رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

171

عادل الحامدي

من غرينلاند إلى غزة.. اختبار السيادة في عالم القوة

14 يناير 2026 , 02:29ص

لم تكن جزيرة غرينلاند، لعقود طويلة، أكثر من هامش جغرافي في خرائط القوة العالمية؛ وأرض متجمدة، قليلة السكان، تتبع التاج الدنماركي، ولا تحضر في النقاشات الدولية إلا بوصفها امتداداً صامتاً للقطب الشمالي. غير أن التاريخ، كما علّمنا، لا يعترف بالهامش طويلاً. فحين تتغير موازين القوة، تتحول الأطراف المنسية إلى مراكز جذب، وتصبح الجغرافيا نفسها أداة صراع. اليوم، تقف غرينلاند في قلب جدل أمريكي ـ أوروبي غير مسبوق، لا بسبب سكانها ولا نظامها السياسي، بل لأنها تختصر تحولات أعمق في مفهوم السيادة، والتحالف، والدور الأوروبي في عالم يعاد تشكيله بقوة الأمر الواقع.

ذوبان الجليد في القطب الشمالي لم يكن مجرد ظاهرة بيئية، بل حدث جيواستراتيجي بامتياز. فالممرات البحرية الجديدة، والمعادن النادرة، ومواقع الإنذار المبكر، جعلت من غرينلاند قطعة شطرنج ثمينة في صراع القوى الكبرى. هنا، لم تعد الجزيرة مجرد إقليم تابع، بل تحولت إلى أصل استراتيجي يسيل له لعاب الولايات المتحدة وروسيا والصين على حد سواء.

غير أن المفارقة أن الصراع لم يبدأ بين خصوم تقليديين، بل داخل المعسكر الغربي نفسه.

حين عاد الحديث الأمريكي ـ لا سيما في عهد دونالد ترامب ـ عن إمكانية «ضم» غرينلاند، بدا الأمر للوهلة الأولى استفزازاً أو مزحة سياسية. لكن القراءة المتأنية تكشف أنه تعبير صريح عن تحوّل أعمق في الذهنية الأمريكية: الحلفاء لم يعودوا شركاء متساوين، بل أطراف في معادلة قوة، يمكن الضغط عليهم، أو تجاوزهم، أو حتى التعامل معهم بمنطق الصفقة. في هذا السياق، لم تعد السيادة قيمة مقدسة داخل التحالفات، بل متغير خاضع لموازين القوة. وهنا تحديداً يظهر التناقض: كيف يمكن لحلفٍ قام، نظرياً، على الدفاع الجماعي واحترام حدود الدول الأعضاء، أن يجد نفسه أمام تهديد صادر من القوة التي تقوده؟ التحذير الدنماركي من أن أي اعتداء أمريكي على غرينلاند قد يعني نهاية حلف الناتو لم يكن انفعالاً سياسياً، بل إشارة خطيرة إلى فراغ بنيوي داخل الحلف. فالناتو صُمم لردع الخصوم الخارجيين، لا لضبط سلوك الدولة الأقوى داخله.

المادة الخامسة، التي تشكل جوهر الحلف، تفترض تهديداً من الخارج. لكنها تصمت تماماً عندما يأتي الضغط من الداخل. وهنا، تنكشف هشاشة مفهوم «التحالف» حين يغيب التوازن، وتتحول القيادة إلى هيمنة.

أوروبا من لاعب إلى شاهد

الموقف الأوروبي الموحّد الذي أكد أن غرينلاند ملك لشعبها، وأن القرار يخص كوبنهاغن ونوك وحدهما، بدا أخلاقياً وقانونياً، لكنه في جوهره دفاعي. أوروبا لم تتحدث من موقع القوة، بل من موقع القلق: القلق من سابقة خطيرة، ومن تآكل ما تبقى من استقلال القرار الأوروبي. وهذا القلق لا ينفصل عن مشهد أوسع لتراجع الدور الأوروبي عالمياً. فالقارة التي كانت يوماً مركز النظام الدولي، باتت اليوم رقماً على الهامش، تُستدعى عند الحاجة، وتُهمَّش عند اتخاذ القرار.

ليس صدفة أن يتقاطع الجدل حول غرينلاند مع مؤتمر «تحالف الراغبين» الذي استضافته باريس لدعم أوكرانيا. فالمشهد كان كاشفاً: أوروبا تحاول إظهار وحدة سياسية، بينما الولايات المتحدة ترسل مبعوثيها من الصف الثاني ـ ويتكوف وكوشنر ـ بدل وزير الخارجية.

