رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

375

هديل رشاد

هل طالنا التبلد !؟

30 يونيو 2026 , 11:35م

للمرة المئة أقف حائرة أمام أوراقي التي أتركها كمسودة أولى لـ"ترويدتي"، وكلما عزمت أن أكتب عن شأنٍ آخر، أو أن أترك لفلسطين استراحةً من قلمي، وجدت ما يعيدني إليها قسراً، ليس لأن العالم خلا من القضايا، بل لأن فلسطين لا تكف عن إنجاب الفواجع، حتى يصبح تجاوزها إلى غيرها نوعًا من الخيانة الأخلاقية أمام ما يحدث فيها.

فبت أفتش عن بداية للمقال وأطرح على نفسي سؤالاً: أأكتب عن استهداف خيام النازحين في مواصي خان يونس، أمس الأول، التي تحولت في لحظات إلى كتل من اللهب والرماد، واستشهاد أم وطفلتها الوليدة؟، أم أكتب عن محمد أبو جياب، الفتى ابن السادسة عشرة، الذي اندفع نحو البحر باحثاً عن فسحة يلتقط فيها أنفاس غزة المثقلة بالحصار، فإذا برصاصة قناص إسرائيلي تستقر في رأسه لتحيله إلى كتلة من السكون، إمعاناً أن الفلسطيني محاصر حتى في اتساع بحره، وأن الاحتلال لا يُطوق اليابسة فحسب إنما يحتل البحر والجو معاً؟

أم أفتح ملف الصحفي مجاهد بني مفلح، الذي خرج من المعتقل بنزيف في الدماغ أُصيب على إثره بسكتة دماغية أفقدته النطق، فيما بقيت ذاكرته شاهدة على سبعة أشهر من التعذيب، وتحمل جمجمته أثر العملية الجراحية التي استُؤصل خلالها جزء منها؟ أم أتوقف عند اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لا تزال بنوده تمضي وفق أهواء "نتن ياهو" وحكومته، بينما يتواصل القتل، ويتسع الجوع، ويُترك المرضى لمصيرهم بلا رعاية طبية أو دواء يخفف وطأة الألم، وتبقى المنازل المهدمة تنتظر من يرمم وجعها ويحيي ذاكرة من غادروها بالموت أو التهجير، رهينةً للقيود والحصار؟ أم أتناول كيف يوظف الاحتلال، بالتعاون مع عملائه، أدوات الحرب الهجينة من خلال محاولات إغراق القطاع بالمخدرات، وتسهيل إدخالها عبر الممر الأصفر؟

أقلب الأوراق أحياناً دون أن أكتب حرفاً، ليس لأن الكلمات شحيحة، وإنما لأن كل سطر أكتبه أشعر أنه ينتزع حق سطر آخر في أن يُروى، فالفواجع في فلسطين وغزة تحديدا حدث يومي، لذا يغدو ترتيبها نوعا من الظلم، وكأن على من يحمل القلم أن يختار أي الوجوه يقدّم للقارئ، وأي الحكايات يؤجلها، مع أن أصحابها يستحقون أن تُروى قصصهم في اللحظة عينها.

ولعل هذا هو الوجه الأكثر قسوة للحرب؛ فهي لم تعد تكتفي بصناعة المأساة، بل صنعت ازدحاماً غير مسبوق للمآسي، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة عشرات الآلاف، فيما أصيب أكثر من مئة ألف فلسطيني، ونزح معظم سكان القطاع قسراً، بعضهم مرات عدة، بعدما لم يعد هناك مكان يمكن وصفه بالآمن، كما دُمِّرت نسبة كبيرة من المنشآت الصحية من مستشفيات ومراكز صحية، وتفاقمت معها أزمة ندرة الغذاء وشح الدواء.

والأرقام، على فظاعتها، لا تعكس سوى جانبٍ من حجم المأساة، فيما تواري خلفها قصصًا ومشاعر يعجز العدّ عن الإحاطة بها، فكم أمّ يجافي النومُ جفونَها بعد أن فقدت أبناءها، وكم طفل يستيقظ على فاجعة تخبره أنه بات يتيمًا، وكم صحفي يخرج لتغطية حدث وهو يدرك أنه قد يصبح هو نفسه خبراً، ثمة أوجاع لا تختزلها البيانات، وخسارات تعجز التقارير الدولية، مهما بلغت دقتها، عن إحصاء أثرها في النفوس.

وهذا، في ظني، جزء من أهداف الحرب، التي بدّلت مقياس الصدمة، صار الخبر الذي كان يهز الضمير الإنساني قبل أعوام يمر اليوم متخففًا من وطأته، لا لأن المأساة أصبحت أقل فداحة، بل لأن تكرارها اليومي أنهك قدرة الإنسان على التفاعل معها، حيث يصف علماء النفس هذه الحالة بـالتبلد أو التناقص الانفعالي، حيث يؤدي التعرض المستمر للمشاهد الصادمة إلى تراجع الاستجابة العاطفية تدريجياً، فيغدو ما كان استثنائياً جزءًا من المألوف، وتتحول صور الأطفال تحت الركام، وأخبار التجويع، وأعداد الضحايا إلى مشاهد متكررة لا تستدعي القدر نفسه من الصدمة الذي كانت تستدعيه في بدايات الحرب.

ختاماً...

ومع ذلك، تبقى الكتابة فعلاً لا يجوز التخلي عنه، قد تعجز عن إنصاف الضحايا جميعاً، لكنها تسلب من الجريمة رفاهية الصمت، وما دامت فلسطين محتلة، وما دام هناك دمٌ يُراق ثمناً لهذا الاحتلال، فسيظل مداد قلمي وفِيّاً لها ولقضاياها، لا يساوم على الحقيقة ولا يغادرها، حتى وإن وقفت أمام أوراقي البيضاء حائرةً ألف مرة.

مساحة إعلانية