رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

489

وجيدة القحطاني

ورحل الأمير الوالد صانع مجد قطر

13 يوليو 2026 , 02:00ص

برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقدت دولة قطر والأمة العربية واحدًا من أبرز القادة الذين صنعوا تاريخًا استثنائيًا، وأسهموا في تغيير ملامح المنطقة عبر مشروع تنموي متكامل ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، نقلت دولة قطر إلى مصاف الدول الأكثر تأثيرًا على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية والدبلوماسية.

لقد ارتبط اسم الأمير الوالد بمرحلة التحول الكبرى في تاريخ قطر الحديث، إذ قاد منذ عام 1995 مشروعًا وطنيًا طموحًا استند إلى الاستثمار في الإنسان، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز مكانة الدولة على الساحة الدولية، حتى أصبحت قطر نموذجًا في التنمية الشاملة والدولة الحديثة.

وشهدت البلاد في عهده نهضة اقتصادية غير مسبوقة، مدعومة بالتوسع في استثمار احتياطيات الغاز الطبيعي، لتصبح قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، كما حققت أعلى معدلات دخل الفرد عالميًا، وأقامت بنية تحتية متطورة ومرافق حديثة جعلتها من أكثر دول العالم تقدمًا في مؤشرات التنمية وجودة الحياة.

وفي مجال التعليم، آمن الأمير الوالد بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية لبناء الأوطان، فأنشأ المدينة التعليمية التي أصبحت مركزًا عالميًا يحتضن أعرق الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، إلى جانب تطوير منظومتي التعليم والصحة، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، بما أسهم في إعداد أجيال قادرة على المنافسة عالميًا.

كما شهدت قطر في عهده طفرة كبيرة في البنية التحتية، شملت الطرق والموانئ والمطارات وشبكات النقل الحديثة، إلى جانب تطوير القطاعات الاقتصادية والسياحية والاستثمارية، الأمر الذي جعلها مركزًا ماليًا واقتصاديًا مهمًا في المنطقة.

وعلى الصعيد السياسي، انتهج الأمير الوالد سياسة خارجية متوازنة جعلت من قطر لاعبًا فاعلًا في معالجة الأزمات الإقليمية والدولية، ورسخت مكانتها كوسيط موثوق يسعى إلى الحوار والسلام. وكان له الفضل في حل العديد من الخلافات في المنطقة، من أبرزها إنهاء الأزمة اللبنانية في مايو 2008، عندما استضافت الدوحة حوار الفرقاء اللبنانيين الذي انتهى بالتوقيع على "اتفاق الدوحة"، والذي أنهى حالة الانقسام السياسي في لبنان آنذاك

وفي المجال الإعلامي، دعم إنشاء شبكة الجزيرة، التي تحولت إلى واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية في العالم، وأسهمت في تعزيز الحضور الإعلامي العربي على الساحة الدولية.

أما في المجال الرياضي، فقد وضع الأساس للمكانة الرياضية العالمية التي وصلت إليها قطر، من خلال الاستثمار في المنشآت الرياضية واستضافة البطولات الكبرى، وهو النهج الذي تُوج لاحقًا باستضافة دولة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تستضيف هذا الحدث العالمي.

كما امتدت بصماته إلى العمل الإنساني، حيث دعمت قطر خلال عهده العديد من المبادرات التنموية والإغاثية في مختلف أنحاء العالم، ورسخت مكانتها كدولة داعمة للسلام والتنمية والعمل الإنساني.

ومن أبرز إنجازاته أيضًا تطوير مؤسسات الدولة، وإقرار الدستور الدائم لدولة قطر، وتعزيز دور المرأة في الحياة العامة، والاهتمام بالشباب، ووضع الأسس التي انطلقت منها رؤية قطر الوطنية 2030، والتي أصبحت خارطة الطريق لمسيرة التنمية المستدامة.

ولعل من أعظم ما ميّز الأمير الوالد، وسجله التاريخ بأحرف من نور، أنه قدم نموذجًا نادرًا في القيادة السياسية عندما اتخذ في عام 2013 قرارًا تاريخيًا بالتنازل طواعية عن السلطة لنجله حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة غير مسبوقة في المنطقة العربية آنذاك. فقد آمن بأن تداول المسؤولية وتجديد الدماء في القيادة يمثلان ضمانة لاستمرار مسيرة التنمية، مؤكدًا أن القيادة الحقيقية لا تتمثل في التمسك بالسلطة، وإنما في القدرة على تسليم الأمانة في الوقت المناسب، بما يحقق مصلحة الوطن واستقرار مؤسساته واستمرار نهضته. وقد جسدت هذه الخطوة قمة الحكمة السياسية والنضج القيادي، ونالت احترام وتقدير العالم بأسره.

لقد أثبت الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن القيادة ليست مجرد إدارة لشؤون الدولة، بل هي رؤية للمستقبل وإرادة للتغيير وقدرة على صناعة الإنجازات. فقد استطاع خلال سنوات قليلة أن يحول قطر إلى دولة ذات حضور عالمي مؤثر، وأن يجعلها نموذجًا في التنمية والدبلوماسية والاستثمار والتعليم والعمل الإنساني.

وبرحيله، لا تفقد دولة قطر قائدًا تاريخيًا فحسب، بل تفقد الأمة العربية أحد رجالاتها الذين آمنوا بالحوار والتنمية والعمل المشترك، وتركوا إرثًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال.

وإذ نتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى الشعب القطري الشقيق، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، فإننا نستذكر بكل التقدير والاعتزاز مسيرة قائد استثنائي كرّس حياته لخدمة وطنه وأمته، وأسهم في بناء دولة حديثة أصبحت واحدة من أبرز قصص النجاح في العالم العربي.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وأمته، وألهم دولة قطر وشعبها الكريم الصبر والسلوان، وأبقى إرثه شاهدًا على مرحلة تاريخية صنعت نهضة وطن ورسخت مكانته بين الأمم.

مساحة إعلانية