رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الارتباط الوثيق بين الأزمات وعملات الدول

تعودنا منذ عقود على اعتبار العملة الخضراء مقياسا لوزن الدول. فالأقوى اقتصادا والأكثر تأثيرا في معاملات التجارة والصناعة هي التي تصمد عملتها الوطنية أمام الدولار سيد العملات وقاطرتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. واليوم يعيش العالم كله زلازل خطيرة تهدد لا قدر الله باندلاع حرب عالمية ثالثة لا تكون سوى نووية. وندرك طبعا بأن قادة كبارا يؤدون واجباتهم الأخلاقية في إطفاء فتيل الحروب القائمة المشتعلة وهي حرب بين روسيا وأوكرانيا وحرب في الشرق الأوسط وحروب أهلية في السودان واليمن وليبيا والاتحاد الأوروبي بين الولايات المتحدة والدنمارك حول ملكية (غرينلاند) وصراع خطير بين الهند وباكستان حول كشمير. هكذا هو الزمن الراهن بتحولاته الكبرى فما هي حالة العملات الوطنية وخاصة سيدها الدولار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ وللتذكير فإن عملات أخرى نافست العملة الخضراء وفرضت قيمتها مع الدولار. كان هذا هو حال اليورو منذ ظهوره مع بداية الألفية الجديدة كما كانت عملات دول الخليج الست والتي حافظت على قيمتها المرتبطة بالدولار والموازية له منذ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربي سنة 1981. ثم بفضل النهضة اليابانية وجهود اليابانيين الأسطورية تحول (الين) الى عملة صعبة. وربما تكون مفاجأة سنة 2026 بلوغ العملة الصينية (اليوان) هي أيضا منصة التتويج في نهاية السباق الصناعي و التصديري العالمي بينها وبين الولايات المتحدة. وهذه المنافسة كما نعلم تقض مضجع سيد البيت الأبيض. وفي نفس السياق كان متداولو العملة يتوقعون عاماً أكثر هدوءاً. لكن بعد عام 2025 المضطرب عندما أعلن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) عن فرض الرسوم الجمركية المجحفة على صادرات الدول المنافسة وهو مما أدى إلى انهيار قيمة الدولار. لكن الأسابيع الأخيرة عكرت جو الارتياح حيث انخفض الدولار إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات مقابل سلة من العملات مسجلاً أدنى مستوياته منذ سنوات عديدة مقابل اليورو والجنيه الإسترليني إذ تراجع بنسبة 3 في المئة خلال أسبوع تقريباً! ويقول المحللون» إنه في حال استمرار هذا الوضع فإن ذلك يُنذر بتفاقم التضخم داخل الولايات المتحدة وحينها سيواجه الأمريكيون ارتفاعاً في أسعار الواردات» وطبعا أثارت هذه الانخفاضات أيضاً تساؤلات أوسع حول ما إذا كانت مكانة الدولار كعملة عالمية رئيسية مهددة بعد أن ساعدت لعقود عديدة في الحفاظ على انخفاض تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة نسبياً. وهذه ظاهرة جديدة تتمثل في تراجع الدولار بعد أكثر من سبعة عقود من القوة وخاصة خلال العامين الأخيرين حيث ازدهر الاقتصاد الأمريكي وتراجعت البطالة بفضل سياسات الرئيس (ترامب) التي يعتبرها أغلب الأمريكيين «جريئة» بينما يصنفها المنافسان الصيني والروسي «متهورة ومغامرة» وحتى «مجنونة وفاقدة الضوابط»! كما استمرت الخسائر هذا الأسبوع وسط تكهنات بأن الولايات المتحدة قد تدرس اتخاذ إجراءات من شأنها إضعاف الدولار أكثر بما في ذلك بيع الدولار بالتزامن مع اليابان لدعم (الين) الذي كان يواجه بدوره موجة بيع. والسؤال هو: لماذا يواصل الدولار تراجعه؟ الجواب هو أن المحللين والخبراء يرون أن تراجع الدولار يعكس جزئياً قلق السوق إزاء سياسات إدارة (ترامب). وفي هذا السياق أشار (روبن بروكس) الباحث البارز في معهد بروكينغز والخبير الاستراتيجي السابق في سوق الصرف الأجنبي لدى (غولدمان ساكس) إلى أوجه التشابه بين ردود الفعل السلبية تجاه الرسوم الجمركية وقضية (غرينلاند): «في رأيي ما تتفاعل معه الأسواق هو ببساطة الطبيعة العشوائية للسياسات في هذه الإدارة المتمثلة في تعاقب عمليات التصعيد ثم التهدئة. وأضاف أن انخفاض الدولار «يعكس بشكل أساسي شعور الأسواق بأن هذا التذبذب الفوضوي يضر بالولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر. كما ساهمت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي (سكوت بيسنت) التي نفى فيها تدخل الولايات المتحدة لمساعدة اليابان في استقرار الدولار هذا الأسبوع. ومن المتوقع أن يتجه المستثمرون العالميون أيضاً نحو تجنب الاستثمار في الولايات المتحدة حيث خفضت صناديق التقاعد في أمستردام والدنمارك حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية. مع ذلك صرّح (تيرنر) من بنك (آي إن جي) بأنه يعتقد أن الأسواق لا تزال بعيدة كل البعد عن سيناريو بيع الأصول الأمريكية بالكامل مشيراً إلى أن عمليات البيع المكثفة اقتصرت إلى حد كبير على الدولار دون غيره من العملات. وأشار هو وآخرون إلى أن سوق الأسهم الأمريكية لا تزال تحوم حول مستويات قياسية مرتفعة في حين أن تحركات سوق سندات الخزانة الأمريكية كانت محدودة نسبياً. ورغم ذلك يتوقع بنك (آي إن جي) انخفاض الدولار مرة أخرى بنسبة تتراوح بين 4 -5 في المئة هذا العام مع تحسن آفاق النمو خارج الولايات المتحدة! ويتساءل العديد من المراقبين: هل يريد الرئيس (ترامب) فعلاً انخفاض قيمة الدولار الأمريكي؟ أم فاجأته النتائج المالية السلبية التي أدت إليها سياساته الجمركية؟ لكن مستشاريه الاقتصاديين نصحوه بأن يشن حملة مكثفة للمطالبة بخفض أسعار الفائدة بشكل أسرع ومن المتوقع أن يعيّن شخصاً أكثر استجابة لهذه المطالب لقيادة البنك المركزي (فيديرال ريزرف) خلال الأشهر القليلة المقبلة قبل انقضاء عهدته الثانية والأخيرة. لكن البيت الأبيض قد يرى في ذلك أمراً إيجابياً إذ سبق أن رحّب (ترامب) ومسؤولون آخرون في البيت الأبيض بفكرة ضعف الدولار لما يوفّره ذلك من تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية. ونتذكر ما قاله (ترامب) في يوليو الماضي مخاطبا المواطن الأمريكي: «قد لا يبدو الأمر جيداً لكنك ستجني أموالاً أكثر مع ضعف الدولار... مقارنة بقوته». وبالفعل شعر دافع الضرائب الأمريكي بأن الانخفاض المستمر في قيمة الدولار أسهم في دعم الشركات الأمريكية التي تشغله لكنه حذر من أن العائد قد يكون محدوداً إذا حدث ذلك لأسباب خاطئة.

