رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

من بغداد إلى طهران.. تفاوضٌ على حافة الغزو

تتسارع الخطى الأمريكية على نحو لافت تجاه ما يبدو أنه لحظة حسم مع إيران، حربًا أو سلمًا، في ملفين لا يقبلان المراوحة طويلاً: السلاح النووي والصواريخ الباليستية. تعددت عواصم التفاوض، من الدوحة إلى أبوظبي، فأنقرة فمسقط، وتبدلت الوجوه والوسطاء، لكن الهدف بقي واحدًا: لا ينبغي لإيران أن تدخل نادي الدول الواقفة على “براميل النووي” الجالب للهيبة والردع معًا. واشنطن لا تخفي أن ما يقلقها ليس القنبلة بوصفها أداة تدمير فحسب، بل بوصفها أداة مكانة ونفوذ. أن تصبح طهران دولة عتبة نووية، قادرة في أي لحظة على القفز نحو التسلح الكامل، يعني في الحسابات الأمريكية انقلابًا في ميزان القوة الإقليمي، وتثبيتًا لواقع جديد يصعب التراجع عنه. أما الصواريخ الباليستية، فهي الذراع التي تمنح هذا “البرميل النووي” إن وُجد، معنى عمليًا. من دون وسيلة إيصال فعالة، يبقى الردع ناقصًا؛ ومعها يصبح التهديد عابرًا للحدود. المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، بكل تعقيداتها وتفاصيلها التقنية والسياسية، تذكّر على نحو مؤلم بمفاوضات بغداد في تسعينيات القرن الماضي. يومها، دخل العراق في مسار طويل من التفتيش والضغوط والقرارات الدولية، انتهى في آخر أطواره إلى غزو لم يغيّر ملامح العراق وحده، بل أعاد تشكيل المنطقة برمتها. سقط نظام، وتفككت دولة، واندلعت حرائق لم تنطفئ حتى اليوم. وبسخرية الأقدار، لعبت إيران دورًا رئيسيًا في تلك المحطة المفصلية. كانت من أبرز المستفيدين من إسقاط خصمها التاريخي في بغداد، ووجدت في الفوضى التي أعقبت الغزو فرصة لمد نفوذها غربًا. اليوم، تبدو طهران على الضفة المقابلة من المشهد ذاته: هي موضوع الضغوط، وهدف العقوبات، ومحلّ التهديد الضمني بأن البدائل العسكرية ليست مستبعدة إذا فشلت الدبلوماسية. اللافت أن الأدوات تكاد تكون ذاتها: تقارير عن تخصيب ونسب نقاء، حديث عن أجهزة طرد مركزي، لجان تفتيش، عقوبات متدرجة، وحشد إقليمي ودولي. المبررات أيضًا متشابهة: منع الانتشار النووي، حماية الاستقرار، وصون أمن الحلفاء. غير أن العنوان الأوضح في هذه الجولة هو إسرائيل، الكنز الاستراتيجي للغرب في منطقتنا. كل حساب أمريكي في هذا الملف يمرّ عبر سؤال واحد: هل يتيح هذا المسار لإيران امتلاك قدرة مباشرة أو غير مباشرة على تهديد إسرائيل؟ صواريخ العراق التي وصلت أيام صدام حسين إلى فلسطين المحتلة، وأدخلت الإسرائيليين إلى الملاجئ، لا تزال حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية. وكذلك صواريخ إيران، التي دفعت ملايين الإسرائيليين مؤخرًا إلى الاحتماء تحت الأرض، سواء أطلقت مباشرة أو عبر حلفاء إقليميين. تلك اللحظات التي تُغلق فيها المدارس، وتتوقف المطارات، ويهرع المدنيون إلى الملاجئ، هي ما يحرك آلة التعاطي الأمريكي مع طهران أكثر من أي خطاب أيديولوجي. في هذا السياق، لا يبدو أن واشنطن تسعى فقط إلى اتفاق تقني يحدّ من نسب التخصيب أو أعداد الصواريخ، بل إلى إعادة رسم حدود النفوذ الإيراني في المنطقة، وإنهاء أي قدرة عسكرية قد تُستخدم لاستهداف إسرائيل. إنه مسار يتجاوز الملف النووي إلى سؤال أوسع: من يملك اليد العليا في شرق أوسط ما بعد الحروب الكبرى؟ غير أن دروس بغداد ينبغي أن تبقى ماثلة. فالمفاوضات التي تتحول إلى استعراض قوة، والعقوبات التي تتحول إلى حصار شامل، والضغوط التي تُغلق كل أبواب التراجع، قد تفضي في لحظة ما إلى انفجار لا يريده أحد علنًا، لكنه يصبح نتيجة منطقية لمسار مغلق. وحين تندلع الحرب، لا تبقى محصورة في خرائط العسكريين، بل تتسرب إلى بيوت الناس وأسواقهم وأحلام أطفالهم. ليس في الحروب منطق تشفٍّ مقنع، ولا انتصار صافٍ بلا كلفة إنسانية فادحة. قد تتبدل الأنظمة، وتتغير موازين القوى، لكن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، والأطفال الذين يكبرون تحت صفارات الإنذار، هم الثابت الوحيد في كل المعادلات. قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى: “وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ” هي الحرب، حين تُستدعى، لا تأتي بشعارات الهيبة وحدها، بل بمرارتها الكاملة. وبين براميل النووي وملاجئ الصواريخ، يبقى السؤال: هل يتعلم صانعو القرار من ذاكرة المنطقة، أم يكتبون فصلًا جديدًا من الألم بالمداد ذاته.

