رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تنصيح الرحمن الوافي

مساحة إعلانية

مقالات

249

تنصيح الرحمن الوافي

«ومن طلب العلا رقد الليالي.. !»

06 فبراير 2026 , 01:57ص

مثل كثيرين غيري، كنت أعتقد أن تقليل ساعات النوم قدر الإمكان علامة على الإنتاجية والطموح، وطريق مختصر للتميّز في عالم سريع الإيقاع. غير أن التجربة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب الاطلاع على الدراسات العلمية الحديثة، قادتني إلى قناعة مغايرة: النوم ليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل ضرورة بيولوجية أساسية للحياة الإنسانية، وعنصر حاسم في سلامة الدماغ وقدرته على الأداء بكفاءة واستدامة.

ولم يعد النقاش اليوم يدور حول أهمية النوم من حيث المبدأ، فهذه حقيقة باتت محسومة علميًا، بقدر ما يتركز حول جودة النوم ومعاييره الفعلية؛ إذ إن النوم الصحي لا يتحقق بمجرد الالتزام بعددٍ محدد من الساعات، بل يرتبط بعمقه وانتظامه، وبالظروف النفسية والسلوكية التي تُمكّن الجسد والعقل من استعادة توازنهما الحيوي.

لطالما ارتبطت فكرة النوم الصحي في الوعي العام بقاعدة شبه ثابتة مفادها أن ثماني ساعات من النوم كافية لاستعادة النشاط والقدرة على التركيز. غير أن واقع الحياة اليومية يكشف مفارقة لافتة؛ فكثيرون يلتزمون بعدد الساعات الموصى به، ومع ذلك يبدأون يومهم بشعور واضح من الإرهاق الذهني والجسدي. وهي مفارقة تفرض إعادة النظر في الفكرة الشائعة التي تختزل النوم في عدد الساعات، متجاهلة جوهره الحقيقي.

فالنوم، في حقيقته، ليس زمنًا متصلًا للراحة، بل عملية حيوية معقدة يمر فيها الجسد والعقل بمراحل متعددة من التعافي والتنظيم. وعندما يكون النوم متقطعًا أو سطحيًا، لا ينجز الجسم وظائفه الإصلاحية على النحو المطلوب، حتى وإن امتدت مدته. ومن هنا، تظل جودة النوم العامل الحاسم، لا عدد ساعاته وحده.ومن هنا نقول لشباب العصر،ان النوم لا يقل اهمية عن الجد والاجتهاد.

وتسهم أنماط الحياة الحديثة في إضعاف هذه الجودة. فالاستخدام المفرط للأجهزة الذكية، واضطراب مواعيد النوم، وتصاعد الضغوط المهنية، كلها عوامل تُبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار مستمرة. وفي مثل هذه الظروف، لا يدخل الدماغ في مراحل النوم العميق التي يحتاجها لاستعادة توازنه، فيستيقظ الإنسان وكأن نومه لم يكن كافيًا من حيث الأثر، وإن بدا كافيًا من حيث العدد.

كما أن العبء الذهني يؤدي دورًا محوريًا في هذه الإشكالية. فالنوم ليس توقفًا جسديًا فحسب، بل هو راحة ذهنية بالدرجة الأولى. وعندما يصطحب الإنسان إلى فراشه توترات اليوم وأسئلته المؤجلة وضغوطه النفسية، يواصل العقل عمله بصمت، ما ينعكس في صورة إرهاق ذهني عند الاستيقاظ، حتى بعد نومٍ طويل.

ولا يمكن إغفال أثر نمط التغذية، وقلة النشاط البدني، واضطراب العادات اليومية في كفاءة النوم. فاختلال التوازن الهرموني الناتج عن هذه العوامل يضعف انتظام الساعة البيولوجية للجسم، ويجعل النوم أقل عمقًا وأدنى فاعلية. وفي بعض الحالات، قد يكون الإرهاق مؤشرًا على مشكلات صحية، أو نقص غذائي، أو اضطرابات نوم تتطلب تشخيصًا ومعالجة، لا مجرد زيادة عدد ساعات النوم. إن التركيز المفرط على رقم «ثماني ساعات» يعكس ميلًا شائعًا إلى تبسيط القضايا الصحية المعقدة في معادلات رقمية سهلة. غير أن النوم، كغيره من العمليات الحيوية، لا يخضع لمنطق الحساب المجرد، بل يقوم على تكامل دقيق بين نمط الحياة، والاستقرار النفسي، وجودة الراحة.

ومن هنا، يصبح السؤال الأهم ليس: كم ننام؟ بل: كيف ننام؟ فاستعادة الطاقة الحقيقية لا تتحقق بإطالة مدة النوم وحدها، وإنما بتوفير الشروط التي تجعل النوم فعلًا عملية راحة وتجدد، لا مجرد انقطاع مؤقت عن اليقظة.

 

مساحة إعلانية