180

| 06 فبراير 2026

المنتدى السنوي لفلسطين بالدوحة .. لماذا ؟

انطلقت يوم السبت 24 يناير 2026 في الدوحة أعمال المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة التي ينظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية خلال الفترة 24-26 يناير وهو دليل إضافي على التزام دولة قطر بتوجيه من أميرها المفدى بقضية العرب والمسلمين المركزية أي الشعب الفلسطيني الذي عانى وما يزال يعاني من ممارسات الإبادة الجماعية والتشريد والتنكيل. ويُعَدّ المنتدى السنوي لفلسطين أحد أبرز الفضاءات الأكاديمية المتخصصة عالميًا في القضية الفلسطينية لما يتميّز به من رصانةٍ علميةٍ في الأوراق البحثية المقدَّمة وتنوّعٍ منهجي في المقاربات النظرية والتحليلية ومشاركة نخبةٍ من الباحثين والباحثات من مختلف أنحاء العالم العربي والعالم. وتغطي أوراق هذه الدورة طيفًا واسعًا من القضايا المركزية المتصلة بفلسطين من التاريخ والتحولات البنيوية في المشروع الوطني الفلسطيني إلى موقع فلسطين في النظامَين العربي والدولي مرورًا بتحليل الاستعمار الاستيطاني ونظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) وحدود القانون الدولي وتحولات التضامن العالمي وأدوار الإعلام والمعرفة والجامعات في زمن الإبادة. وقد رسّخ المنتدى عبر دوراته المتعاقبة مكانته بوصفه رافدًا أساسيًا لإنتاج معرفة نقدية معمّقة حول فلسطين واكتسب سمعةً عربيةً ودوليةً مرموقة وجذب حضورًا واسعًا من الأكاديميين والمهتمين بقضيتها وسياقاتها الإقليمية والعالمية ليغدو فضاءً جامعًا للالتقاء وتبادل الرؤى والنقاشات المعمّقة. ومن الضروري التذكير بأن هذه الدورة الرابعة تكتسي أهميةً استثنائيةً لانعقادها في لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية الحديث و في سياق تبعات حرب الإبادة غير المسبوقة في التاريخ الفلسطيني من حيث عمقها واتساع آثارها وما خلّفته من مستويات هائلة من القتل والعنف والدمار والتهجير في حقّ الشعب الفلسطيني ولا سيما في قطاع غزة إلى جانب تصاعد العنف الاستعماري (المسمى بالاستيطاني) في الضفة الغربية وفي سياق تحولات دولية جذرية تتّسم بتراجع المنظومات التقليدية التي تضمن حدا أدنى من المساءلة وتطبيق القانون الدولي. وعقَد المنتدى على مدار ثلاثة أيام وضمّ ثماني جلسات رئيسية تتوزع على مسارات متوازية إضافة إلى ثلاث ندوات عامة وثلاث ورشات عمل متخصصة من بينها محور خاص بإعادة إعمار قطاع غزة يُنظَّم بالشراكة بين إدارة السياسات العامة ومركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بما يعكس سعي المنتدى إلى الربط بين البحث الأكاديمي والتحليل السياسي والمسائل العملية الملحّة في مرحلة ما بعد الإبادة. واستهلّت (آيات حمدان) الباحثة في المركز العربي ورئيسة لجنة المنتدى السنوي لفلسطين أعمال اليوم الأول بجلسة افتتاحية أكَّدت فيها أن انعقاد هذه​ الدورة يأتي في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد يتزامن مع مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة. ومن جهته شدد (مجدي المالكي) في كلمته الافتتاحية على أهمية انخراط الباحثين العرب والمتخصصين في الكتابة والتحليل ولا سيما فيما يتعلق بالسردية الفلسطينية مؤكدًا أن المنتدى في دورته الرابعة أثبت بعد ثلاث دورات سابقة نجاحه في تحقيق غايته بوصفه فضاءً للتواصل والنقاش والتفاعل وتعزيز الإحساس بالمسؤولية الفردية والجماعية لدى الباحثين مشيرا إلى أن انعقاد المنتدى يأتي في سياق تحديات ومنعطفات غير مسبوقة تمر بها القضية الفلسطينية حيث تتواصل تداعيات حرب مدمّرة ووقفٍ هشّ لإطلاق النار في غزة إلى جانب تصاعد العدوان في