رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست كل الأبواب التي تُفتح في السياسة تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. بعضها يبدأ باجتماع مغلق، أو اتصال بعيد عن الكاميرات، أو مبعوث يجلس إلى طاولة مع خصم ظلّ لسنوات في خانة "الممنوع". ولهذا فإن الحديث عن اجتماع مسؤول أمريكي مع حركة حماس لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً في مسار تفاوضي طويل، بل باعتباره إشارة سياسية ذات دلالات أعمق: واشنطن، أو جزء من مؤسستها السياسية على الأقل، بدأت تتعامل مع واقع لا يمكن إدارته من خلف الجدران، ولا اختزاله في البيانات والشعارات.
فالسياسة، في جوهرها، ليست فن اختيار الأصدقاء، بل فن التعامل مع الخصوم حين تصبح كلفة تجاهلهم أكبر من كلفة محاورتهم. والتاريخ مليء بأمثلة تؤكد أن الدول لا تتفاوض عادة مع من تتفق معهم، وإنما مع من تملك معهم خلافات عميقة ومصالح متشابكة ومخاطر مشتركة. من هنا، فإن الحوار الأمريكي ـ الحمساوي، إذا تطور من اتصال محدود إلى مسار سياسي واضح، قد يمثل تحوّلاً في قواعد اللعبة أكثر مما يمثل تحولاً في المواقف المعلنة.
المفارقة أن هذا الحوار يأتي في لحظة تبدو فيها غزة أبعد ما تكون عن الاستقرار. فوقف إطلاق النار يتعرض للاهتزاز، والاتهامات المتبادلة بخرقه لا تتوقف، فيما تستمر الغارات وسقوط الضحايا في قطاع أنهكته الحرب والنزوح والدمار. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المفاوضات أشبه بالسير فوق أرض ملغمة: اتفاق هش من جهة، وميدان قابل للانفجار من جهة أخرى، وإسرائيل وحماس تدركان أن أي خطأ في الحساب قد يعيد المنطقة إلى نقطة الصفر.
لكن أهمية الخطوة الأمريكية تكمن تحديداً هنا. فالمفاوضات لا تبدأ عندما يسود الهدوء؛ أحياناً تبدأ لأن الهدوء أصبح ضرورة مستحيلة من دون تفاوض. وإذا كانت المحادثات تتركز على تنفيذ خارطة طريق من 15 بنداً، فإن المعركة الحقيقية لن تكون حول صياغة البنود فقط، بل حول القدرة على إلزام الأطراف بتنفيذها. فالورق السياسي لا يوقف الحرب وحده، ولا يعيد النازحين، ولا يفتح المعابر، ولا يعيد بناء مدينة مدمرة. الذي يفعل ذلك هو توازن القوة، وضمانات التنفيذ، والضغط السياسي، ووجود طرف قادر على مخاطبة جميع اللاعبين المؤثرين.
وهنا تظهر المعضلة الأمريكية التاريخية. واشنطن اعتادت أن تكون وسيطاً وهي في الوقت نفسه الحليف الأهم لإسرائيل. وهذه المعادلة تمنحها نفوذاً هائلاً، لكنها تفرض عليها أيضاً اختباراً صعباً لمصداقيتها. فإذا أرادت الإدارة الأمريكية أن تتحول من راعٍ للمفاوضات إلى ضامن فعلي لها، فعليها أن تثبت أن الحوار مع حماس ليس مجرد قناة استخباراتية أو تكتيك مؤقت لتمرير أزمة، وإنما جزء من تصور سياسي أوسع لمستقبل غزة والقضية الفلسطينية.
أما بالنسبة إلى حماس، فإن قبول الحوار المباشر أو غير المباشر مع واشنطن يمثل بدوره تحولاً استراتيجياً. فالحركة التي بنت جزءاً كبيراً من خطابها على مقاومة السياسة الأمريكية في المنطقة تجد نفسها أمام حقيقة مختلفة: من يريد التأثير في شكل اليوم التالي للحرب لا يستطيع الاكتفاء بالبندقية، كما أن من يريد فرض شروطه على الطاولة يحتاج إلى شبكة علاقات سياسية تتجاوز الحلفاء التقليديين. الحوار لا يعني بالضرورة التنازل، كما أن الجلوس إلى الخصم لا يعني المصالحة معه. إنه، ببساطة، اعتراف بأن السياسة تبدأ حين تصبح القوة وحدها عاجزة عن إنتاج النهاية.