207

| 22 فبراير 2026

أفول أوروبا ورسائل التدافع

التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار دائم، ولا قوة خالدة، ولا إمبراطورية تظل في ذروة صعودها إلى الأبد. الدول مثل الكائنات الحية، تولد وتنمو، تبلغ أوجها، ثم تبدأ في الانكماش والاضمحلال، وقد تطول الشيخوخة أو تقصر، لكنها في النهاية حتمية. هكذا علمتنا تجارب التاريخ، من الإمبراطوريات القديمة إلى القوى الحديثة. القارة الأوروبية تقدم اليوم نموذجًا حيًا لهذه الدورة. قارةٌ كانت لقرون مركز العالم السياسي والعسكري والاقتصادي، ومنها خرجت الجيوش والأساطيل، ورُسمت خرائط الدول، وفُرضت اللغات والثقافات والأنظمة. كانت الشمس لا تغرب عن الإمبراطورية البريطانية، كما لم تكن تغيب عن فرنسا وإسبانيا في ذروة تمددهما. أما اليوم، فتعيش أوروبا زمن الانكماش الاستراتيجي، والقلق الوجودي، وتجد نفسها لاعبًا ثانويًا في صراعات كبرى لا تملك مفاتيحها. في قلب هذا التحول التاريخي، تبرز العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة بوصفها مثالًا صارخًا لانقلاب الأحوال. بريطانيا التي حكمت العالم بحرًا وبرًا، خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة، مثقلة بالديون، عاجزة عن الحفاظ على نفوذها الإمبراطوري. في المقابل، صعدت الولايات المتحدة قوةً كاسحة، تمتلك الاقتصاد الأقوى، والجيش الأكبر، والعملة التي ستصبح لاحقًا عماد النظام المالي العالمي. ومنذ ذلك الحين، انتقلت قيادة العالم عبر الأطلسي، ومعها انتقل نموذج الهيمنة ذاته، لكن بأدوات أمريكية أشمل وأكثر نفوذًا. أما العلاقة بين لندن وبكين، فهي تعكس انقلابًا تاريخيًا أكثر درامية. قبل قرنين، كانت بريطانيا تخوض حروب الأفيون لإخضاع الصين، وتفرض عليها شروط التجارة، وتنتزع منها الموانئ والجزر. كانت الصين ضعيفة، مفككة، عاجزة عن الدفاع عن سيادتها. اليوم، انقلب المشهد بالكامل. الصين قوة اقتصادية عظمى، بينما تجد بريطانيا نفسها مترددة بين إغراء السوق الصينية وضغوط التحالف الغربي. ولأن التاريخ مدرسة للأجيال، فإن الوقوف عند أسباب هذا التحول الأوروبي ضرورة لفهم الحاضر. لقد استنزفت أوروبا نفسها بحربين عالميتين مدمرتين، ثم بنت رفاهها على مظلة أمنية أمريكية عبر حلف شمال الأطلسي. ومع الزمن، تآكلت قدراتها العسكرية، وتراجعت إرادة المواجهة، وتقدمت الحسابات الاقتصادية والرفاهية على متطلبات القوة. أضف إلى ذلك الشيخوخة الديمغرافية، والانقسام السياسي، وغياب رؤية استراتيجية موحدة، فكانت النتيجة قارة غنية، لكنها رخوة في عالم لا يرحم الضعف. الحرب في أوكرانيا كشفت هذه الحقيقة بوضوح. دولة أوروبية تتعرض لاجتياح روسي، فلا تستطيع أوروبا حمايتها أو حتى حماية نفسها دون الدعم الأمريكي. وفي سياق هذا التآكل، لا يمكن تجاهل البعد الأخلاقي لأفول الغرب، كما عكسته الفضائح التي فجّرتها التحقيقات والتسريبات المرتبطة بقضية جيفري إبستين، وما كُشف عن شبكات نفوذ عابرة للحدود طالت شخصيات من عالم السياسة والمال والإعلام. بعيدًا عن الأسماء، فإن دلالة هذه القضية أعمق من كونها فضيحة جنسية. وهنا تبرز الرسالة الأهم للعرب والمسلمين. إن البحث عن مكان تحت الشمس، وخوض سنة التدافع، لا يتحقق بالأحلام وحدها، رغم أن الحلم ضروري لأنه يمنح الاتجاه والمعنى. لكنه لا يكفي. لا بد من الإرادة، والإرادة شرطها الإيمان بكرامة الإنسان، تلك الكرامة التي خصّ الله بها ابن آدم من دون سائر مخلوقاته. الإيمان بأن الإنسان العربي والمسلم ليس مقدرًا له أن يكون تابعًا أو هامشيًا، بل فاعلًا في التاريخ. ولعل الخطأ الأكبر في قراءة التاريخ هو اختزاله في لحظات بعينها، والبحث عن “الفرصة” في مشهد واحد أو حدث مفصلي. ليست الفرصة، في الحقيقة، تلك اللحظة التي أسقطت فيها الشعوب العربية بعض أنظمة الاستبداد، ولا حتى تلك التي صمد فيها الفلسطينيون في غزة لأكثر من عامين في مواجهة حرب إبادة غير مسبوقة، على عظمة ما في الحدثين من دلالة. الفرصة الأعمق، والأصدق، تكمن في ما هو أبعد من اللحظة: في الصبر، وفي الإصرار، وفي الثبات على التمسك بالحلم، حتى حين يصبح مكلفًا، وحتى حين يطول الطريق وتتراكم الخسائر. هكذا فقط تُخاض سُنّة التدافع، لا بالاندفاع الأعمى ولا بالانتظار المتردد، بل بوعي تاريخي يدرك أن الأمم لا تُقصى من مسرح التاريخ فجأة، كما لا تُستعاد مكانتها بضربة واحدة. ومن لا يمتلك إرادة الاستمرار، ولا يؤمن بكرامة الإنسان وقدرته على الفعل، سيظل على هامش التحولات الكبرى، يراقب أفول غيره دون أن يستعد لصعوده. إن أفول أوروبا، بكل ما يحمله من دلالات، ليس وعدًا آليًا لغيرها بالصعود، بل اختبارًا قاسيًا لمن يريد أن يدخل التاريخ من بابه الواسع. فالتاريخ لا يمنح مكانه لمن ينتظر الفرصة، بل لمن يصنعها، لأن التاريخ لا ينتظر المترددين.

