رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- التشريعات في عهد الأمير الوالد رسخت العمل الخيري في قطر
- حوَّل العمل الخيري من مبادرات فردية إلى منظومة مؤسسية
- المؤسسات القطرية تنفذ مشاريعها الإنسانية في أكثر من 90 دولة حول العالم
- هيئة تنظيم الأعمال الخيرية شكلت إطارا قانونيا رائدا
إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراق صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لمحزونون. فقد رحلت شخصية عظيمة تركت بصمات راسخة من الخير والعطاء والمحبة في نفوس أبناء قطر، وفي قلوب الملايين حول العالم. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.
لقد اضطلع صاحب السمو الأمير الوالد، رحمه الله، بدور محوري في ترسيخ مكانة دولة قطر كواحدة من أبرز الدول الفاعلة في مجال العمل الإنساني والخيري على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك من خلال دعمه المتواصل للمؤسسات الإنسانية والخيرية، وإنشاء العديد منها في عهده، وتطوير آليات عملها، حتى أصبحت نموذجًا يحتذى به في مجالات الإغاثة والتنمية والعمل التطوعي.
وضع التشريعات للعمل الخيري
كما شهد عهده صدور عدد من التشريعات التي مكّنت مؤسسات العمل الإنساني من الانطلاق إلى آفاق أوسع، وأسهمت في وصول مساعداتها إلى المحتاجين في مختلف أنحاء العالم، بما خفف من معاناة الفقراء والمتضررين من الحروب والكوارث والأزمات الإنسانية. وقد تبنى، رحمه الله، رؤية إنسانية قائمة على التنمية المستدامة وبناء الإنسان، وليس الاكتفاء بالمساعدات الآنية، فكانت توجيهاته أساسًا لتنفيذ عشرات المشروعات الإنسانية والتنموية في مختلف القارات.
وكان، رحمه الله، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، لا يبتغي من ذلك إلا وجه الله تعالى، فأسس نهجًا جديدًا للعمل الخيري والإنساني في دولة قطر، وشهد عهده إنشاء وتطوير عدد من أبرز المؤسسات الإنسانية، فتوسع عمل قطر الخيرية، وأنشأت مؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية «راف» التي تواصل اليوم مسيرتها باسم «ثاني الإنسانية»، ومؤسسة الشيخ عيد الخيرية، إضافة إلى مؤسسة «صلتك»، و»التعليم فوق الجميع»، ومؤسسة أيادي الخير نحو آسيا «روتا»، وغيرها من المؤسسات التي اتسع نشاطها ليشمل عشرات الدول، حتى بلغ العمل الإنساني القطري آفاقًا عالمية.
ترسيخ مفهوم العمل الخيري
ومن أبرز إنجازات صاحب السمو الأمير الوالد «رحمه الله» في هذا المجال ترسيخ مفهوم العمل الخيري المؤسسي، حتى أصبحت المؤسسات القطرية تنفذ مشاريعها الإنسانية في أكثر من 90 دولة حول العالم، كما أولى اهتمامًا كبيرًا بتطوير الإطار القانوني المنظم للعمل الخيري، فأنشئت هيئة تنظيم الأعمال الخيرية لتكون الجهة المختصة بالإشراف على القطاع، وتنظيمه، وتعزيز الشفافية والحوكمة فيه، ومراقبة جمع التبرعات وتحويلها، والإشراف على الجمعيات والمؤسسات الخيرية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وفق أعلى المعايير.
وكان، رحمه الله، يدير الدولة بروح الأب الحريص على أبنائه، ويحث أبناء الوطن على فعل الخير، ويشجع المبادرات الإنسانية والتطوعية، وهو ما أسهم في توسع المؤسسات الخيرية القطرية لتصبح من أبرز المؤسسات الإنسانية في المنطقة والعالم.
توسع العمل الخيري
وشهدت المؤسسات الإنسانية القطرية خلال عهد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، توسعًا غير مسبوق في حجم أعمالها وانتشارها، حتى أصبحت من أبرز الجهات العاملة في المجال الإنساني والتنموي على المستويين الإقليمي والدولي.