الرسالة كانت واضحة: القرار ليس في باريس، ولا في برلين، بل في واشنطن. وأوروبا، مهما عقدت من قمم، تبقى في موقع المتلقي لا المبادر.

ما الذي تكشفه غرينلاند حقاً؟

غرينلاند ليست سوى مرآة. مرآة تعكس: تراجع الدور الأوروبي من شريك إلى تابع، تحوّل مفهوم التحالف من التزام متبادل إلى علاقة قوة، عجز الناتو عن حماية أعضائه من ضغوط قائده، عالم يُعاد ترتيبه لا بالقانون، بل بالقدرة على فرض الأمر الواقع.في هذا العالم، لم تعد الجغرافيا صامتة، ولم تعد التحالفات ضمانة، ولم يعد التاريخ يكتب في العواصم الأوروبية كما كان.

غرينلاند، بجليدها الذائب، كشفت ما هو أعمق من صراع على جزيرة. كشفت أن زمن التحالفات المتكافئة يذوب هو الآخر، وأن من لا يملك القوة، سيُطلب منه دائماً أن يكتفي بالبيانات بينما تُكتب الخرائط في مكان آخر.

غير أن الصورة الأكثر عمقاً لا تكمن في جزيرة تتنازعها المصالح، بل في المعايير التي تُدار بها هذه المصالح. فغرينلاند، في جوهرها، ليست سوى اختبار جديد لانتقائية النظام الغربي في الدفاع عن السيادة والقانون. هذه الانتقائية نفسها ظهرت بوضوح حين انتقلت القوة الأمريكية من موقع الحليف إلى موقع المقرِّر، دون أن تجد اعتراضاً أوروبياً يُذكر في ساحات أشد دموية وأوضح انتهاكاً للقانون الدولي. فعندما كانت الولايات المتحدة تزوّد الاحتلال الإسرائيلي بأعتى الأسلحة وأكثرها فتكاً، وتُستخدم تلك الترسانات في قتل الفلسطينيين في غزة، لم نسمع موقفاً أوروبياً بحجم الفاجعة، ولم نرَ قلقاً على القانون الدولي ولا على سيادة القيم التي طالما بشّرت بها أوروبا. وحدها المؤسسات القضائية الدولية تجرأت على تسمية الجريمة باسمها، فيما فضّلت العواصم الأوروبية الصمت، أو الاختباء خلف لغة «القلق» و»الدعوات إلى ضبط النفس». وهنا، يصبح الصراع على غرينلاند مفهوماً في سياقه الأوسع: أوروبا التي قبلت أن تكون شاهدة على جريمة موثّقة، لا يمكنها أن تتوقع أن تُعامَل شريكاً متكافئاً حين تمسّ الهيمنة الأمريكية مصالحها المباشرة. فالتاريخ علّمنا أن الظلم، حين يُعلَن ويُبرَّر، لا يبقى بلا ثمن، وأن من يُطلق يد القوة خارج أي قيد قانوني أو أخلاقي، سرعان ما يجد تلك القوة نفسها وقد ارتدّت عليه، أو على أقرب حلفائه. بهذا المعنى، ليست غرينلاند سوى حلقة في سلسلة واحدة: عالم يُدار بمنطق القوة العارية، حيث يُغضّ الطرف عن الجرائم حين تخدم الحليف الأقوى، ثم يُستغرب لاحقاً أن تمتد اليد نفسها لتعيد رسم الخرائط، وتعيد تعريف التحالفات، بلا اعتبار لقانون أو شراكة أو تاريخ.

اقرأ المزيد

alsharq قطر وألمانيا.. تعاون إستراتيجي مثمر

يتجه التعاون الاستراتيجي بين دولة قطر وجمهورية ألمانيا الاتحادية، نحو آفاق واعدة، في ظل الزيارات المتبادلة على أرفع... اقرأ المزيد

81

| 06 فبراير 2026

alsharq الذكاء الاصطناعي في الميزان!

تنامي التطور العلمي في عصرنا وصل لدرجات لا يمكن للعقول البشرية تَحمّلها أو توقعها، وصارت حياة غالبية الناس... اقرأ المزيد

276

| 06 فبراير 2026

alsharq الارتباط الوثيق بين الأزمات وعملات الدول

تعودنا منذ عقود على اعتبار العملة الخضراء مقياسا لوزن الدول. فالأقوى اقتصادا والأكثر تأثيرا في معاملات التجارة والصناعة... اقرأ المزيد

138

| 06 فبراير 2026

مساحة إعلانية