رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

372

هديل رشاد

أثر الفراشة

23 يونيو 2026 , 11:26م

عندما ترتطم الذات بلوحٍ زجاجي لا تراه إلا تلك الروح، يصبح الكلام عبئاً ثقيلاً، ويغدو الصمت ملاذاً مؤقتاً من أسئلة لا نملك لها جواباً، في تلك المساحة الرمادية بين الانكسار والتماسك، قد يختار الإنسان الانسحاب إلى داخله، لا نفوراً من الآخرين، بل عجزاً عن ترجمة ما يعتمل في أعماقه، فبعض المشاعر أكثر تعقيداً من أن تُروى، وبعض الخيبات تضيق عنها اللغة مهما اتسعت مفرداتها.

وفي خضم هذا الصمت، قد تطرق باب الروح يدٌ لم تكن في دائرة التوقع، لا تجمعنا بها قرابة، ولا يربطنا بها تاريخ طويل من المواقف، ومع ذلك تنجح بكلمة صادقة أو موقفٍ إنساني أو قدرٍ من الاحتواء في تخفيف وطأة لحظة كادت تستبد بنا، ليس لأنها تمتلك حلولاً لكل ما نعانيه، بل لأنها أحسنت الإصغاء حين عزّ الإصغاء، وأحسنت الحضور..الحضور الذهني الذي يحدث فرقاً، وليس ذاك الحضور الجسدي الباهت.

أتحدث هُنا عن أولئك الذين يمرون في حياتنا تاركين بصمة تفوق حجم أفعالهم الظاهرة، أشخاص اتخذوا من نفع الناس منهجاً، ومن التخفيف عن الآخرين سلوكاً يومياً، ومن الكلمة الطيبة جسراً يعبرون به إلى القلوب، لا ينتظرون مناسبة استثنائية ليقدموا خيراً، ولا يبحثون عن الاعتراف بما صنعوا أو عن كلمة شكر تسقط من فيه من هو بحاجة، بل يؤمنون بأن الأثر الحقيقي يتشكل من الأعمال الصغيرة المتكررة، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ».

ولعل هذا ما يجعلني أصف حضورهم في حياة الآخرين بــ"أثر الفراشة"، فكما أن رفرفة الفراشة تبدو حدثاً بالغ الصغر، بينما يمتد أثرها إلى ما هو أبعد من لحظتها، كذلك بعض المواقف الإنسانية، كلمة تخرج بصدق قد تبدد وحشة، ورسالة مقتضبة قد تعيد الطمأنينة إلى قلبٍ مضطرب، وثقة يمنحها إنسان لآخر قد تكون بداية تحول لا يدرك أحد مداه، إن قيمة هذه الأفعال لا تكمن في حجمها، بل في ما تتركه من أثر باقٍ في النفوس لاسيما تلك التي نُسِيت عند بوابات الفرحْ.

ولذلك لم يحصر الإسلام دوائر العطاء في حدود النسب أو المعرفة المسبقة، بل وسّعها لتشمل المجتمع بأسره، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (المؤمن لِلْمؤْمن كالبُنْيان يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضا، ثُمَّ شَبّك بين أَصابعه)، وهي صورة بليغة تجعل التماسك الإنساني مسؤولية مشتركة، فالبنيان لا يقوم بحجر واحد، وإنما بتكاتف أجزائه وتساندها، وكذلك المجتمعات لا تستقيم فقط بالروابط المفروضة بحكم القرابة، بل أيضاً بأولئك الذين يختارون أن يكونوا سنداً لغيرهم دون انتظار مقابل.

وقد أدركت الثقافة العربية هذا المعنى منذ زمن بعيد حين قالت: "رب أخٍ لك لم تلده أمك."، وهي عبارة لا تنتقص من مكانة الأقربين، بل تؤكد أن الله يهيئ للإنسان في بعض محطات حياته من يواسيه ويخفف عنه ويمنحه من الدعم ما يحتاجه لعبور مرحلة صعبة، فالإنسان، مهما بلغ من قوة، يظل محتاجاً إلى من يمد له يداً حين تتعثر خطاه ويفقد بوصلته.

ويرى كثير من الفلاسفة أن الإنسان لا يتشكل من خلال تجاربه الخاصة فقط، وإنما عبر لقاءاته بالآخرين، فبعض الأشخاص لا يغيرون ظروفنا، لكنهم يغيرون قدرتنا على مواجهتها، وبعض الكلمات لا تبدل الواقع في لحظتها، لكنها تمنح صاحبها من القوة ما يكفي ليستأنف السير ويكمل الطريق.

لهذا لا أجد وصفاً أدق لهؤلاء من استعارة محمود درويش الخالدة "أثر الفراشة لا يُرى، أثر الفراشة لا يزول."، فكم من إنسان مرّ بهدوء في حياة غيره، دون أن يدرك أن موقفاً منه أو كلمة قالها أصبحت جزءاً من ذاكرة لا تُنسى، وسبباً في تخفيف ألم أو استعادة أمل أو ترميم شيء انكسر في الداخل.

ختاما...

...وأنت عزيزي القارئ، من هو صاحب "أثر الفراشة" في حياتك الذي حضر في ذاكرتك وأنت تقرأ هذه السطور؟ وهل فكرت يوماً أن كلمةً قلتها، أو يداً امتدت بالعون، أو حضوراً، ربما ترك أثراً جميلاً في حياة شخص آخر دون أن تدري؟

مساحة إعلانية