309

| 08 فبراير 2026

المغرب الأقصى.. دولة في توازن صعب وشعب لا يخطئ الاتجاه

قد يبدو الحديث عن المغرب الأقصى من مدخل كرة القدم ضربًا من التبسيط، لكنه في الحقيقة مدخل كاشف، ذكي، وإنساني، يتيح لنا أن نرى ما هو أبعد من المستطيل الأخضر. فحين منحت كرة القدم المغرب كأس العرب في الدوحة قبل أشهر، وحين كافح باقتدار من أجل بطولة إفريقيا، لم يكن الإنجاز رياضيًا فحسب، بل كان تعبيرًا رمزيًا عن مسار حضاري طويل، بطيء في إيقاعه، لكنه ثابت في اتجاهه. المغرب ليس بلدًا طارئًا في تاريخ الإسلام ولا في الجغرافيا العربية. هو المغرب الأقصى بالمعنى الحضاري قبل الجغرافي: أقصى الامتداد الغربي للحضارة الإسلامية، وبوابة تفاعلها مع أوروبا وإفريقيا، ورافعة من روافع العروبة والإسلام عبر قرون. منه خرج العلماء والفقهاء والرحالة، وفيه تأسست جامعة القرويين، أقدم جامعة ما تزال قائمة في العالم، شاهدة على أن الاعتدال المعرفي والعقلاني كان جزءًا أصيلًا من تكوين هذا البلد. كرة القدم، في هذا السياق، لم تكن إلا مرآة عاكسة. ما كشفه اللاعب المغربي في الدوحة أو في ملاعب إفريقيا لم يكن مجرد مهارة أو لياقة، بل منظومة قيم. رأينا منتخبًا ينافس بشراسة دون انزلاق أخلاقي، ويقاتل حتى اللحظة الأخيرة دون فقدان للروح الرياضية. رأينا لاعبين يقبّلون رؤوس أمهاتهم، يرفعونهن إلى منصة المجد، ويعيدون الاعتبار لقيمة الأم في زمن الاستهلاك الإعلامي السريع. كان مشهدًا إنسانيًا بليغًا، لا يقل عمقًا عن أي خطاب فكري أو سياسي. هذه الأخلاق ليست مصادفة. إنها امتداد لثقافة مغربية ضاربة في الجذور: ثقافة الضيافة، والتواضع، والتوازن بين الأصالة والتحديث. المغرب، بخلاف تجارب عربية أخرى، اختار أن يقود نهضته بهدوء. لا شعارات كبرى، ولا قفز في المجهول، بل إصلاحات تراكمية، سياسية واقتصادية وفكرية، تحاول باستمرار أن تمسك العصا من الوسط: بين الدين والدولة، بين التراث والحداثة، بين الانفتاح والحفاظ على الهوية. سياسيًا، شكّل المغرب واحة اعتدال في محيط إقليمي مضطرب. لم يكن محايدًا بالمعنى الأخلاقي، لكنه كان حذرًا في خياراته، مدركًا أن الاستقرار ليس نقيضًا للكرامة، وأن الإصلاح أحيانًا يحتاج نفسًا طويلًا. هذا الاعتدال، الذي قد يُساء فهمه أحيانًا، هو في جوهره تعبير عن عقل تاريخي خبر الانكسارات وتعلم من التجارب. إن ما فعله المغرب في ملاعب كرة القدم هو ما يفعله منذ عقود في السياسة والفكر: الحضور الهادئ، الأداء المتقن، والقدرة على كسب الاحترام قبل التصفيق. ولذلك، حين نفرح لفوز رياضي مغربي، فإننا في العمق نحتفي بنموذج عربي ممكن، لا يصرخ، لا يزايد، لكنه يراكم. المغرب الأقصى ليس مجرد فريق فاز بكأس أو نافس على بطولة. إنه فكرة: فكرة أن النهضة لا تحتاج ضجيجًا، وأن الأخلاق يمكن أن تكون جزءًا من القوة، وأن العروبة والإسلام قادران، حين يتحرران من التطرف والادعاء، على إنتاج الجمال. حتى في كرة القدم. وطبعًا، سيسألني صديقٌ، وربما أكثر من صديق: هل يُسمّى التطبيع مع احتلال يقتل الفلسطينيين على مدار الساعة حكمةً واعتدالًا؟ وسأجيبه، بمنتهى الثقة واليقين: إن أي علاقة مع احتلال مجرم، غاصب، قاتل، لن تكون يومًا مقبولة أخلاقيًا أو إنسانيًا، لا سياسيًا ولا حضاريًا، لا سيما إذا جاءت من أخٍ في الدين، وشريكٍ في اللغة، ورفيقٍ في المصير التاريخي. ففلسطين ليست ملفًا دبلوماسيًا، بل معيارًا أخلاقيًا، ومن يسقط فيه يسقط كثيرًا. غير أن الإنصاف يقتضي القول إن موقف الدولة شيء، وموقف الشعب شيء آخر، والمغاربة عبّروا، بوضوح لا لبس فيه، عن موقعهم الحقيقي من هذه القضية. كانوا – وربما ما زالوا – الشعب العربي الوحيد الذي ظل يخرج إلى الشوارع بالآلاف، بلا كلل ولا ملل، يهتف لفلسطين، يرفض الإبادة، ويعلن انحيازه الصريح للمقاومة بوصفها حقًا مشروعًا في مواجهة احتلال إحلالي عنصري. لم تكن فلسطين عند المغاربة “قضية خارجية”، بل جرحًا داخليًا، وواجبًا أخلاقيًا، وامتدادًا طبيعيًا لهويتهم. وهنا تتجلى إحدى مفارقات المغرب الجميلة: دولة تحاول إدارة توازنات صعبة في عالم قاسٍ، وشعب يحتفظ ببوصلة أخلاقية لا تخطئ الاتجاه. وهذا في ذاته دليل على حيوية المجتمع المغربي، وعلى أن الاعتدال لا يعني الخنوع، وأن الحكمة لا تعني التخلي عن الثوابت. فالمغاربة، وهم يرفعون علم فلسطين في الرباط والدار البيضاء وطنجة، إنما يذكّرون الجميع بأن العروبة ليست شعارًا، بل التزامًا، وأن الإسلام ليس طقسًا، بل موقفًا. وحين نعود إلى التاريخ، نجد أن للمغاربة بابًا في القدس، ليس مجازًا بل حقيقة: باب المغاربة. بابٌ فتحه صلاح الدين الأيوبي تكريمًا لهم، لأنهم كانوا في قلب معركة التحرير، سيفًا وفكرًا ورباطًا. ذلك الباب ليس حجرًا فقط، بل رمز لدور حضاري لم ينقطع، وإن حاولت السياسة أحيانًا أن تربكه أو تؤجله. باب المغاربة هو الذاكرة التي تقول إن المغرب كان هنا، وسيبقى هنا، ما بقي للقدس معنى. من باب المغاربة نطل على الماضي فنرى القوافل والعلماء والمجاهدين، ونطل على المستقبل فنرى أجيالًا جديدة تهتف لفلسطين بلغات العصر وأدواته، دون أن تنسى جذورها. هناك، عند ذلك الباب، يلتقي التاريخ بالرياضة، والفكر بالسياسة، والأخلاق بالفعل اليومي. وهناك نفهم أن المغرب، وهو يقود نهضته ببطء وثبات، لا يفعل ذلك خارج قضايا أمته، بل من داخلها، وبضميرٍ حيّ، مهما حاولت اللحظة السياسية أن تُربك الصورة. هكذا يبقى المغرب الأقصى: رافعة حضارية، وواحة اعتدال، وذاكرة مقاومة، وبابًا مفتوحًا… اسمه باب المغاربة، لا يُغلق في وجه فلسطين، ولا في وجه المستقبل.

