رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- دمــوع فـــي وداع الأمـير الوالـد
- «أبو مشعل».. أشعل مشاعل التنوير في قطر
- عهده امتاز بالإصلاحات في جميع المجالات
- كرس حياته لخدمة قطر ورفاهية الشعب القطري
- هو صانع الشخصية الوطنية المستقلة.. التي لا تموت
- ستظل ألستنا تلهج بالدعاء لفقيدنا الكبير
يصعب علينا جميعا رثاء «الأمير الوالد»، دون أن نذرف الدموع، لا سيما بالنسبة لي، ولأبناء جيلي، الذين شهدوا مسيرته، ويشهدون على سيرته.
وما من شك، في أن فقيد الوطن الكبير، لم يكن أميراً لنا ولدولتنا، فحسب، بل كان معلماً وموجهاً ومشجعاً، وسيداً، وزعيماً، وقائداً، ورمزاً وطنياً، يمثل مكانة رفيعة، ومرموقة في قلوبنا جميعاً، التي انفطرت حزناً على رحيله، وانشطرت كمداً على فقدانه.
لقد غيّب الموت، حكيمنا وحاكمنا، وسندنا وعضدنا، وملهمنا، وصانع مجدنا، صاحب الرؤية الثاقبة، والمواقف الواضحة، والوقفات الشجاعة، التي لا تعرف المستحيل.
ذلك الأمير الراحل الكبير، صاحب السمو، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي لم تكن هناك حدود، لأفكاره الطموحة، أو قيود لمواقفه الوطنية، لتحقيق الأفضل لوطنه، والأكمل لمحيطه، والأجمل لشعبه القطري.
لقد رحل «الأمير الوالد»، الذي جاء إلى الحكم، بفكر نهضوي شامل، أرسى خلاله قواعد النهضة، والنهوض في ربوع الوطن، فكانت التجربة القطرية، مميزة في طبعها، فريدة في نوعها، في الحكم والحكمة، التي نفاخر بها بين الأمم.
ولكل هذه الحنكة السياسية، أكتب تعبيراً عن المكانة الكبرى، التي يمثلها هذا القائد العظيم، في قلبي، ويمثلها في عقلي، ويشكلها في كياني، ويسطرها في وجداني، ووجدان كل مواطن قطري.
أكتب عن الوالد القائد، والزعيم الخالد، الذي كان طوال سنوات حكمه، يحرص كل الحرص، على مجد قطر، ورفعة شأنها، وترسيخ مكانها، بين الأمم، وسمو هيبتها بين الدول، بكل ما وهبه الله، من عزيمة قوية، وإخلاص دقيق، وإحساس وطني عميق بالمسؤولية، تجاه الوطن والمواطن.
أكتب عن المعلم الحكيم، الوالد الكريم، القائد الرحيم، الذي قدم خلال سنوات حياته، لوطنه وأمته، ما يجعله زعيماً عصياً على النسيان، أو النكران.
وعندما أكتب عن هذا الإنسان، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإنني أكتب عن صاحب الشخصية القطرية المستقلة، الجامعة، التي جمعتنا جميعاً، تحت نسيج «بشتها» الفخم.
وتحت مظلة ذلك «البشت» القطري، يشرفني الكتابة، عن القائد الزعيم، الذي ساهم بشخصيته الوطنية القوية، في ترسيخ مكانة قطر عالمياً، وإعلاء شأنها على الساحة الدولية.
أكتب عن «أبو مشعل»، الذي أشعل مشاعل النور، والتنوير، والحداثة، والتغيير والتطوير في أرجاء شبه الجزيرة القطرية.
أكتب عن الزعيم الوطني الملهم، الذي علمنا، كيف يبقى الوطن حاضراً في القلوب، وكيف تبقى مسارات قطر سالكة، في كل الدروب، وكيف يبقى الاحترام، سائداً لدولتنا، في أوساط كل الشعوب.
أكتب عن قائد الوطن، الذي علمنا أن قطر، ليست أرضاً وتراباً وبحراً فحسب، بل هي مجموعة من المبادئ السياسية، والقواعد الدبلوماسية، والقيم الإسلامية، والمواقف الإنسانية، والركائز العربية، التي نستند إليها، ونرتكز عليها، ونترجمها على أرض الواقع، إلى حزمة من الوقائع.
