رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعودنا منذ عقود على اعتبار العملة الخضراء مقياسا لوزن الدول. فالأقوى اقتصادا والأكثر تأثيرا في معاملات التجارة والصناعة هي التي تصمد عملتها الوطنية أمام الدولار سيد العملات وقاطرتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. واليوم يعيش العالم كله زلازل خطيرة تهدد لا قدر الله باندلاع حرب عالمية ثالثة لا تكون سوى نووية. وندرك طبعا بأن قادة كبارا يؤدون واجباتهم الأخلاقية في إطفاء فتيل الحروب القائمة المشتعلة وهي حرب بين روسيا وأوكرانيا وحرب في الشرق الأوسط وحروب أهلية في السودان واليمن وليبيا والاتحاد الأوروبي بين الولايات المتحدة والدنمارك حول ملكية (غرينلاند) وصراع خطير بين الهند وباكستان حول كشمير. هكذا هو الزمن الراهن بتحولاته الكبرى فما هي حالة العملات الوطنية وخاصة سيدها الدولار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟
وللتذكير فإن عملات أخرى نافست العملة الخضراء وفرضت قيمتها مع الدولار. كان هذا هو حال اليورو منذ ظهوره مع بداية الألفية الجديدة كما كانت عملات دول الخليج الست والتي حافظت على قيمتها المرتبطة بالدولار والموازية له منذ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربي سنة 1981. ثم بفضل النهضة اليابانية وجهود اليابانيين الأسطورية تحول (الين) الى عملة صعبة. وربما تكون مفاجأة سنة 2026 بلوغ العملة الصينية (اليوان) هي أيضا منصة التتويج في نهاية السباق الصناعي و التصديري العالمي بينها وبين الولايات المتحدة. وهذه المنافسة كما نعلم تقض مضجع سيد البيت الأبيض. وفي نفس السياق كان متداولو العملة يتوقعون عاماً أكثر هدوءاً. لكن بعد عام 2025 المضطرب عندما أعلن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) عن فرض الرسوم الجمركية المجحفة على صادرات الدول المنافسة وهو مما أدى إلى انهيار قيمة الدولار. لكن الأسابيع الأخيرة عكرت جو الارتياح حيث انخفض الدولار إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات مقابل سلة من العملات مسجلاً أدنى مستوياته منذ سنوات عديدة مقابل اليورو والجنيه الإسترليني إذ تراجع بنسبة 3 في المئة خلال أسبوع تقريباً! ويقول المحللون» إنه في حال استمرار هذا الوضع فإن ذلك يُنذر بتفاقم التضخم داخل الولايات المتحدة وحينها سيواجه الأمريكيون ارتفاعاً في أسعار الواردات» وطبعا أثارت هذه الانخفاضات أيضاً تساؤلات أوسع حول ما إذا كانت مكانة الدولار كعملة عالمية رئيسية مهددة بعد أن ساعدت لعقود عديدة في الحفاظ على انخفاض تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة نسبياً. وهذه ظاهرة جديدة تتمثل في تراجع الدولار بعد أكثر من سبعة عقود من القوة وخاصة خلال العامين الأخيرين حيث ازدهر الاقتصاد الأمريكي وتراجعت البطالة بفضل سياسات الرئيس (ترامب) التي يعتبرها أغلب الأمريكيين «جريئة» بينما يصنفها المنافسان الصيني والروسي «متهورة ومغامرة» وحتى «مجنونة وفاقدة الضوابط»!
كما استمرت الخسائر هذا الأسبوع وسط تكهنات بأن الولايات المتحدة قد تدرس اتخاذ إجراءات من شأنها إضعاف الدولار أكثر بما في ذلك بيع الدولار بالتزامن مع اليابان لدعم (الين) الذي كان يواجه بدوره موجة بيع.
والسؤال هو: لماذا يواصل الدولار تراجعه؟
الجواب هو أن المحللين والخبراء يرون أن تراجع الدولار يعكس جزئياً قلق السوق إزاء سياسات إدارة (ترامب).