255

| 29 يناير 2026

خذلتنا الأنوار وبقيت غزة

لم تكن خيبة العالم وليدة لحظة، بل تراكمًا طويلًا من الوعود المكسورة، والأفكار التي بدت يومًا خلاصًا قبل أن تنكشف هشاشتها أمام أول امتحان حقيقي للعدالة. جيلٌ كامل آمن بأن القيم الكونية قادرة على تجاوز الجغرافيا، وبأن الحرية والكرامة لا تُجزّأ، وبأن المعرفة طريق لا يخذل سالكيه. غير أن السنوات، بما حملته من صدمات وتجارب، كشفت أن كثيرًا من تلك القيم كانت انتقائية، تُرفع كشعارات وتُسقط عند أول تعارض مع المصالح. وفي قلب هذا الانكشاف، وقفت فلسطين، ثم غزة، بوصفها اللحظة الفاصلة التي أسقطت الأقنعة، ووضعت العالم أمام صورته العارية. هنا، برزت جهود قطر ليس فقط بالمساعدات الإنسانية، بل أيضًا بالوساطة الدبلوماسية من أجل وقف النار وإنقاذ المدنيين، حتى أن دماء القطريين اختلطت بدم الفلسطينيين، شاهدة على التزامهم بالواجب الإنساني في ظل عالم يتراجع عن مسؤولياته. في غزة، لا يأتي الموت على هيئة واحدة. يجيء قصفًا يختصر العمر في ثانية، وحصارًا يمدّه عذابًا على سنوات، وجوعًا يتسلّل ببطء إلى الأجساد، ومرضًا يُمنع عنه الدواء عمدًا، وخوفًا دائمًا لا ينام. في غزة، لا يُقتل الإنسان فقط، بل تُستنزف إنسانيته قبل أن يسقط جسده، وكأن المقصود ليس إنهاء الحياة، بل محو المعنى ذاته. غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب، بل شهادة حيّة على انهيار النظام الأخلاقي والقانوني العالمي. تُقصف المستشفيات، وتُستهدف المدارس، ويُترك الأطفال تحت الأنقاض، ثم تُكتب البيانات ببرود، وكأن الدم الفلسطيني تفصيل زائد في نشرات الأخبار. ما يحدث هناك ليس «أضرارًا جانبية»، بل جريمة مكتملة الأركان، تُرتكب على مرأى من عالم يمتلك كل أدوات المنع، ويختار الصمت أو التواطؤ. في السياسة الدولية، تكشف غزة هشاشة نظام دوليّ بُني على الكيل بمكيالين. تُعلَّق القوانين حين يكون الضحية فلسطينيًا، وتُعطَّل المحاسبة حين يكون الجاني محميًا بالقوة والنفوذ. دول ترفع رايات الحرية، لكنها تُصدّر السلاح، وتمنح الغطاء السياسي لمن يهدم البيوت فوق ساكنيها. هكذا تتحوّل السياسة الدولية من إدارة العلاقات بين الدول وحل النزاعات بالوسائل السلمية إلى شراكة في الجريمة، ومن حماية للشعوب إلى تنظيم للموت. ما جرى في غزة يُصنَّف بوضوح ضمن جرائم الإبادة الجماعية، والحصار الجماعي، والاستهداف المتعمد للمدنيين، ومنع الغذاء والماء والدواء، كلها محرّمة بنصوص صريحة في القانون الدولي الإنساني. ومع ذلك، تقف العدالة الدولية عاجزة أو مترددة، وكأن القانون كُتب ليُطبّق على الضعفاء وحدهم، لا على من يملكون القوة، لا بل إن تلك العدالة نفسها أصبحت مستهدفة بالعقوبات الأمريكية مثلما هو الحال بالنسبة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية ودولة جنوب أفريقيا التي رفعت دعوى ارتكاب الإبادة ضد الكيان الصهيوني. لكن غزة ليست ملفات وتقارير، غزة بشر، أمهات يودّعن أبناءهن بلا كفن، وآباء يحفرون بأيديهم في الركام بحثًا عن حياة، وأطفال تعلّموا أسماء الطائرات قبل الحروف. ومع ذلك، لا تزال غزة تُنجب الصبر، وتعلّم العالم معنى الكرامة حين تُسلب كل أسبابها. هناك، يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة، ويغدو التشبث بالحياة موقفًا أخلاقيًا في وجه آلة الموت. دينيًا، ما يحدث في غزة امتحان للضمير الإنساني قبل أن يكون ابتلاءً لأهلها. فالقتل بغير حق من أعظم الجرائم، والسكوت عنه مشاركة فيه. يقول الله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا». وغزة اليوم تُقتل ألف مرة، لا بيد الجاني وحده، بل بأيدي من يبرّر، ومن يصمت، ومن يساوي بين الضحية والجلاد. ولأن الصمت لا يبقى محايدًا طويلًا، ولأن التواطؤ لا يتوقف عند لحظة الجريمة، يخطئ من يظنّ أن هذا الموت سيظلّ محصورًا في غزة، أو أن نيرانه ستنطفئ عند أسوارها.. فالتاريخ علّمنا أن الظلم لا يتوقف عند حدوده الأولى، وأن الدم إذا استُبيح في مكان، تجرّأ في أماكن أخرى. الموت الذي أصاب الفلسطينيين لن يستثني أحدًا من المتواطئين، بما في ذلك الجاني نفسه. فالأيام، كما شهدتها دول من قبل، لا تنسى، ولا تُهمل الحساب. غزة اليوم ليست فقط مأساة شعب، بل مرآة عالم. فيها يُختبر معنى العدالة، وصدق القيم، وحدود الإنسانية. ومن خذلها الآن، سيجد نفسه يومًا واقفًا أمام السؤال ذاته: أين كنتَ حين كان الموت يُصنَّف، والضحايا يُنتقون، والحق يُدفن تحت الأنقاض؟ غزة، في جوهرها، ليست استثناءً في التاريخ، بل نتيجته حين يُترك الظلم بلا كلفة، ويُعاد تعريف الإنسانية وفق موازين القوة. ما يجري فيها اليوم يختصر مسار عالمٍ اختار أن يرى، ثم أن يتجاهل، ثم أن يبرّر. لكنها، رغم كل ذلك، ترفض أن تكون خاتمة القصة. ففي هذا الركام، حيث تتآكل الأجساد وتُحاصر الأرواح، يتشبث الفلسطيني بالحياة لا بوصفها غريزة فقط، بل موقفًا أخلاقيًا في وجه عالم قرر التخلي عن معاييره. غزة لم تترك وحدها ؛ جهود قطر، سواء بالمساعدات الإنسانية أو الدبلوماسية، تجسد مثالًا حيًا على أن التضامن مع المستضعفين يحتاج أكثر من المال، يحتاج شجاعة وصدق التزام، حتى لو اختلط دم المُخلصين بدم الضحايا. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد ماذا يحدث لغزة، بل ماذا يبقى من عالم يتجاهل أو يؤخر فعل العدالة؟!