فقد واصلت قطر الخيرية مسيرتها في تنفيذ المشاريع الإنسانية والتنموية داخل دولة قطر وخارجها، وتطورت لتصبح واحدة من أكبر المنظمات الإنسانية في المنطقة، ونفذت آلاف المشاريع في مجالات الإغاثة، والتعليم، والصحة، والمياه والإصحاح، والتنمية المستدامة، وكفالة الأيتام، والأمن الغذائي، وتمكين الأسر، بما أسهم في تحسين حياة ملايين المستفيدين حول العالم.
عزز جهود الهلال الأحمر
كما شهدت جمعية الهلال الأحمر القطري تطورًا كبيرًا خلال تلك المرحلة، وعززت حضورها في مجالات الإغاثة الإنسانية والرعاية الصحية والاستجابة للكوارث والأزمات، ولم تتوقف مسيرة العطاء عند ذلك، بل شهد عهد الأمير الوالد دعمًا متواصلًا لقيام مؤسسات خيرية وإنسانية عديدة، كان لها أثر ملموس داخل دولة قطر وخارجها، إضافة إلى العديد من المؤسسات والمبادرات الإنسانية التي عملت في مجالات التنمية والإغاثة والرعاية الاجتماعية.
وشهد العمل الخيري والإنساني في دولة قطر خلال الفترة الممتدة من عام 1995 حتى عام 2013 نقلة نوعية، إذ انتقل من جهود خيرية متفرقة إلى منظومة مؤسسية متكاملة ذات حضور إقليمي ودولي، وأسهمت في ترسيخ مكانة دولة قطر كإحدى أبرز الدول الداعمة للعمل الإنساني والتنموي، سواء في العالم العربي أو على المستوى الدولي.
ومن أبرز الإنجازات التي تحققت خلال تلك المرحلة ترسيخ العمل الخيري المؤسسي، ودعم إنشاء وتطوير المؤسسات الإنسانية الكبرى، ووضع الأطر القانونية والتنظيمية التي عززت الشفافية والحوكمة في القطاع الخيري، إلى جانب توسيع نطاق العمل الإنساني ليشمل الإغاثة العاجلة، والتنمية المستدامة، وبناء القدرات، وتمكين المجتمعات المحلية.
المشاريع في عشرات الدول
كما توسع الحضور الإنساني القطري عالميًا، وأصبحت المؤسسات القطرية تنفذ مشاريعها في عشرات الدول، فيما واصلت دولة قطر دعم المبادرات الإنسانية والتنموية التي تستهدف تحسين حياة المجتمعات المتضررة، وترسيخ قيم التضامن والتكافل الإنساني، وهو النهج الذي وضع أسسه الأمير الوالد، رحمه الله، وجعل من العمل الإنساني أحد أبرز ملامح السياسة القطرية في عهده.
ومن أبرز المحطات التي عززت الدور الإنساني لدولة قطر خلال عهد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، إنشاء صندوق قطر للتنمية عام 2002، ليكون الذراع التنموي الرسمي للدولة في دعم المشاريع الإنسانية والتنموية حول العالم. وأسهم الصندوق في تمويل وتنفيذ مشاريع في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والتنمية المستدامة، إضافة إلى الاستجابة للكوارث والأزمات الإنسانية في مختلف القارات.
ومن الإنجازات المهمة التي تحققت خلال تلك المرحلة، تعزيز الشراكات مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية، حيث أصبحت دولة قطر شريكًا رئيسيًا للعديد من الوكالات الدولية، وازدادت مساهماتها في تمويل برامج الإغاثة والتنمية، كما توسعت الشراكات مع المنظمات الدولية لتنفيذ المشاريع الإنسانية والاستجابة للأزمات والكوارث في مختلف أنحاء العالم.
ولم يقتصر العمل الإنساني في عهد الأمير الوالد على تقديم المساعدات والإغاثة العاجلة، بل ارتكز على مفهوم التنمية المستدامة وبناء الإنسان، من خلال إنشاء المدارس، والمستشفيات، والمراكز الصحية، وتنفيذ مشاريع المياه والإصحاح، والإسكان الاجتماعي، والتدريب المهني، وتمكين الأسر المنتجة، بما يسهم في تحسين مستوى المعيشة وتحقيق التنمية طويلة الأمد.