الضفة الغربية واستمرار السياسات الاستعمارية الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة على الأرض خارج إطار القانون الدولي وهو ما يعرقل بصورة مباشرة إمكان قيام دولة فلسطينية. وتناول (المالكي) واقع الحياة تحت الاحتلال بما فيها من تدمير البنى الصحية والتعليمية والمعيشية وسياسات خنق الحياة عبر قرصنة أموال الضرائب موضحًا دور المؤسسة في التوثيق المعرفي منذ بدء الإبادة من خلال إطلاق منصات رقمية متخصصة وإنتاج واسع للأبحاث وأوراق السياسات وفتح المجال أمام الشباب للتدريب والبحث. وختم بالتأكيد على أن استمرار هذا المنتدى هو رسالة إصرار وأن البحث العلمي في هذا السياق ليس استحقاقًا أكاديميًا فحسب بل واجب أخلاقي وبعث الأمل في استمرار المقاومة في زمن استهداف الحقيقة. هذا وعُقدت الجلسة الأولى في ثلاثة مسارات متوازية كان أولها بعنوان «القانون الدولي والقضية الفلسطينية»، وترأسته (عائشة البصري). وقدّم (نيكولا بيروجيني) ورقته «بين المقاومة والإبادة الجماعية: التحرير الوطني الفلسطيني وإبادة إسرائيل على حدود القانون الدولي»، متناولًا حدود الشرعية القانونية. وشارك (عبد الحميد صيام) بورقة «المحكمة الجنائية الدولية والقضية الفلسطينية». كما قدّم (حميد بلغيث) و(أسماء العلوي) ورقتهما المشتركة «سياسات الضم في ضوء التأويل المتطور لقواعد القانون الدولي: قدسية المبدأ ومسؤولية الدول الثالثة»، مسلطَين الضوء على التزامات الأطراف الدولية. أمّا المسار الثاني والموسوم «فلسطين في السياق الدولي»، فكان بإدارة (أدهم صولي) وشاركت فيه (رزان شوامرة) بورقتها «الوقائع المنفصلة: استراتيجية الصين في صناعة التصوّر وسرديات التحرر الفلسطينية». وتناولت (حورية بن علي) في ورقتها «من فضح الجريمة إلى تجريم الإدانة» محللة لكيفية توظيف الخطاب القيمي الرسمي في ألمانيا لتكريس الصمت عن الإبادة. كما ناقش (روفشان ممدلي) في ورقته «بين التضامن وغيابه» مواقف دول جنوب القوقاز من فلسطين خلال الإبادة الجماعية في غزة. أما المسار الثالث فكان بعنوان «حرب الإبادة على غزة في وسائل الإعلام الغربية» وترأّسته (لميس أندوني) وعرضت فيه (آمنة الأشقر) ورقتها بعنوان»عجلة الأخبار وانهيار الإطار» محللةً الفوضى البصرية الناتجة عن حرب الصورة. ومن جهتها ناقشت (ديانا بطو) و(نضال رافع) في ورقتهما المشتركة «كيف (لا) تتم تغطية الإبادة؟» مع تحليل تجارب الصحفيين الفلسطينيين المريرة في تغطية الحرب. وقدّم (جميل قروش) ورقته بعنوان «تأطير الأبعاد الإنسانية حول السرديات العاطفية في تغطية تبادل الأسرى لدى وسائل إعلام غربية كبرى» ثم قدمت عروض تاريخية لمراحل متعاقبة من ماضي فلسطين واختتمت الندوة بمقاربات تحليلية متكاملة تناولت التحوّلات البنيوية في السياسة الأمريكية إزاء فلسطين. واستعرض خليل جهشان، رئيس الندوة، في ورقته (دونالد ترامب) وحركة ماغا والقضية الفلسطينية: السعي للهيمنة الأمريكية في المنطقة» ملامح توجّه التيار الشعبوي اليميني في الولايات المتحدة الأمريكية محللًا ما إذا كانت سياسات (ترامب) تجاه فلسطين وإسرائيل تمثل نزعة عابرة أم مسارًا مؤسسيًا طويل الأمد؟ ثم كان تاج المنتدى هو المتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والعربي الراهن في خلاصة قدمها (عزمي بشارة) حوصل فيها أهم ما أضافه المنتدى من تعميق للدراسات الأكاديمية حول فلسطين ماضيها ومستقبلها. العجيب أن المحتل قتل عديد الشهداء الأبرياء بعلة «انتظار تسليم جثة آخر رهينة» قبل المرور الى المرحلة الثانية من اتفاق السلام! وأخيرا تسلم المحتل جثة رهينته وننتظر فتح معبر رفح والمعابر الأخرى لإنقاذ من تبقى حيا من الغزاويين!