177

| 21 يناير 2026

من غرينلاند إلى غزة.. اختبار السيادة في عالم القوة

لم تكن جزيرة غرينلاند، لعقود طويلة، أكثر من هامش جغرافي في خرائط القوة العالمية؛ وأرض متجمدة، قليلة السكان، تتبع التاج الدنماركي، ولا تحضر في النقاشات الدولية إلا بوصفها امتداداً صامتاً للقطب الشمالي. غير أن التاريخ، كما علّمنا، لا يعترف بالهامش طويلاً. فحين تتغير موازين القوة، تتحول الأطراف المنسية إلى مراكز جذب، وتصبح الجغرافيا نفسها أداة صراع. اليوم، تقف غرينلاند في قلب جدل أمريكي ـ أوروبي غير مسبوق، لا بسبب سكانها ولا نظامها السياسي، بل لأنها تختصر تحولات أعمق في مفهوم السيادة، والتحالف، والدور الأوروبي في عالم يعاد تشكيله بقوة الأمر الواقع. ذوبان الجليد في القطب الشمالي لم يكن مجرد ظاهرة بيئية، بل حدث جيواستراتيجي بامتياز. فالممرات البحرية الجديدة، والمعادن النادرة، ومواقع الإنذار المبكر، جعلت من غرينلاند قطعة شطرنج ثمينة في صراع القوى الكبرى. هنا، لم تعد الجزيرة مجرد إقليم تابع، بل تحولت إلى أصل استراتيجي يسيل له لعاب الولايات المتحدة وروسيا والصين على حد سواء. غير أن المفارقة أن الصراع لم يبدأ بين خصوم تقليديين، بل داخل المعسكر الغربي نفسه. حين عاد الحديث الأمريكي ـ لا سيما في عهد دونالد ترامب ـ عن إمكانية «ضم» غرينلاند، بدا الأمر للوهلة الأولى استفزازاً أو مزحة سياسية. لكن القراءة المتأنية تكشف أنه تعبير صريح عن تحوّل أعمق في الذهنية الأمريكية: الحلفاء لم يعودوا شركاء متساوين، بل أطراف في معادلة قوة، يمكن الضغط عليهم، أو تجاوزهم، أو حتى التعامل معهم بمنطق الصفقة. في هذا السياق، لم تعد السيادة قيمة مقدسة داخل التحالفات، بل متغير خاضع لموازين القوة. وهنا تحديداً يظهر التناقض: كيف يمكن لحلفٍ قام، نظرياً، على الدفاع الجماعي واحترام حدود الدول الأعضاء، أن يجد نفسه أمام تهديد صادر من القوة التي تقوده؟ التحذير الدنماركي من أن أي اعتداء أمريكي على غرينلاند قد يعني نهاية حلف الناتو لم يكن انفعالاً سياسياً، بل إشارة خطيرة إلى فراغ بنيوي داخل الحلف. فالناتو صُمم لردع الخصوم الخارجيين، لا لضبط سلوك الدولة الأقوى داخله. المادة الخامسة، التي تشكل جوهر الحلف، تفترض تهديداً من الخارج. لكنها تصمت تماماً عندما يأتي الضغط من الداخل. وهنا، تنكشف هشاشة مفهوم «التحالف» حين يغيب التوازن، وتتحول القيادة إلى هيمنة. أوروبا من لاعب إلى شاهد الموقف الأوروبي الموحّد الذي أكد أن غرينلاند ملك لشعبها، وأن القرار يخص كوبنهاغن ونوك وحدهما، بدا أخلاقياً وقانونياً، لكنه في جوهره دفاعي. أوروبا لم تتحدث من موقع القوة، بل من موقع القلق: القلق من سابقة خطيرة، ومن تآكل ما تبقى من استقلال القرار الأوروبي. وهذا القلق لا ينفصل عن مشهد أوسع لتراجع الدور الأوروبي عالمياً. فالقارة التي كانت يوماً مركز النظام الدولي، باتت اليوم رقماً على الهامش، تُستدعى عند الحاجة، وتُهمَّش عند اتخاذ القرار. ليس صدفة أن يتقاطع الجدل حول غرينلاند مع مؤتمر «تحالف الراغبين» الذي استضافته باريس لدعم أوكرانيا. فالمشهد كان كاشفاً: أوروبا تحاول إظهار وحدة سياسية، بينما الولايات المتحدة ترسل مبعوثيها من الصف الثاني ـ ويتكوف وكوشنر ـ بدل وزير الخارجية. الرسالة كانت واضحة: القرار ليس في باريس، ولا في برلين، بل في واشنطن. وأوروبا، مهما عقدت من قمم، تبقى في موقع المتلقي لا المبادر. ما الذي تكشفه غرينلاند حقاً؟ غرينلاند ليست سوى مرآة. مرآة تعكس: تراجع الدور الأوروبي من شريك إلى تابع، تحوّل مفهوم التحالف من التزام متبادل إلى علاقة قوة، عجز الناتو عن حماية أعضائه من ضغوط قائده، عالم يُعاد ترتيبه لا بالقانون، بل بالقدرة على فرض الأمر الواقع.في هذا العالم، لم تعد الجغرافيا صامتة، ولم تعد التحالفات ضمانة، ولم يعد التاريخ يكتب في العواصم الأوروبية كما كان. غرينلاند، بجليدها الذائب، كشفت ما هو أعمق من صراع على جزيرة. كشفت أن زمن التحالفات المتكافئة يذوب هو الآخر، وأن من لا يملك القوة، سيُطلب منه دائماً أن يكتفي بالبيانات بينما تُكتب الخرائط في مكان آخر. غير أن الصورة الأكثر عمقاً لا تكمن في جزيرة تتنازعها المصالح، بل في المعايير التي تُدار بها هذه المصالح. فغرينلاند، في جوهرها، ليست سوى اختبار جديد لانتقائية النظام الغربي في الدفاع عن السيادة والقانون. هذه الانتقائية نفسها ظهرت بوضوح حين انتقلت القوة الأمريكية من موقع الحليف إلى موقع المقرِّر، دون أن تجد اعتراضاً أوروبياً يُذكر في ساحات أشد دموية وأوضح انتهاكاً للقانون الدولي. فعندما كانت الولايات المتحدة تزوّد الاحتلال الإسرائيلي بأعتى الأسلحة وأكثرها فتكاً، وتُستخدم تلك الترسانات في قتل الفلسطينيين في غزة، لم نسمع موقفاً أوروبياً بحجم الفاجعة، ولم نرَ قلقاً على القانون الدولي ولا على سيادة القيم التي طالما بشّرت بها أوروبا. وحدها المؤسسات القضائية الدولية تجرأت على تسمية الجريمة باسمها، فيما فضّلت العواصم الأوروبية الصمت، أو الاختباء خلف لغة «القلق» و»الدعوات إلى ضبط النفس». وهنا، يصبح الصراع على غرينلاند مفهوماً في سياقه الأوسع: أوروبا التي قبلت أن تكون شاهدة على جريمة موثّقة، لا يمكنها أن تتوقع أن تُعامَل شريكاً متكافئاً حين تمسّ الهيمنة الأمريكية مصالحها المباشرة. فالتاريخ علّمنا أن الظلم، حين يُعلَن ويُبرَّر، لا يبقى بلا ثمن، وأن من يُطلق يد القوة خارج أي قيد قانوني أو أخلاقي، سرعان ما يجد تلك القوة نفسها وقد ارتدّت عليه، أو على أقرب حلفائه. بهذا المعنى، ليست غرينلاند سوى حلقة في سلسلة واحدة: عالم يُدار بمنطق القوة العارية، حيث يُغضّ الطرف عن الجرائم حين تخدم الحليف الأقوى، ثم يُستغرب لاحقاً أن تمتد اليد نفسها لتعيد رسم الخرائط، وتعيد تعريف التحالفات، بلا اعتبار لقانون أو شراكة أو تاريخ.