نشر ثقافة العمل التطوعي
كما أولى، رحمه الله، اهتمامًا كبيرًا بنشر ثقافة العمل التطوعي، فشهدت المؤسسات الخيرية توسعًا في برامج التطوع، وازداد إقبال الشباب القطري على المشاركة في الحملات الإنسانية داخل الدولة وخارجها، كما جرى تأهيل كوادر وطنية متخصصة في العمل الإنساني والإغاثي، بما أسهم في بناء خبرات قطرية متميزة في هذا المجال. وإلى جانب ذلك، شهد القطاع الخيري تطويرًا مستمرًا في بيئته التشريعية والتنظيمية، وتعزيز الرقابة والشفافية، ورفع كفاءة إدارة المشاريع الإنسانية، وهو ما أسهم في ترسيخ الثقة بالمؤسسات الخيرية القطرية، وتعزيز مكانة دولة قطر كإحدى أبرز الدول الداعمة للعمل الإنساني على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد رسّخ صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، نهجًا إنسانيًا متكاملًا، جعل من العمل الخيري والإنساني أحد المرتكزات الأساسية لمسيرة التنمية في دولة قطر، ومنح المؤسسات الوطنية القدرة على الوصول إلى مختلف أنحاء العالم، لتقديم الدعم والمساندة للمحتاجين والمتضررين دون تمييز، انطلاقًا من المبادئ الإسلامية والإنسانية التي آمن بها، والقيم الأصيلة التي حرص على ترسيخها في المجتمع.
بناء شراكات دولية فاعلة
ولم تقتصر هذه المسيرة على تقديم المساعدات الإنسانية، بل امتدت إلى بناء شراكات دولية فاعلة، وتعزيز التنمية المستدامة، ودعم التعليم والرعاية الصحية، وتمكين المجتمعات، بما جعل دولة قطر نموذجًا عالميًا في الجمع بين العمل الإغاثي والعمل التنموي، ورسخ مكانتها كإحدى أبرز الدول المانحة في مجال العمل الإنساني.
واستمرت هذه المسيرة المباركة في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، الذي واصل دعم العمل الإنساني والخيري، وتعزيز حضور دولة قطر في مختلف المبادرات الإنسانية والتنموية، بما يجسد استمرارية النهج الذي أرساه الأمير الوالد، ويؤكد أن العمل الإنساني سيظل أحد الثوابت الراسخة في سياسة دولة قطر ورسالتها تجاه الإنسانية.
مؤسسة حمد رافد جديد
وفي عام 2024، جاء إنشاء مؤسسة حمد بن خليفة الخيرية ليشكل امتدادًا طبيعيًا لهذا الإرث الإنساني، حيث أُسست كمؤسسة خاصة ذات نفع عام تُعنى بتحسين مستوى معيشة المحتاجين، وتقديم الدعم في مجالات التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية داخل دولة قطر وخارجها، بما يعكس استمرار رسالة العطاء التي ارتبطت باسم الأمير الوالد، رحمه الله.
وسيظل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرًا في ذاكرة الوطن، ليس بما حققه من إنجازات سياسية واقتصادية وتنموية فحسب، بل أيضًا بما غرسه من قيم العطاء والتكافل والرحمة، وبما تركه من إرث إنساني سيبقى مصدر إلهام للأجيال القادمة، وشاهدًا على مرحلة تاريخية رسخت مكانة دولة قطر بين الدول الرائدة في ميادين الخير والعمل الإنساني.
رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وأمته والإنسانية جمعاء، وألهم أسرته الكريمة والشعب القطري الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
قبل أن تصدقوا أن العدوان انتهى
1000 يوم، بل وتجاوزناها منذ أن سُمي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حربا ونحن نعلم بأن الحرب يجب... اقرأ المزيد
111
| 28 يوليو 2026
من يدفع ثمن الحرب.. ومن يقبض عائدها؟
بعد قرابة خمسة أشهر على اندلاع الحرب على إيران، ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: الطرف الذي شارك في... اقرأ المزيد
177
| 28 يوليو 2026
المرء نِتاج خلواته !
ما أجدى بذي اللُب أن يتعهّد رياض نفسه بالعناية والاهتمام، في زمنٍ تسارعت فيه الأنفاس وتزاحمت الملهيات، وأن... اقرأ المزيد
252
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• الرئيس التنفيذي لمؤسسة ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية «ثاني الإنسانية»
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1494
| 26 يوليو 2026
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
1431
| 27 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
765
| 23 يوليو 2026