والأخطر أن استمرار الغارات، حتى أثناء الهدنة، يهدد بتحويل أي مسار تفاوضي إلى عملية لإدارة الانهيار بدلاً من صناعة السلام. فالهدنة التي لا تُترجم إلى واقع آمن ستظل هدنة مؤقتة، والاتفاق الذي لا يحظى بآليات تنفيذ واضحة سيظل نصاً قابلاً للانهيار عند أول أزمة.
لذلك، فإن قيمة الحوار الأمريكي مع حماس لن تُقاس بصورة الاجتماع ولا بعنوانه، بل بما سيأتي بعده. هل تستطيع واشنطن استخدام نفوذها لمنع العودة إلى الحرب؟ هل يمكن تحويل خارطة الطريق إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ؟ وهل يصبح اليوم التالي في غزة مشروعاً سياسياً يعالج أصل الصراع، لا مجرد ترتيب أمني مؤقت؟
في النهاية، قد لا يكون الحوار بداية سلام، لكنه قد يكون بداية اعتراف بالحقيقة. والحقيقة التي حاولت السياسة الدولية طويلاً تأجيلها هي أن غزة ليست ملفاً أمنياً فقط، وحماس ليست رقماً يمكن شطبه من المعادلة بقرار، وإسرائيل لا تستطيع أن تصنع استقراراً دائماً فوق أرض تنزف. أما واشنطن، إن أرادت أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في الشرق الأوسط، فعليها أولاً أن تتعلم الإصغاء إلى كل من يملك، بشكل مباشر أو غير مباشر، القدرة على تغيير مسار التاريخ.
لقد دفع الفلسطينيون، في غزة كما في سائر أرض فلسطين، ثمناً يتجاوز لغة الأرقام والإحصاءات. دفعوا من بيوتهم وأعمارهم وذكرياتهم، ومن أجساد أطفالهم وأحلام أجيالهم، ومن شوارع كانت تحمل أسماء العائلة والحي والقرية. وفي غزة، تحولت المأساة إلى مشهد يومي من الركام والفقد والنزوح، فيما بقي الإنسان الفلسطيني متمسكاً بما لا تستطيع الحرب اقتلاعه: حقه في أن يعيش حراً على أرضه، وأن تكون له دولة وسماء آمنة وبيت لا يخشى أن يتحول في لحظة إلى ذكرى. وفي الضفة الغربية والقدس وسائر فلسطين، تراكمت على مدى عقود طبقات من الألم والاقتلاع والتهجير والاستيطان، حتى باتت القضية الفلسطينية واحدة من أطول المآسي السياسية والإنسانية التي عرفها التاريخ الحديث. ومع ذلك، بقيت فلسطين حاضرة؛ لأن الشعوب قد تُهزم في معركة، لكنها لا تُهزم حين تحتفظ بذاكرتها وبإيمانها بحقها.
ولعل العالم، بما فيه الولايات المتحدة، يعرف أكثر مما يقول في العلن أن أصل المأساة لا يمكن أن يُختزل في جولة حرب أو هدنة أو صفقة مؤقتة. هناك شعب له حقوق سياسية ووطنية وإنسانية، وهذه الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تمحوها موازين القوة. وقد علّمنا التاريخ، في فلسطين وفي غيرها، أن الاحتلال مهما طال زمنه ليس قدراً أبدياً، وأن الجدران مهما ارتفعت لا تستطيع أن توقف حركة التاريخ. الإمبراطوريات تبدلت، والحدود تغيرت، والجيوش التي بدت ذات يوم عصية على الهزيمة رحلت، وبقيت الشعوب والأرض والذاكرة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاحتلال سيزول، وإنما متى وكيف، وبأي ثمن إضافي سيدفعه الفلسطيني والإسرائيلي معاً قبل أن تصل السياسة إلى الحقيقة التي كان ينبغي أن تصل إليها منذ زمن: لا أمن دائماً فوق غياب العدالة، ولا سلام حقيقياً من دون حرية، ولا مستقبل يمكن أن يُبنى على إنكار حقوق شعب بأكمله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
8994
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2730
| 16 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
1731
| 17 أغسطس 2026