رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. محمد مظهر شاهين

مساحة إعلانية

مقالات

198

د. محمد مظهر شاهين

استهداف دول المنطقة... ضربة للسلام والاستقرار الإقليمي

19 يوليو 2026 , 11:12م

إنّ الهجمات التي طالت عددًا من دول المنطقة خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها الهجوم الذي استهدف دولة قطر، لا تمثل مجرد تطورات عسكرية متفرقة، بل تعكس تصعيدًا خطيرًا يهدد أمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط بأسره. فهذه الأحداث لا تقتصر آثارها على الدول المستهدفة، وإنما تمتد لتقوض جهود الوساطة والحوار، وتزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراع في منطقة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التهدئة لا إلى المواجهة.

لقد لعبت دولة قطر خلال السنوات الماضية دورًا بارزًا في الوساطة الإقليمية، وسعت إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين مختلف الأطراف، وأسهمت في تقريب وجهات النظر في العديد من الملفات المعقدة. كما انتهجت سياسة تقوم على التواصل والدبلوماسية، إدراكًا منها بأن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحوار والتفاهم. ومن هذا المنطلق، فإن استهدافها لا ينعكس على أمنها الوطني فحسب، بل يوجه ضربة أيضًا لفكرة الوساطة وللجهود الرامية إلى تجنيب المنطقة مزيدًا من الحروب.

ولا تقتصر التداعيات على قطر وحدها، فالمملكة العربية السعودية تعرضت في السنوات الماضية لهجمات استهدفت منشآت حيوية، كما واجهت سلطنة عُمان تحديات أمنية مرتبطة بتداعيات الأزمات الإقليمية رغم تمسكها بسياسة الحياد والحوار. كذلك فإن أي تهديد يطول الكويت أو البحرين أو الأردن، أو يضع هذه الدول في دائرة المواجهة، يهدد الاستقرار الجماعي ويزيد من هشاشة البيئة الأمنية في المنطقة.

وفي المقابل، فإن الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران، وما تبعها من ردود عسكرية متبادلة، لم تسهم في تهدئة الأوضاع، بل أدت إلى رفع مستوى التوتر وزيادة احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع. كما أن أي هجمات تستهدف دولًا مثل الكويت أو البحرين أو الأردن، أو تعرض أمنها للخطر، تمثل خطوة خاطئة لا تخدم سوى تعقيد الأزمة وتوسيع نطاقها.

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن منطق القوة العسكرية والردود المتبادلة لا يصنع سلامًا دائمًا، بل يفاقم الأزمات ويزيد من معاناة الشعوب. فالمدنيون هم أول من يدفع ثمن الحروب، كما تتضرر الاقتصادات، وتتراجع الاستثمارات، وتتأثر حركة التجارة والملاحة، وتصبح المنطقة بأسرها رهينة لحالة مستمرة من عدم اليقين.

ويرى كثير من المحللين أن استمرار الصراعات الإقليمية واستنزاف دول المنطقة يصب في مصلحة إسرائيل من الناحية الاستراتيجية، إذ يضعف فرص بناء موقف إقليمي أكثر تماسكًا، ويحول الأنظار عن قضايا أخرى تشكل محورًا دائمًا للتوتر في الشرق الأوسط. وفي المقابل، فإن الدول العربية والإسلامية هي التي تتحمل الكلفة الأكبر سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وإنسانيًا.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف لتغليب لغة العقل والدبلوماسية على منطق التصعيد. فاستهداف أي دولة في المنطقة، أياً كان الفاعل، يمثل انتهاكًا لسيادتها ويقوض الثقة اللازمة لإنجاح أي مسار تفاوضي. كما أن استمرار الضربات المتبادلة لن يحقق أمنًا مستدامًا لأي طرف، بل سيؤدي إلى توسيع دائرة الخسائر وتهديد مستقبل المنطقة بأكملها.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الصواريخ، بل إلى مزيد من المبادرات الدبلوماسية، ولا يحتاج إلى فتح جبهات جديدة، بل إلى حماية جهود الوساطة وتعزيز التعاون الإقليمي. فاستقرار قطر والسعودية وعُمان والكويت والبحرين والأردن، إلى جانب استقرار جميع دول المنطقة، يمثل مصلحة مشتركة لا يمكن التفريط بها. ولن يكون السلام ممكنًا إلا باحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، وإعطاء الأولوية للحوار على حساب المواجهة، لأن السلام والاستقرار هما الرابح الحقيقي الوحيد في هذه المنطقة.

مساحة إعلانية