رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


[email protected]
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

36

خولة البوعينين

فن التدبير الأخلاقي !

25 أغسطس 2026 , 12:00ص

لعل من دقائق الحكمة التي يغفل عنها المرء أن الأخلاق، وإن كانت فضائل تُرفع بها النفس، ويرتقي بها المسلك، ويتزكى بها الوجدان، إلا أنها تحتاج كذلك إلى حُسن تدبير!

فليس كل مقامٍ مقام عفو، ولا كل علاقةٍ موضعَ تغافل، ولا كل إساءةٍ تُقابل بالتسامح، ولا كل أحد يتطلب التلطف معه، إذ إن الفضيلة نفسها قد تُهدر حين تُمنح في غير موضعها، أو في غير وقتها، أو بما يتجاوز قدرها.

فمن تدبير الأخلاق أن يتعامل المرء بحكمة.. فيُحسن وضع خُلقه في موضعه، فيعرف متى يلين، ومتى يتجاوز، ومتى يعفو، ومتى يتغافل، ومتى يكون الحزم هو عين الخُلق، ومتى يكون الابتعاد أصدق من الاستمرار. وليس المقصود أن يتهذب المرء مع الجميع بالقدر ذاته، ولا أن يجعل من حسن خلقه باباً مفتوحاً على مصراعيه لكل من أراد أن يعبر منه إلى نفسه.

ولعل من ذلك على سبيل المثال أن يتعلم المرء التمييز بين الخطأ النادر وفساد الطبع الممنهج فيتلطف رحمةً مع الخطأ لأنه قد يكون استثناءً، أما الخبث حين يتكرر ويستقر ويغدو منهجاً، فليس من الحكمة أن يُعامل كزلة عابرة، فقد ينقلب ظلماً للنفس، إذ ليس من حسن الخلق أن نُلتمس الأعذار لما أصبح سلوكاً لئيماً متعمداً، ولا أن نجعل من تسامحنا فرصةً لتكرار الأذى.

ولعل من تمام شكر النعمة أن نحسن تدبيرها، فلا نهدرها فيمن لا يقدّرها، ولا نستهلك أنفسنا في تكرار العطاء لمن جعل من تسامحنا فرصةً لتكرار الضرر. فليس من حسن الخلق أن نلغي بصيرتنا، ولا من الترفع أن نتخلى عن حدودنا، ولا من العفو أن نُبقي من يؤذينا في الموضع ذاته.

ولعل أعمق ما يحتاجه المرء في هذا الباب أن يدرك أن تهذيب نفسه لا يعني أن يكون مُباحاً للجميع..فالرفق لا يلغي الحزم، والعفو لا يلغي الحدود، وحسن الظن لا يلغي البصيرة.. وقد يكون من أكرم الأخلاق أن نعفو عن إنسان، ثم نختار ألا نُعيده إلى الموضع الذي أساء فيه إلينا، أو ربما نخرجه من ساحة حياتنا.

فتدبير الاخلاق هو حماية لها من الاستنزاف، وعدل في حق نفسك قبل أي أحد، ورحمة لقلبك وحماية لحدودك قوةً وتمكيناً.

لذا، ليس كل ما نقدر عليه ينبغي أن نفعله، وليس كل ما نستطيعه من مكارم الأخلاق ينبغي أن نهبه في كل سياق.. إنما الحكمة أن نعرف قدر الخُلق، وموضعه، وتوقيته، ومن يستحق أن يُبذل له.. حتى لا تتحول فضائل النفس من نورٍ يهديها إلى حملٍ ثقيل يستهلكها، فلا نخلط بين الكرم والهدر، ولا بين العفو والتنازل، ولا بين التسامح وإلغاء الحدود، ولا بين طيبة القلب وتعطيل البصيرة.

لحظة إدراك:

من أحكم الحكم أن يُحسن المرء تدبير أخلاقه، فلا يمنحها جزافًا، ولا يستنزف نفسه فيمن لا يحفظ له فضله، ولا يجعل من تهذيبه لنفسه سبباً لإبقاء من لا يستحق في حياته. فلكل خُلق موضع، ولكل مقام مقال، ولكل إنسانٍ قدر من القرب والمنح.. ومن شكر نعمة الأخلاق أن نضعها في موضعها الصحيح، وفي توقيتها الصحيح، وبقدرها الصحيح، حتى نحفظ للفضيلة معناها، وللنفس كرامتها، وللعمر فرصته في أن يُعاش مع من يستحق البقاء.

 

اقرأ المزيد

المرء نِتاج خلواته ! المرء نِتاج خلواته !

ما أجدى بذي اللُب أن يتعهّد رياض نفسه بالعناية والاهتمام، في زمنٍ تسارعت فيه الأنفاس وتزاحمت الملهيات، وأن... اقرأ المزيد

390

| 27 يوليو 2026

ما بين الصدر والقبر ! ما بين الصدر والقبر !

في منطق الشاعر الجاهلي عاطفة يتلفع ظاهرها بالأنفة، بينما يخفي باطنها صرامة حادة تضيق بالوجود لتسجنه بين خيارين... اقرأ المزيد

312

| 21 يوليو 2026

السماحة.. مطلع الاتساع ! السماحة.. مطلع الاتساع !

لعل من أبهى شيم النضج، وأنبل أمارات الرشاد، أن ترتاد النفس آفاق السماحة عقلاً وشعوراً وسلوكاً، فإذا بالقلب... اقرأ المزيد

477

| 07 يوليو 2026

مساحة إعلانية