210

| 14 يناير 2026

مادورو على السفينة.. القوة الأمريكية بين الشماتة والهيمنة

في التاريخ السياسي الحديث، نادرًا ما كانت الصورة مجرّد صورة، فهي في لحظات التحوّل الكبرى، تتحوّل إلى خطاب كامل، وإلى وثيقة سلطة لا تقل فتكًا عن البيان العسكري. صورة نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي المعتقل، على متن السفينة الحربية الأمريكية “يو إس إس إيو جيما”، كما نشرها دونالد ترامب ببرود مقصود، ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل تكثيفٌ فاضح لها. منذ قرون، مارست الإمبراطوريات قوتها عبر الإخضاع العسكري، لكنها حرصت غالبًا على تغليف هذا الإخضاع بلغة القانون أو “رسالة الحضارة”. الجديد في لحظة ترامب ليس الفعل ذاته، بل الطريقة: لا حاجة للتبرير، ولا خجل من الشماتة، ولا محاولة لإخفاء فائض القوة. صورة واحدة، وتعليق من سبع كلمات، كانا كافيين لتحويل رئيس دولة إلى “غنيمة”، وتحويل سفينة حربية إلى منصة عرض سياسية. اختيار “إيو جيما” لم يكن تفصيلاً تقنيًا. الاسم محمّل في الذاكرة الأمريكية برمز الإخضاع الحاسم في الحرب العالمية الثانية، وبصورة رفع العلم فوق أرض مهزومة. حين يوضع مادورو على متن هذه السفينة، لا يُعتقل فقط، بل يُسحب من سياق السيادة إلى سردية الهزيمة التاريخية، ويُعاد تعريفه لا بوصفه خصمًا سياسيًا، بل كأثر جانبي لانتصار مكتمل. إن ما فعله ترامب يتجاوز إسقاط نظام في فنزويلا، إلى إعادة تعريف كيفية ممارسة الهيمنة الأمريكية. في تصريحاته اللاحقة، بدا رئيس الولايات المتحدة لا كزعيم دولة خاضعة لقواعد دولية، بل كمدير مسرح يشاهد خصمه يُقاد إلى الأسر عبر شاشة، ويحرص على إخبار العالم بأنه تابع المشهد لحظة بلحظة. هنا تتحوّل السياسة إلى عرض مباشر، ويتحوّل الاعتقال إلى مشهد استهلاكي موجّه للرأي العام. الأخطر من الصورة ذاتها هو ربطها الصريح بالنفط. لم يتحدث ترامب عن الديمقراطية ولا عن حقوق الإنسان إلا عرضًا، بل جعل النفط الفنزويلي في قلب الرواية، معلنًا أن واشنطن ستدير المرحلة المقبلة، وأن شركاتها ستدخل بقوة. بهذا المعنى، لا تبدو فنزويلا دولة خارجة من أزمة، بل مساحة مُعاد تنظيمها وفق منطق الغنيمة الاقتصادية، حيث تُعاد كتابة الجغرافيا السياسية بلغة السوق. إن الشماتة العلنية التي حملتها الصورة تمثل قطيعة مع تقاليد الردع “المهذب” الذي ساد الحرب الباردة. لم يعد المطلوب إيصال رسالة خفية، بل إهانة واضحة، لأن الإهانة بحد ذاتها أصبحت أداة من أدوات السيطرة. حين يُعرض رئيس دولة معتقلًا، فالمقصود ليس مادورو وحده، بل كل من يفكر في تحدي الإرادة الأمريكية خارج شروطها. داخليًا، حمل المشهد رسالة تخويف للموالين، ورسالة تعليق مفتوح لمصير القيادة المقبلة. لم يعد السؤال: من يحكم فنزويلا؟ بل: متى وكيف تقرر واشنطن من يحكمها. أما دوليًا، فإن ثقة ترامب بغياب اعتراض صيني أو دولي، طالما بقي النفط في المعادلة، تكشف عودة منطق الصفقات العارية إلى قلب النظام العالمي. في المحصلة، صورة مادورو على متن “يو إس إس إيو جيما” ليست حادثة إعلامية، بل علامة على مرحلة تُدار فيها السياسة بالصورة كما تُدار بالقوة. مرحلة يُعاد فيها تعريف السيادة من موقع المنتصر، ويُختزل فيها التاريخ الإنساني للشعوب في لقطة واحدة، تقول بلا مواربة: من يملك القوة، يملك الحق في السرد، وفي الإذلال، وفي تقرير مصير الآخرين. من منظور علم الاجتماع السياسي المعاصر، لا يُعدّ هذا الاستعراض الفجّ للقوة علامة رسوخ، بل نذير اهتزاز. فالتجارب التاريخية المتراكمة، من ميشيل فوكو إلى منظّري الدولة الحديثة، تكاد تتفق على أن السلطة حين تُمارَس بلا مواربة، ويتحوّل الغرور إلى خطاب رسمي، تصبح هذه السلطة نفسها معرضة للانهيار من الداخل. فالقوة التي تتخلى عن الحكمة، وتستغني عن الحد الأدنى من التوازن الأخلاقي، تبدأ في تقويض شروط دوامها، مهما بدا سطوعها الخارجي مؤقتًا ومخيفًا. أما نحن، أبناء هذا العالم الإسلامي المثقل بالخذلان، فلا نقرأ هذه الصور بمنطق اليأس ولا بمنطق التماهي مع المنتصر، بل بمنطق الثقة في عدالة الرحمن. فالإيمان العميق بأن الله لا يخذل المظلوم، وأن الظلم لا يدوم، يمنحنا قدرة أخلاقية على الصبر دون استسلام، وعلى انتظار الانتصار دون وهم الاستعجال. قد يتأخر ميزان العدالة في الزمن السياسي، لكنه لا يسقط في ميزان السماء، وكم من قوة بدت أبدية، ثم تهاوت حين حان موعد الحساب، ولو بعد حين.

