رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

39

عادل الحامدي

الحوار الأمريكي مع حماس.. حين يصبح المستحيل بابًا للسياسة

18 أغسطس 2026 , 11:53م

ليست كل الأبواب التي تُفتح في السياسة تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. بعضها يبدأ باجتماع مغلق، أو اتصال بعيد عن الكاميرات، أو مبعوث يجلس إلى طاولة مع خصم ظلّ لسنوات في خانة "الممنوع". ولهذا فإن الحديث عن اجتماع مسؤول أمريكي مع حركة حماس لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً في مسار تفاوضي طويل، بل باعتباره إشارة سياسية ذات دلالات أعمق: واشنطن، أو جزء من مؤسستها السياسية على الأقل، بدأت تتعامل مع واقع لا يمكن إدارته من خلف الجدران، ولا اختزاله في البيانات والشعارات.

فالسياسة، في جوهرها، ليست فن اختيار الأصدقاء، بل فن التعامل مع الخصوم حين تصبح كلفة تجاهلهم أكبر من كلفة محاورتهم. والتاريخ مليء بأمثلة تؤكد أن الدول لا تتفاوض عادة مع من تتفق معهم، وإنما مع من تملك معهم خلافات عميقة ومصالح متشابكة ومخاطر مشتركة. من هنا، فإن الحوار الأمريكي ـ الحمساوي، إذا تطور من اتصال محدود إلى مسار سياسي واضح، قد يمثل تحوّلاً في قواعد اللعبة أكثر مما يمثل تحولاً في المواقف المعلنة.

المفارقة أن هذا الحوار يأتي في لحظة تبدو فيها غزة أبعد ما تكون عن الاستقرار. فوقف إطلاق النار يتعرض للاهتزاز، والاتهامات المتبادلة بخرقه لا تتوقف، فيما تستمر الغارات وسقوط الضحايا في قطاع أنهكته الحرب والنزوح والدمار. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المفاوضات أشبه بالسير فوق أرض ملغمة: اتفاق هش من جهة، وميدان قابل للانفجار من جهة أخرى، وإسرائيل وحماس تدركان أن أي خطأ في الحساب قد يعيد المنطقة إلى نقطة الصفر.

لكن أهمية الخطوة الأمريكية تكمن تحديداً هنا. فالمفاوضات لا تبدأ عندما يسود الهدوء؛ أحياناً تبدأ لأن الهدوء أصبح ضرورة مستحيلة من دون تفاوض. وإذا كانت المحادثات تتركز على تنفيذ خارطة طريق من 15 بنداً، فإن المعركة الحقيقية لن تكون حول صياغة البنود فقط، بل حول القدرة على إلزام الأطراف بتنفيذها. فالورق السياسي لا يوقف الحرب وحده، ولا يعيد النازحين، ولا يفتح المعابر، ولا يعيد بناء مدينة مدمرة. الذي يفعل ذلك هو توازن القوة، وضمانات التنفيذ، والضغط السياسي، ووجود طرف قادر على مخاطبة جميع اللاعبين المؤثرين.

وهنا تظهر المعضلة الأمريكية التاريخية. واشنطن اعتادت أن تكون وسيطاً وهي في الوقت نفسه الحليف الأهم لإسرائيل. وهذه المعادلة تمنحها نفوذاً هائلاً، لكنها تفرض عليها أيضاً اختباراً صعباً لمصداقيتها. فإذا أرادت الإدارة الأمريكية أن تتحول من راعٍ للمفاوضات إلى ضامن فعلي لها، فعليها أن تثبت أن الحوار مع حماس ليس مجرد قناة استخباراتية أو تكتيك مؤقت لتمرير أزمة، وإنما جزء من تصور سياسي أوسع لمستقبل غزة والقضية الفلسطينية.

أما بالنسبة إلى حماس، فإن قبول الحوار المباشر أو غير المباشر مع واشنطن يمثل بدوره تحولاً استراتيجياً. فالحركة التي بنت جزءاً كبيراً من خطابها على مقاومة السياسة الأمريكية في المنطقة تجد نفسها أمام حقيقة مختلفة: من يريد التأثير في شكل اليوم التالي للحرب لا يستطيع الاكتفاء بالبندقية، كما أن من يريد فرض شروطه على الطاولة يحتاج إلى شبكة علاقات سياسية تتجاوز الحلفاء التقليديين. الحوار لا يعني بالضرورة التنازل، كما أن الجلوس إلى الخصم لا يعني المصالحة معه. إنه، ببساطة، اعتراف بأن السياسة تبدأ حين تصبح القوة وحدها عاجزة عن إنتاج النهاية.

