعادة إعمار المناطق المنكوبة.

الهيئة القطرية للأعمال الخيرية2004 م: صدر القانون رقم (13) بإنشائها، لتتولى تنظيم القطاع الخيري والإشراف عليه، ووضع الضوابط المتعلقة بجمع التبرعات وتحويل الأموال والرقابة على المشاريع الإنسانية.

المؤسسات الإنسانية: توسعت خلال تلك المرحلة المؤسسات الإنسانية الكبرى مثل قطر الخيرية التي تحولت إلى واحدة من أكبر المنظمات الإنسانية والتنموية في المنطقة، والهلال الأحمر القطري الذي عزز حضوره في الاستجابة للكوارث والطوارئ في عشرات الدول.

القوة الناعمة: الإعلام والرياضة والثقافة

أدرك الشيخ حمد مبكراً أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس بعدد الجنود أو حجم المساحة، بل بمدى تأثيرها في عقول وقلوب الناس.

الإعلام: كان تأسيس شبكة الجزيرة الإعلامية في عام 1996م نقلة نوعية في المشهد الإعلامي العربي والعالمي. أصبحت الجزيرة صوتاً حراً يصل إلى ملايين المشاهدين، ونافذة تطل منها قطر على العالم.

الرياضة: قاد الشيخ حمد ملف استضافة كأس العالم 2022م، ووضع الأسس التي مكنت قطر من تقديم نسخة استثنائية من البطولة. الرياضة ما كانت عند سمو الشيخ حمد استضافة بطولات، بل كانت أداة لبناء جسور مع الشعوب ونشر صورة إيجابية عن قطر والمنطقة.

الثقافة: من متاحف قطر إلى المكتبة الوطنية، ومن مهرجان الدوحة الثقافي إلى المبادرات الفنية المتعددة، استثمرت قطر في الثقافة كأداة للحوار والحضارة.

إرث عالمي

لم تقتصر إنجازات الشيخ حمد على الحدود العربية والإسلامية، لكنها امتدت إلى العالم أجمع. نال عشرات الأوسمة من دول عربية وأجنبية، تقديراً لجهوده في تقوية العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون.

في كل بقعة من العالم لعبت فيها قطر دوراً إنسانياً أو سياسياً، بقي اسم الشيخ حمد حاضراً في الذاكرة. من غزة إلى دارفور، ومن لبنان إلى اليمن، ومن الصومال إلى باكستان، ترك الشيخ حمد بصمة لا تُمحى في حياة الملايين.

خاتمة المقال الثاني

في ثمانية عشر عاماً، لم يبنِ سمو الشيخ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني دولة في الداخل فقط، بل بنى مكانة في الخارج لا تليق إلا بالدول الكبرى. أسس مدرسة في الوساطة ما زالت الدوحة تدرّسها للعالم، وجعل من قطر صوتاً للإنسانية في عالم تعصف به الحروب والنزاعات، وأطلق قوة ناعمة جعلت من اسم قطر علامة فارقة في الإعلام والرياضة والثقافة. وهذا قليل من كثير.

لكن القصة لم تنتهِ برحيله. فخريطة الطريق التي وضعها ما زالت تقود قطر، وقادتها من بعده، نحو آفاق أرحب.

(اللهم ارحم الأمير الوالد الشيخ حمد رحمة واسعة فقد أعطى فما أبقى)

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية