رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ويلومني العذال على مطلب العلا ويلومني من لا هواي هواه
وحنا كعبة المضيوم إلى ما وزابنا بخيره ولا نرضى بغير ارضاه
ولنا هضبة يأمن بها من نجيره على رغم من ضده ومن عاداه
بهذه الأبيات التي كتبها مؤسس قطر الحديثة، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني رحمه الله، رسم الشيخ جاسم هوية قطر كملجأ للمظلومين وموئل للمحتاجين. وفي العصر الحديث، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، هذا الميراث حين قال: (قطر ستبقى كعبة المضيوم كما أراد لها بانيها الأول. (لكن الذي حول هذه الكعبة من رمز شعري إلى واقع سياسي ودبلوماسي، هو الرجل الذي قاد قطر إلى صدارة المشهد الدولي.
(ليس عيباً أن تكون صغيراً، العيب أن تظل صغيراً).
بهذه الفلسفة التي تجاوزت حدود الجغرافيا والديموغرافيا، قاد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قطر في رحلة تحولت خلالها من دولة تبحث عن موقعها إلى لاعب لا يمكن تجاهله في أي معادلة إقليمية. في المقال الأول من هذه السلسلة، استعرضنا التحول الداخلي المتمثل في الدستور، الرؤية الوطنية، التعليم، والاقتصاد. هنا نروي قصة الإنجاز الأكبر، كيف بنى رجل واحد لبلاده مكانة في الخارج لا تليق إلا بالدول الكبرى.
المدرسة القطرية في الوساطة
لم يولد الدور القطري في الوساطة الدولية من فراغ، ولم يكن نتيجة صدفة أو ظرف مؤقت. كان ثمرة رؤية متكاملة أعادت صياغة مكانة الدولة في النظامين الإقليمي والدولي. منذ تولي الشيخ حمد مقاليد الحكم عام 1995م، شرعت الدوحة في تنفيذ سياسة خارجية تقوم على توسيع هامش الحركة، وتجاوز القيود التقليدية التي كانت تحكم أدوار الدول الخليجية الصغيرة.
أدركت القيادة القطرية مبكراً أن الشرق الأوسط يعيش حالة من التشظي السياسي والصراعات الممتدة، وأن القوى الكبرى باتت بحاجة إلى أطراف قادرة على التواصل مع جميع اللاعبين، بمن فيهم الخصوم الذين يصعب التواصل معهم بصورة مباشرة. ومن هنا تبنت الدوحة سياسة تقوم على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع أطراف متعارضة مثلا شراكات استراتيجية مع واشنطن، وقنوات اتصال مع حركات وقوى سياسية تختلف معها.
هذه القدرة على الجمع بين المتناقضات أصبحت لاحقاً جوهر القوة الناعمة القطرية. فالوسيط الناجح لا يحتاج إلى فرض الحلول بقدر حاجته إلى امتلاك ثقة الأطراف المتنازعة. وهي معادلة عملت الدوحة على بنائها تدريجياً عبر الالتزام بالحوار وتوفير بيئة تفاوضية محايدة نسبياً. وصدق الشيخ حمد حين قال في هذا السياق: (إن الوساطة ليست تدخلاً في شؤون الآخرين، بل هي واجب أخلاقي وإنساني، وهي سبيلنا للمساهمة في استقرار منطقتنا).
لبنان.. اتفاق الدوحة2008 م
في مايو2008 م، كان لبنان على شفا حرب أهلية. اشتباكات مسلحة في بيروت، وشلل سياسي تام استمر ثمانية عشر شهراً، وتهديد بانفجار الطائفية. في هذا المشهد المظلم، تحركت الدوحة.
جمعت قطر الأطراف اللبنانية المتصارعة في مؤتمر حوار وطني استثنائي. وبعد أيام من المفاوضات المضنية، تم التوقيع على (اتفاق الدوحة) في 21 مايو 2008م الذي أنهى الأزمة المتفجرة، وانتخب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وشُكلت حكومة وحدة وطنية.
لا يمكن فهم اتفاق الدوحة نجاحا دبلوماسيا عابرا، بل كان إعلان ميلاد مدرسة قطرية في الوساطة، أثبتت أن دولة صغيرة يمكنها أن تفعل ما تعجز عنه دول كبرى، عندما تمتلك الإرادة والحياد والقدرة على استيعاب الجميع. قال الشيخ حمد في كلمته آنذاك: (إن نجاح هذا الاتفاق هو نجاح للعرب جميعاً، وهو دليل على أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل خلافاتنا).
السودان (دارفور).. ثلاثون شهراً من المفاوضات
بعد النجاح اللبناني، اتجهت الدبلوماسية القطرية نحو السودان، حيث احتضنت الدوحة مفاوضات طويلة بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة في دارفور.
استمرت المفاوضات ثلاثين شهراً، في واحدة من أطول وأعقد جولات الوساطة في التاريخ الحديث. انطلقت الوساطة رسمياً عام 2008م بتفويض من جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، واعتمدت على ثلاثة مرتكزات رئيسية، الحياد الإيجابي، والشمولية بإشراك المجتمع المدني والنازحين، والربط بين الأمن والتنمية.
لم تكلّ الدوحة، ولم تملّ، ولم تيأس. قدمت قطر نفسها كمنصة للحوار، وكرست وقتها وجهدها ومواردها لإنجاح هذا المسعى. تُوِّجت الجهود بتوقيع وثيقة الدوحة لسلام دارفور في يوليو 2011م، بحضور الرئيس السوداني السابق عمر البشير وقادة الحركات المسلحة. وتضمنت الوثيقة محاور للسلطة وتقاسم الثروة والتعويضات والعدالة الانتقالية.
فقال الشيخ حمد في إحدى جلسات التفاوض: (نحن في قطر لا نبحث عن مكاسب سياسية من وساطتنا، بل نبحث عن سلام يعيد الأمن والاستقرار إلى أشقائنا في السودان).
اليمن.. وساطة استباقية
لم تنتظر الدوحة حتى تشتعل النيران لتبدأ وساطتها. في اليمن، تحركت قطر باكراً، وكرست جهوداً دبلوماسية لمنع انزلاق البلاد إلى حرب واسعة. قاد الشيخ حمد وساطة لإعادة تفعيل اتفاق الدوحة بين الحكومة اليمنية والحوثيين.
هذه الاستباقية الدبلوماسية كانت سمة مميزة للسياسة الخارجية القطرية، لا تنتظر حتى تتفاقم الأزمات، بل تتحرك لمنعها قبل وقوعها.
فلسطين.. القضية المركزية
لم تكن القضية الفلسطينية مجرد موقف سياسي في عهد الشيخ حمد، بل كانت نهجاً متكاملاً جمع بين الكلمة والفعل. قال الشيخ حمد في خطابه الشهير أمام الفلسطنيين (إن وقوف أشقائكم العرب ليس معروفاً يسدى أو جميلاً. نحن في قطر كنا وسنكون من أول المبادرين).
الزيارة التاريخية الأولى1999م: في عام 1999م، سجل الشيخ حمد حضوره التاريخي في الأراضي الفلسطينية، حين استقبله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. كان الشيخ حمد أول زعيم خليجي يزور فلسطين منذ عام 1967م، جاءت الزيارة في مرحلة دقيقة شهدت تعثراً إسرائيلياً في تنفيذ التزامات اتفاقيات (واي بلانتيشن) الموقعة في أكتوبر 1998م، لتشكل زيارة سموه دعماً سياسياً ومعنوياً بارزاً للقيادة الفلسطينية.
كسر الحصار2012م: في 23 أكتوبر2012م، وصل الأمير الوالد إلى قطاع غزة برفقة الشيخة موزا بنت ناصر ووفد قطري رفيع المستوى، وسط استقبال رسمي وشعبي غير مسبوق. كان الشيخ حمد الزعيم العربي الوحيد الذي كسر الحصار المفروض على القطاع بزيارة رسمية تاريخية.
وصف الفلسطينيون الزيارة بأنها لحظة تاريخية فارقة كسرت العزلة السياسية والاقتصادية المفروضة على القطاع. ويومها قال الشيخ حمد في خطابه من الجامعة الإسلامية بغزة: (نحن هنا لنقول للعالم إن غزة ليست وحدها، وإن إرادة هذه الأمة أقوى من أي حصار).
حينها أعلنت قطر أن الهدف من الزيارة هو تدشين مشاريع إعمار في القطاع تزيد قيمتها عن 400 مليون دولار. وما أن أعلن الديوان الأميري وفاة الشيخ حمد، حتى امتلأت منصات التواصل الاجتماعي في غزة برسائل النعي والاستذكار.