والأخطر أن استمرار الغارات، حتى أثناء الهدنة، يهدد بتحويل أي مسار تفاوضي إلى عملية لإدارة الانهيار بدلاً من صناعة السلام. فالهدنة التي لا تُترجم إلى واقع آمن ستظل هدنة مؤقتة، والاتفاق الذي لا يحظى بآليات تنفيذ واضحة سيظل نصاً قابلاً للانهيار عند أول أزمة.

لذلك، فإن قيمة الحوار الأمريكي مع حماس لن تُقاس بصورة الاجتماع ولا بعنوانه، بل بما سيأتي بعده. هل تستطيع واشنطن استخدام نفوذها لمنع العودة إلى الحرب؟ هل يمكن تحويل خارطة الطريق إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ؟ وهل يصبح اليوم التالي في غزة مشروعاً سياسياً يعالج أصل الصراع، لا مجرد ترتيب أمني مؤقت؟

في النهاية، قد لا يكون الحوار بداية سلام، لكنه قد يكون بداية اعتراف بالحقيقة. والحقيقة التي حاولت السياسة الدولية طويلاً تأجيلها هي أن غزة ليست ملفاً أمنياً فقط، وحماس ليست رقماً يمكن شطبه من المعادلة بقرار، وإسرائيل لا تستطيع أن تصنع استقراراً دائماً فوق أرض تنزف. أما واشنطن، إن أرادت أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في الشرق الأوسط، فعليها أولاً أن تتعلم الإصغاء إلى كل من يملك، بشكل مباشر أو غير مباشر، القدرة على تغيير مسار التاريخ.

لقد دفع الفلسطينيون، في غزة كما في سائر أرض فلسطين، ثمناً يتجاوز لغة الأرقام والإحصاءات. دفعوا من بيوتهم وأعمارهم وذكرياتهم، ومن أجساد أطفالهم وأحلام أجيالهم، ومن شوارع كانت تحمل أسماء العائلة والحي والقرية. وفي غزة، تحولت المأساة إلى مشهد يومي من الركام والفقد والنزوح، فيما بقي الإنسان الفلسطيني متمسكاً بما لا تستطيع الحرب اقتلاعه: حقه في أن يعيش حراً على أرضه، وأن تكون له دولة وسماء آمنة وبيت لا يخشى أن يتحول في لحظة إلى ذكرى. وفي الضفة الغربية والقدس وسائر فلسطين، تراكمت على مدى عقود طبقات من الألم والاقتلاع والتهجير والاستيطان، حتى باتت القضية الفلسطينية واحدة من أطول المآسي السياسية والإنسانية التي عرفها التاريخ الحديث. ومع ذلك، بقيت فلسطين حاضرة؛ لأن الشعوب قد تُهزم في معركة، لكنها لا تُهزم حين تحتفظ بذاكرتها وبإيمانها بحقها.

ولعل العالم، بما فيه الولايات المتحدة، يعرف أكثر مما يقول في العلن أن أصل المأساة لا يمكن أن يُختزل في جولة حرب أو هدنة أو صفقة مؤقتة. هناك شعب له حقوق سياسية ووطنية وإنسانية، وهذه الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تمحوها موازين القوة. وقد علّمنا التاريخ، في فلسطين وفي غيرها، أن الاحتلال مهما طال زمنه ليس قدراً أبدياً، وأن الجدران مهما ارتفعت لا تستطيع أن توقف حركة التاريخ. الإمبراطوريات تبدلت، والحدود تغيرت، والجيوش التي بدت ذات يوم عصية على الهزيمة رحلت، وبقيت الشعوب والأرض والذاكرة.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاحتلال سيزول، وإنما متى وكيف، وبأي ثمن إضافي سيدفعه الفلسطيني والإسرائيلي معاً قبل أن تصل السياسة إلى الحقيقة التي كان ينبغي أن تصل إليها منذ زمن: لا أمن دائماً فوق غياب العدالة، ولا سلام حقيقياً من دون حرية، ولا مستقبل يمكن أن يُبنى على إنكار حقوق شعب بأكمله.

مساحة إعلانية