267

| 07 يناير 2026

الدوحة.. هوية تُبنى بهدوء وتُخاطب العالم بثقة

في زمنٍ تتسابق فيه المدن على ناطحات السحاب، وتتنافس الدول على مظاهر القوة الخشنة، اختارت الدوحة طريقًا مختلفًا: طريق المعنى، والهوية، والقيم. لم تقدّم نفسها للعالم باعتبارها مدينة حديثة فحسب، بل باعتبارها نموذجًا عربيًا إسلاميًا معاصرًا، قادرًا على الجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الانفتاح والاعتزاز بالذات. من كأس العالم لكرة القدم 2022، بدأت الحكاية تتشكل بوضوح، لم يكن الحدث مجرد بطولة رياضية، بل لحظة ثقافية وحضارية بامتياز، العالم الذي جاء إلى الدوحة فوجئ بصورة أخرى للعرب والمسلمين: ضيافة دافئة، واحترام للخصوصية، وحضور طبيعي للهوية الإسلامية في الفضاء العام دون صخب أو ادعاء. المساجد القريبة من الملاعب، وصوت الأذان، ومظاهر الحياء في التنظيم، كلها رسائل غير مباشرة، لكنها بالغة التأثير. لقد قُدّم الإسلام هنا كما هو: دين حياة، ونظام قيم، لا عائقًا أمام الحداثة ولا نقيضًا لها. وإذا كانت المساجد في الدوحة قد لفتت الأنظار بجمالها المعماري وعمق رمزيتها، فإن الأهم هو ما تمثله من تعظيمٍ لشعائر الله في زمن التهميش والاختزال. مساجد تليق بالإسلام والمسلمين، لا بوصفها معالم سياحية فقط، بل بوصفها مراكز للسكينة، والدعاء، والتفكر. وفي هذا السياق، لم يكن غريبًا أن تستضيف الدوحة دعاة ومفكرين وسطيين قدّموا الإسلام على حقيقته، بعيدًا عن التشدد، وبعيدًا عن التمييع، إسلام العقل والروح، والعدل والرحمة. منتدى الدوحة، بدوره، شكّل منصة فكرية وسياسية تعكس هذا التوجه، لقاء قادة العالم، وصناع القرار، والمفكرين، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل محاولة جادة لبحث أسس الاستقرار في عالم مضطرب، وشروط السلام في زمن تتآكل فيه القيم المشتركة. هنا، لا تُفرض الرؤى بالقوة، بل تُناقش بالعقل، ويُستدعى البعد الأخلاقي إلى قلب السياسة الدولية. وفي الاتجاه نفسه، يأتي مؤتمر مكافحة الفساد، الذي لا يكتفي بالشعارات، بل يكرّم العاملين في مواجهته، ويجعل من النزاهة قيمة عملية لا خطابًا نظريًا. فالدولة التي تحتفي بمن يحارب الفساد، إنما تؤسس لثقافة عامة تحترم القانون، وتربط بين التنمية والعدالة، وبين الحكم الرشيد وكرامة الإنسان. أما كأس العرب لكرة القدم، فكانت بدورها احتفالًا بالهوية العربية الجامعة، بطولة أعادت الاعتبار لفكرة «العالم العربي” بوصفه فضاءً ثقافيًا وإنسانيًا مشتركًا، لا مجرد جغرافيا متنازعة. في المدرجات، وفي الشوارع، وفي الاحتفالات، حضرت اللغة العربية، واللهجات، والأغاني، والرموز، كأنها تقول إن ما يجمعنا ما يزال أكبر مما يفرقنا. ويأتي أخيرًا، وليس آخرًا، مشروع «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية”، بوصفه ذروة هذا المسار. معجم لا يقدّم لغتنا للعالم فقط، بل يعيد تقديمها لأجيالنا الجديدة، التي كادت تبتلعها عوالم التقنيات الحديثة واللغات الهجينة. إنه استثمار في الذاكرة، وفي المستقبل معًا، وتأكيد على أن اللغة ليست ماضيًا جامدًا، بل كائن حي يتجدد بالبحث والمعرفة. لا أقول إن كل هذا مجرد «قوة ناعمة” تُستخدم لكتابة التاريخ وصناعة الرأي، وإن كان كذلك أيضًا. لكنني أستحضر ما قاله المتنبي: «وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم ”. الدوحة لم تنشغل بتضخيم الصغائر، بل اشتغلت على العظائم بهدوء الواثق. ولذلك، بدت عظيمة. حتى حين لم تقل ذلك صراحة.