أكتب عن أمير الوطن، الذي علمنا، أن التنمية الحقيقية، تبدأ من خلال ترسيخ كرامة المواطن، وتكريم الإنسان، ليعيش كريماً حراً عزيزاً في وطنه.
وتقديراً لإنجازاته الوطنية الكبيرة، وتضحياته الكثيرة، يشرفني أن أكتب عن أميرنا الراحل، تعبيراً عن الوفاء له، بصفته أمير الإباء، أمير البناء، أمير النماء، أمير العطاء، أمير السخاء، أمير الرخاء.
ولا عجب، أن تجتمع كل هذه الصفات، في شخصيته القيادية الفذة، بعدما شكلت سنوات حكمه، الممتدة بين أعوام (1995)، حتى تنازله عن الحكم عام (2013)، الانطلاقة الحقيقية، للدولة القطرية العصرية المستقلة، في مختلف المجالات وشتى القطاعات.
ولعل ما يحسب له، ولا ينسحب منه، أنه تبنى أكبر خطط التطوير في قطر، وطبق أوسع استراتيجيات التنوير في البلاد، وقاد أهم مراحل التغيير السياسي في التاريخ القطري.
وكان سموه يدرك جيداً، أن معادلة التطوير المنشود، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التنوير المشهود، عبر إيقاظ الروح الوطنية، وشحذ الهمم القطرية.
وهذا كله، لا يستقيم إلا بإعادة الاعتبار للشخصية القطرية المستقلة، داخلياً وخارجياً، باعتبارها المحرك الأساسي لمشروع النهوض القطري، من خلال إسهام القطريين في صناعة مقاديرهم، عبر تطوير قدراتهم، وبناء مقدراتهم.
ورغم مساحة قطر الصغيرة، وقلة عدد سكانها، عاش الشيخ الراحل حمد بن خليفة آل ثاني، كعملاق في محيطه الإقليمي، وانتقل إلى جوار ربه، وهو أسطورة لا تموت، في مجاله الوطني، وعمقه العربي.
وهذه الحقيقة الراسخة، أشار إليها الرئيس الفرنسي ماكرون، في تغريدة نشرها على منصة «إكس».
وفي سياق هذه الحقيقة، لا يمكن لأي ناشط سياسي، أو مراقب دولي، أو متابع إعلامي، أو كاتب صحفي، إنكار دور الأمير الوالد في ترسيخ مكانة قطر دولياً وعالمياً، بفضل الإنجازات الحضارية، والنجاحات التنموية، التي حققها في البلاد.
وفي مقدمتها، دوره العظيم، في صناعة الإنجاز الاقتصادي الكبير، المتمثل في إطلاق مشروع البنية التحتية، المرتبطة، بإنتاج الغاز الطبيعي المسال في حقل الشمال.
وهذا المشروع الحيوي، أتاح لنا الاستئثار بثروتنا الطبيعية، والاستثمار في الاحتياطات الهائلة، من الطاقة النظيفة، وتصديرها إلى الأسواق العالمية.
بالإضافة، إلى نجاحه العالمي المدوي، في نيل شرف استضافة، بطولة كأس العالم (2022) لكرة القدم، ومساهمته في نقل هذه البطولة إلى الملاعب القطرية، الأكثر تطوراً، في منطقة الشرق الأوسط.
ولا أنسى، دوره في تأسيس قناة الجزيرة، التي أعطت قطر، سمعة إعلامية لا تضاهى، وحضوراً عالمياً، يفوق حجمها الجغرافي، انطلاقاً من إيمانه الكبير بمبدأ الرأي والرأي الآخر.
وكان سموه يشجع جرأة الطرح، المستند على المعلومة الصحيحة، ويدعم حرية التعبير، باعتبارها، من أبرز أدوات التغيير في البلاد.
وفي نطاق هذه الحرية الواعية والمسؤولة، كان يشجع الصحافة اليومية، على تبني قضايا الوطن والمواطن.
ويشجع الشباب القطري، على الانخراط في المجال الإعلامي، وفي عهده حصلت على فرصتي الكاملة، في بلاط صاحبة الجلالة، وحظيت بتشجيع نادر، بعدما تم تكليفي، برئاسة تحرير «الراية» الرائدة، وكان عمري لا يزيد عن (27) عاماً.