المصالحة الفلسطينية: لم تقتصر جهود الشيخ حمد على الدعم السياسي والإنساني فقط، بل امتدت إلى رعاية المصالحة الفلسطينية بين حركتي حماس وفتح، في محاولة جادة لإنهاء الانقسام الفلسطيني.
الدبلوماسية الإنسانية
قال الشيخ حمد ذات يوم: (الدبلوماسية الإنسانية هي العنوان العريض للسياسة الخارجية القطرية الفاعلة. (لم تكن هذه الكلمات مجرد شعار، بل كانت فلسفة تحولت إلى مؤسسات ومشاريع غيرت حياة الملايين.
في عهد الشيخ حمد، انتقل العمل الخيري القطري من المبادرات التقليدية إلى منظومة مؤسسية متكاملة، تقوم على التشريع والحوكمة والاستدامة والشراكات الدولية.
صندوق قطر للتنمية 2002م: أنشئ ليكون الذراع الرسمي للدولة في تنفيذ المشاريع التنموية والإنسانية حول العالم، من بناء المدارس والجامعات إلى إنشاء المستشفيات ومشاريع المياه والطاقة، وإعادة إعمار المناطق المنكوبة.
الهيئة القطرية للأعمال الخيرية2004 م: صدر القانون رقم (13) بإنشائها، لتتولى تنظيم القطاع الخيري والإشراف عليه، ووضع الضوابط المتعلقة بجمع التبرعات وتحويل الأموال والرقابة على المشاريع الإنسانية.
المؤسسات الإنسانية: توسعت خلال تلك المرحلة المؤسسات الإنسانية الكبرى مثل قطر الخيرية التي تحولت إلى واحدة من أكبر المنظمات الإنسانية والتنموية في المنطقة، والهلال الأحمر القطري الذي عزز حضوره في الاستجابة للكوارث والطوارئ في عشرات الدول.
القوة الناعمة: الإعلام والرياضة والثقافة
أدرك الشيخ حمد مبكراً أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس بعدد الجنود أو حجم المساحة، بل بمدى تأثيرها في عقول وقلوب الناس.
الإعلام: كان تأسيس شبكة الجزيرة الإعلامية في عام 1996م نقلة نوعية في المشهد الإعلامي العربي والعالمي. أصبحت الجزيرة صوتاً حراً يصل إلى ملايين المشاهدين، ونافذة تطل منها قطر على العالم.
الرياضة: قاد الشيخ حمد ملف استضافة كأس العالم 2022م، ووضع الأسس التي مكنت قطر من تقديم نسخة استثنائية من البطولة. الرياضة ما كانت عند سمو الشيخ حمد استضافة بطولات، بل كانت أداة لبناء جسور مع الشعوب ونشر صورة إيجابية عن قطر والمنطقة.
الثقافة: من متاحف قطر إلى المكتبة الوطنية، ومن مهرجان الدوحة الثقافي إلى المبادرات الفنية المتعددة، استثمرت قطر في الثقافة كأداة للحوار والحضارة.
إرث عالمي
لم تقتصر إنجازات الشيخ حمد على الحدود العربية والإسلامية، لكنها امتدت إلى العالم أجمع. نال عشرات الأوسمة من دول عربية وأجنبية، تقديراً لجهوده في تقوية العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون.
في كل بقعة من العالم لعبت فيها قطر دوراً إنسانياً أو سياسياً، بقي اسم الشيخ حمد حاضراً في الذاكرة. من غزة إلى دارفور، ومن لبنان إلى اليمن، ومن الصومال إلى باكستان، ترك الشيخ حمد بصمة لا تُمحى في حياة الملايين.
خاتمة المقال الثاني
في ثمانية عشر عاماً، لم يبنِ سمو الشيخ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني دولة في الداخل فقط، بل بنى مكانة في الخارج لا تليق إلا بالدول الكبرى. أسس مدرسة في الوساطة ما زالت الدوحة تدرّسها للعالم، وجعل من قطر صوتاً للإنسانية في عالم تعصف به الحروب والنزاعات، وأطلق قوة ناعمة جعلت من اسم قطر علامة فارقة في الإعلام والرياضة والثقافة. وهذا قليل من كثير.
لكن القصة لم تنتهِ برحيله. فخريطة الطريق التي وضعها ما زالت تقود قطر، وقادتها من بعده، نحو آفاق أرحب.
(اللهم ارحم الأمير الوالد الشيخ حمد رحمة واسعة فقد أعطى فما أبقى)
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
13842
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
4986
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3258
| 16 أغسطس 2026