300

| 30 ديسمبر 2025

الدوحة.. هوية تُبنى بهدوء وتُخاطب العالم بثقة

في زمنٍ تتسابق فيه المدن على ناطحات السحاب، وتتنافس الدول على مظاهر القوة الخشنة، اختارت الدوحة طريقًا مختلفًا: طريق المعنى، والهوية، والقيم. لم تقدّم نفسها للعالم باعتبارها مدينة حديثة فحسب، بل باعتبارها نموذجًا عربيًا إسلاميًا معاصرًا، قادرًا على الجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الانفتاح والاعتزاز بالذات. من كأس العالم لكرة القدم 2022، بدأت الحكاية تتشكل بوضوح. لم يكن الحدث مجرد بطولة رياضية، بل لحظة ثقافية وحضارية بامتياز. العالم الذي جاء إلى الدوحة فوجئ بصورة أخرى للعرب والمسلمين: ضيافة دافئة، واحترام للخصوصية، وحضور طبيعي للهوية الإسلامية في الفضاء العام دون صخب أو ادعاء. المساجد القريبة من الملاعب، وصوت الأذان، ومظاهر الحياء في التنظيم، كلها رسائل غير مباشرة، لكنها بالغة التأثير. لقد قُدّم الإسلام هنا كما هو: دين حياة، ونظام قيم، لا عائقًا أمام الحداثة ولا نقيضًا لها. وإذا كانت المساجد في الدوحة قد لفتت الأنظار بجمالها المعماري وعمق رمزيتها، فإن الأهم هو ما تمثله من تعظيمٍ لشعائر الله في زمن التهميش والاختزال. مساجد تليق بالإسلام والمسلمين، لا بوصفها معالم سياحية فقط، بل بوصفها مراكز للسكينة، والدعاء، والتفكر. وفي هذا السياق، لم يكن غريبًا أن تستضيف الدوحة دعاة ومفكرين وسطيين قدّموا الإسلام على حقيقته: بعيدًا عن التشدد، وبعيدًا عن التمييع، إسلام العقل والروح، والعدل والرحمة. منتدى الدوحة، بدوره، شكّل منصة فكرية وسياسية تعكس هذا التوجه. لقاء قادة العالم، وصناع القرار، والمفكرين، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل محاولة جادة لبحث أسس الاستقرار في عالم مضطرب، وشروط السلام في زمن تتآكل فيه القيم المشتركة. هنا، لا تُفرض الرؤى بالقوة، بل تُناقش بالعقل، ويُستدعى البعد الأخلاقي إلى قلب السياسة الدولية. وفي الاتجاه نفسه، يأتي مؤتمر مكافحة الفساد، الذي لا يكتفي بالشعارات، بل يكرّم العاملين في مواجهته، ويجعل من النزاهة قيمة عملية لا خطابًا نظريًا. فالدولة التي تحتفي بمن يحارب الفساد، إنما تؤسس لثقافة عامة تحترم القانون، وتربط بين التنمية والعدالة، وبين الحكم الرشيد وكرامة الإنسان. أما كأس العرب لكرة القدم، فكان بدوره احتفالًا بالهوية العربية الجامعة. بطولة أعادت الاعتبار لفكرة “العالم العربي” بوصفه فضاءً ثقافيًا وإنسانيًا مشتركًا، لا مجرد جغرافيا متنازعة. في المدرجات، وفي الشوارع، وفي الاحتفالات، حضرت اللغة العربية، واللهجات، والأغاني، والرموز، كأنها تقول إن ما يجمعنا ما يزال أكبر مما يفرقنا. ويأتي أخيرًا، وليس آخرًا، مشروع “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية”، بوصفه ذروة هذا المسار. معجم لا يقدّم لغتنا للعالم فقط، بل يعيد تقديمها لأجيالنا الجديدة، التي كادت تبتلعها عوالم التقنيات الحديثة واللغات الهجينة. إنه استثمار في الذاكرة، وفي المستقبل معًا، وتأكيد على أن اللغة ليست ماضيًا جامدًا، بل كائنًا حيًا يتجدد بالبحث والمعرفة. لا أقول إن كل هذا مجرد “قوة ناعمة” تُستخدم لكتابة التاريخ وصناعة الرأي، وإن كان كذلك أيضًا. لكنني أستحضر ما قاله المتنبي: “وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم”. الدوحة لم تنشغل بتضخيم الصغائر، بل اشتغلت على العظائم بهدوء الواثق. ولذلك، بدت عظيمة. حتى حين لم تقل ذلك صراحة. كاتب وإعلامي تونسي مقيم في لندن

402

| 25 ديسمبر 2025

alsharq
شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...

6714

| 23 فبراير 2026

alsharq
عندما كانوا يصومون

رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...

798

| 25 فبراير 2026

alsharq
تحديات الحضانة

تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...

711

| 20 فبراير 2026

alsharq
زاد القلوب

كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...

681

| 20 فبراير 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

669

| 25 فبراير 2026

alsharq
قفزة تاريخية في السياحة

كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...

591

| 22 فبراير 2026

alsharq
التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...

591

| 24 فبراير 2026

alsharq
سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...

543

| 23 فبراير 2026

alsharq
الجسد تحت منطق «التكميم الرقمي»

انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...

504

| 19 فبراير 2026

alsharq
هكذا يصنع الصيام مجتمعاً مترابطاً

لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...

495

| 22 فبراير 2026

alsharq
الكلمة الطيبة عبادة

الكلمة في ميزان الإسلام ليست صوتًا يذوب في...

483

| 24 فبراير 2026

alsharq
قطر ومجلس السلام

تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...

471

| 20 فبراير 2026

أخبار محلية