وفي هذا السياق أشار (روبن بروكس) الباحث البارز في معهد بروكينغز والخبير الاستراتيجي السابق في سوق الصرف الأجنبي لدى (غولدمان ساكس) إلى أوجه التشابه بين ردود الفعل السلبية تجاه الرسوم الجمركية وقضية (غرينلاند): «في رأيي ما تتفاعل معه الأسواق هو ببساطة الطبيعة العشوائية للسياسات في هذه الإدارة المتمثلة في تعاقب عمليات التصعيد ثم التهدئة.
وأضاف أن انخفاض الدولار «يعكس بشكل أساسي شعور الأسواق بأن هذا التذبذب الفوضوي يضر بالولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر. كما ساهمت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي (سكوت بيسنت) التي نفى فيها تدخل الولايات المتحدة لمساعدة اليابان في استقرار الدولار هذا الأسبوع.
ومن المتوقع أن يتجه المستثمرون العالميون أيضاً نحو تجنب الاستثمار في الولايات المتحدة حيث خفضت صناديق التقاعد في أمستردام والدنمارك حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية.
مع ذلك صرّح (تيرنر) من بنك (آي إن جي) بأنه يعتقد أن الأسواق لا تزال بعيدة كل البعد عن سيناريو بيع الأصول الأمريكية بالكامل مشيراً إلى أن عمليات البيع المكثفة اقتصرت إلى حد كبير على الدولار دون غيره من العملات. وأشار هو وآخرون إلى أن سوق الأسهم الأمريكية لا تزال تحوم حول مستويات قياسية مرتفعة في حين أن تحركات سوق سندات الخزانة الأمريكية كانت محدودة نسبياً. ورغم ذلك يتوقع بنك (آي إن جي) انخفاض الدولار مرة أخرى بنسبة تتراوح بين 4 -5 في المئة هذا العام مع تحسن آفاق النمو خارج الولايات المتحدة!
ويتساءل العديد من المراقبين: هل يريد الرئيس (ترامب) فعلاً انخفاض قيمة الدولار الأمريكي؟ أم فاجأته النتائج المالية السلبية التي أدت إليها سياساته الجمركية؟
لكن مستشاريه الاقتصاديين نصحوه بأن يشن حملة مكثفة للمطالبة بخفض أسعار الفائدة بشكل أسرع ومن المتوقع أن يعيّن شخصاً أكثر استجابة لهذه المطالب لقيادة البنك المركزي (فيديرال ريزرف) خلال الأشهر القليلة المقبلة قبل انقضاء عهدته الثانية والأخيرة.
لكن البيت الأبيض قد يرى في ذلك أمراً إيجابياً إذ سبق أن رحّب (ترامب) ومسؤولون آخرون في البيت الأبيض بفكرة ضعف الدولار لما يوفّره ذلك من تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية.
ونتذكر ما قاله (ترامب) في يوليو الماضي مخاطبا المواطن الأمريكي:
«قد لا يبدو الأمر جيداً لكنك ستجني أموالاً أكثر مع ضعف الدولار... مقارنة بقوته». وبالفعل شعر دافع الضرائب الأمريكي بأن الانخفاض المستمر في قيمة الدولار أسهم في دعم الشركات الأمريكية التي تشغله لكنه حذر من أن العائد قد يكون محدوداً إذا حدث ذلك لأسباب خاطئة.
«ومن طلب العلا رقد الليالي.. !»
مثل كثيرين غيري، كنت أعتقد أن تقليل ساعات النوم قدر الإمكان علامة على الإنتاجية والطموح، وطريق مختصر للتميّز... اقرأ المزيد
27
| 06 فبراير 2026
تبسّم ...!
التبسم بلسم للهموم والأحزان، وله طاقة مذهلة في بثّ الفرح في القلوب والأفئدة، كان الرسول صلى الله عليه... اقرأ المزيد
30
| 06 فبراير 2026
دور الشرطة المجتمعية في المدارس
دور الشرطة المجتمعية هام في تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً إلى بعض الحالات الاجتماعية المتعددة،... اقرأ المزيد
33
| 06 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2028
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
822
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
690
| 04 فبراير 2026