كما تشرفت، بإجراء الحوار الصحفي الوحيد، الذي أدلى به للصحافة المحلية، بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد، عام (1995)، وتم نشر الحوار، مع انطلاقة العدد الأول، من صحيفة الوطن.
وليس من قبيل المبالغة، بل من صميم البلاغة، القول إن سموه ـ رحمه الله ـ ترك أثراً طيباً، في قلوبنا، لا يمحى، وتأثيراً وطنياً لا يزول، ستظل الأجيال القطرية المتعاقبة، تتوارثه، جيلاً بعد جيل، استلهاماً من تراث وسياسات ومواقف هذا الشيخ الجليل، الأصيل، النبيل.
وما من شك، في أن مواقفه القومية، وسياساته القوية، خدمت القضايا العربية، حيث كان وفياً للقضية الفلسطينية، داعماً لها، ومدافعاً عنها، وعن حقوق الشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا جدال، أن رحيل الأمير الوالد، في الثاني عشر، من يوليو الجاري، يشكل ذكرى مؤلمة، لكل مواطن قطري، ولكل مقيم عربي.
ولا نملك في هذا المصاب الجلل، سوى أن نردد قوله تعالى، المأخوذ من الآية (156) من سورة البقرة:
«إنا لله وإنا إليه راجعون»
فهذه الكلمات القرآنية المباركة، هي الأنسب في مراسم العزاء، عند فقد الأعزاء، ورحيل الأحباء، وفقدان القادة الأوفياء.
مع تأكيد، الحقيقة الأكيدة، الموكدة، أن الزعماء العظماء، لا يرحلون من ذاكرة الوطن.
وإذا كان الأمير الوالد، قد رحل بجسده عن دنيانا، فإنه لم يرحل، من وجدان الشعب القطري الوفي، الذي أحبه، وهو ملتزم بالسير على نهجه في الحكم، ومنهجه المرتكز على الحكمة، تحت قيادة أميرنا الحكيم، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى.
رحم الله «والد قطر»، وأميرها الراحل، وزعيم شعبها، القريب من أهلها، وسيبقى شعبنا القطري كله يذكره بالخير، ويدعو له بالرحمة والمغفرة، كل الدهر.
وإذا كان الأمير الوالد، قد انتقل إلى مثواه الأخير، في «مقبرة لوسيل»، فلا يسعنا إلا أن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بخالص الدعاء أن يكرم نزله ويحسن مُدخله ويجعل له في قبره أنيسًا من عمله الصالح، ويغسله بالماء والثَّلج والبرد، وينقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدَّنَس.
وأخيرا نؤكد في النهاية، أنه بوفاة سموه- يرحمه الله- أن هذا ليس معناه أن يغادر ذاكرتنا، ما دمنا أحياء على هذه الأرض الطيبة، بل سيبقى خالداً في قلوب القطريين جميعا، وقلبي خاصة، بصفته زعيماً عظيماً، وقائداً استثنائياً، وأميراً لا ينسى، صاحب أياد بيضاء لا تخفى، وأفعال كثيرة لن تمحى، وحكايات عظيمة ستظل تروى، مهما طالت الأيام، ومرت السنوات.. وستتوارثها الأجيال.. جيلا بعد جيل.
قصيدة رثاء
ماذا يخطُ يراعي اليومَ من كمدٍ إنّ المُصابَ جليلٌ أثقلَ الكَمِدا كيف السبيلُ لنظمٍ يرتقي سببًاكيف السبيلُ لنظمٍ... اقرأ المزيد
45
| 15 يوليو 2026
وصايا لا تشيخ...
«الإنسان هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن». — من كلمات الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه... اقرأ المزيد
54
| 15 يوليو 2026
الغروب الذي أبقى الضوء.. رحل مؤسس نهج الوساطة وبقي أثر سموه رحمه الله
في سيرة القادة، يسهل إحصاء ما شيدوه، ويصعب تقدير ما غيروه في موقع الدولة ومعناها. ومن هنا يبدو... اقرأ المزيد
48
| 15 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
2442
| 14 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1626
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1545
| 12 يوليو 2026