رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

303

هديل رشاد

"الهدم الذاتي".. الموت كمداً

11 أغسطس 2026 , 11:09م

هل فكرت يوماً لماذا يهدم فلسطينيو شرق القدس منازلهم ذاتياً؟ وهل في ظنك أن شخصاً بكامل قواه العقلية يمكن أن يقرر بمحض إرادته أن يمحو ذاكرته وذاكرة عائلته بيديه؟، هل فكرت لثوانٍ كيف يقوى على هدم المنزل الذي شيده حجراً على حجر، وعاش فيه وأبناؤه، وتشكّلت بين جدرانه تفاصيل عمر بأكمله؟، ماذا يعتلج في داخله وهو يرى جدراناً حملت أصوات عائلته، وغرفاً شهدت تفاصيل حياتهم، وسقفاً احتموا تحته من قسوة الحياة، تتهاوى أمام عينيه؟ إنه يعلم بأنه يهدم عمره ويدفنه تحت الثرى، ويعلم أن كل حجر يسقط يحمل معه شيئاً من ذاكرته وذاكرة عائلته.

ومن هذه الصورة تبدأ حكاية أكبر؛ حكاية سياسية صاغها المحتل بكل تفاصيلها الدقيقة لتستهدف الوجود الفلسطيني في القدس، والبحث عن كل ما ينغص حياة المقدسي على وجه التحديد، فالهدم الذاتي يأتي ضمن منظومة تَضِيقُ فيها مساحة الحياة أمام الفلسطيني، حتى يصبح بيته مصدر الأمان هو نفسه الوسيلة التي تستخدم لقهره وعائلته.

فالهدم الذاتي، من أخطر السياسات التي تنفذ في القدس بهدف تهجير المقدسيين وتفريغ المدينة ومحيطها وإحلال المستوطنين، في معركة وجودية تسير بوتيرة سريعة لتغليف القدس بالحزام الاستيطاني، وهي سياسة ممنهجة تعود إلى عام 1973، عندما ترأست غولدا مائير الحكومة الإسرائيلية وشُكّلت لجنة "أرنون جافني" تناولت التركيبة الديموغرافية للقدس وهدفت إلى تغيير وجهها، بما يحول لتقييد نسبة الفلسطينيين إلى 25% مقابل 75% لليهود، وتطورت كأداة قهرية لاحقاً عبر قوانين التنظيم والبناء الإسرائيلية لإجبار المقدسيين على هدم بيوتهم بأيديهم.

ومع مرور السنوات، دخل التخطيط العمراني في صميم هذه السياسة، حيث ضاقت المساحات المتاحة للفلسطينيين للبناء، وتعقدت إجراءات الحصول على الرخص، فيما تكبر العائلات وتزداد حاجتها إلى المسكن، فتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 13% فقط من مساحة شرق القدس مخصصة للبناء الفلسطيني، بينما معظم هذه المساحة مبني أصلاً، لتجد الأسرة الفلسطينية نفسها أمام مساحة محدودة للحياة والنمو والبناء.

وتكشف الأرقام حجم الهدم الذاتي، ففي عام 2024، هُدمت 215 منشأة في شرق القدس بسبب غياب تراخيص البناء، وهدم أصحابها 141 منها بأنفسهم، أي نحو 66% من إجمالي المنشآت المستهدفة، وبين يناير و10 نوفمبر 2025، وثقت الأمم المتحدة هدم 208 منشآت للسبب نفسه، بينها 105 منازل مأهولة، وتهجير 503 فلسطينيين، بينهم 242 طفلاً، فيما هدم أصحاب المنازل 143 منشأة بأنفسهم، أي نحو 69%.

وهنا تتسع دلالة الهدم إلى مفهوم الترحيل الـ Transfer، المرتبط بالطرد السكاني ودفع السكان إلى مغادرة موطنهم تحت القوة أو الإكراه أو ظروف قسرية تجعل بقاءهم فيه بالغ الصعوبة، رغم أنَّ القانون الدولي الإنساني يحظر النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة، كما تؤكد اتفاقية جنيف الرابعة حماية السكان من الترحيل والنقل القسري، إلا أنَّه لا قانون فوق قانون الغاب الذي تتبعه حكومات الاحتلال منذ 1948.

ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تصاعد التهجير في الضفة الغربية بفعل هدم المنازل والمنشآت، وعنف المستوطنين، وقيود الحركة والوصول، وخلال الفترة من 7 أكتوبر إلى 7 ديسمبر 2023، وثقت الأمم المتحدة تهجير 338 فلسطينياً، بينهم 182 طفلاً، بعد هدم منازل في مناطق من الضفة وشرق القدس بحجة غياب تراخيص البناء.

ختاماً...

إنَّه حتى في هذا الفعل المجرم يريد الاحتلال أن يُرِيَ العالم أن الفلسطيني هو من يهدم منزله بيده، حتى يغيب التعاطف معه، وحتى يتحرر من الضغط العالمي، فيما تتوارى خلف المشهد حزمة من السياسات الممنهجة التي دفعت بالفلسطيني إلى هذه اللحظة المفصلية والخانقة في حياته وحياة عائلة بأكملها دفنت ذكرياتها والكثير من القهر تحت كل جدار يسقط، فهذه الحالة التي يعيشها الفلسطيني هي من تجعل الصورة أكثر وضوحاً للعالم، وتكشف عن أنَّ وراء هذا الفعل سياسة مارقة لمحتل غاصب، لا يريد تغيير وجه القدس فحسب، إنما تغيير خريطة فلسطين التاريخية بكل ما أوتي من عربدة، للتضييق على الفلسطيني حتى يغادر موطنه الأصلي جبراً وقهراً بل وقد يميته هذا الجُرم كمداً.

اقرأ المزيد

غزة تبكي كاسِرَ حصارها غزة تبكي كاسِرَ حصارها

لليوم الرابع على التوالي، ومنذ أن أُعلن نبأ وفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل... اقرأ المزيد

216

| 15 يوليو 2026

من سرقة جغرافيا المكان إلى سرقة الهُوية من سرقة جغرافيا المكان إلى سرقة الهُوية

"يا طالعين عين للل الجبل… يا موللل الموقدين النار"...هذه واحدة من أشهر الأهازيج الشعبية الفلسطينية، تلك التي كانت... اقرأ المزيد

273

| 07 يوليو 2026

هل طالنا التبلد !؟ هل طالنا التبلد !؟

للمرة المئة أقف حائرة أمام أوراقي التي أتركها كمسودة أولى لـ"ترويدتي"، وكلما عزمت أن أكتب عن شأنٍ آخر،... اقرأ المزيد

399

| 30 يونيو 2026

مساحة إعلانية