162

| 30 يناير 2026

لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية حسب أشهر الجامعات الأمريكية

تعود مسألة «الإسلام الديمقراطي» إلى صدارة النقاش السياسي والفكري مجددًا وذلك على ضوء التجربة التونسية التي كانت نموذجًا للانتقال الديمقراطي السلمي بعد عقدين من نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي رحمه الله. وفي هذا الصدد حاورت (الجزيرة نت) الأكاديمي (أندرو مارش) الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة (ماساشوستس) ومؤلف كتاب (من أطروحة «الخلافة» إلى مفهوم «الديمقراطية المسلمة) مستعرضا بموضوعية أكاديمية كتب ونظريات الأستاذ راشد الغنوشي بغاية إعادة صياغة العلاقة بين الشريعة والديمقراطية في ظل واقع تعددي. وفي كتابه يناقش (مارش) التحولات الفكرية العميقة التي مرّ بها الغنوشي ليس فقط باعتباره فقيهًا سياسيًّا أو زعيمًا حزبيًّا بل بوصفه مفكرًا حاول إعادة صياغة العلاقة بين الشريعة والديمقراطية أي بين السيادة الإلهية والإرادة الشعبية في ظل واقع اجتماعي وسياسي تعددي ومعقد. ومن خلال حوار مطوّل جمعه بالغنوشي على مدى سنوات تمكّن (مارش) من تتبّع تطور هذه الأفكار وتفكيك التوترات القائمة بين المثال الإسلامي والبراغماتية السياسية. وفي هذا الحوار نستعرض مع (أندرو مارش) كيف بدأت علاقته بأفكار الغنوشي وما الذي جذبه إلى مشروعه الفلسفي والسياسي ثم ننتقل معه إلى تحليل أبعاد التحول من الإسلام السياسي إلى الديمقراطية المسلمة وأسئلة الشرعية والسيادة وصولا إلى مآلات التجربة التونسية السلمية في عالم عربي يزداد انغلاقًا. قال الأستاذ (مارش): «بدأت علاقتي بفكر الشيخ الغنوشي مصادفة عندما كنت أقرأ كتابه المهم «الحريات العامة في الدولة الإسلامية» في سياق بحثي في أصول الفقه والحداثة وبناء التشريع الإسلامي. لكن ما لفت انتباهي حقًّا هو مفهوم «الخلافة الشعبية»، الذي أصبح فيما بعد الفكرة المحورية التي بنيتُ عليها أطروحة كاملة حول تطور هذه الفكرة من التصور الإسلامي الكلاسيكي إلى ما بعد الربيع العربي في 2011 فاكتشفت في فكر الشيخ عمقًا لاهوتيًّا وفلسفيًّا يستحق أن يُدرس جنبًا إلى جنب مع النظريات السياسية الغربية وقررت في سياق عملي على سلسلة ترجمات سياسية مع جامعة (ييل) أن أقترح ترجمة كتاب الحريات العامة إلى الإنجليزية. وهكذا بدأت العلاقة المباشرة مع الشيخ الذي التقيته لاحقًا خلال فترة الانتقال الديمقراطي في تونس. وعندما أعلنت حركة النهضة عام 2016 التخلي رسميًّا عن «الإسلام السياسي» وتبني «الديمقراطية المسلمة»، زرت الشيخ راشد في منزله واقترحت عليه أن نعمل معًا على مشروع فكري مشترك. الهدف كان بسيطًا وواضحًا: أن نجمع كتاباته ومقالاته وأن نخوض حوارًا فلسفيًّا معمقًا حول التحوّلات السياسية والفكرية لأشهر المنظرين الإسلاميين وكيف أعلن أغلبهم نهاية التناقض المزعوم بين الإسلام والحريات العامة. وهناك أيضًا بعد ثقافي ومعرفي لهذا المشروع يتمثلُ في أن نقدّم حوارًا متكافئًا بيني كمفكر سياسي غربي وبين مفكر من الحركة الإسلامية مثل الشيخ الغنوشي. حوار لا ينتهي بكتاب من طرف واحد بل بنقاش حيّ حقيقي وصريح حول أسئلة التعددية والشرعية والسيادة ودور الشريعة في مجتمع ديمقراطي. مع ملاحظتي أن الغنوشي حافظ على هدوئه المعتاد خلال حديثنا حول تداعيات التحالف المعارض له الذي شمل طيفًا واسعًا من الأحزاب العلمانية ومنظمات المجتمع المدني إلى جانب أعضاء من حركة النهضة نفسها. وعلى مدار السنوات الماضية تطوّر فكر الغنوشي السياسي إذ كان في قلب جهود الوساطة بين أحزاب متناحرة أيديولوجيًّا وتولى مؤخرًا رئاسة البرلمان. وأدركت أن أهم ما يميز النظرية السياسية للغنوشي على مدى عقود هو تصوره لدور شعبي نشط ومتفاعل في الحياة الديمقراطية. وعلى عكس النظريات الغربية التي تؤكد على الفصل بين السلطات باعتباره ضمانة ضد الاستبداد، شدّد الغنوشي دائمًا على فضائل الشعب والرأي العام. كما خالف النظريات الإسلامية التقليدية التي تحصر تفسير الشريعة في أيدي الفقهاء في التصدي للاستعمار النصراني فقط دون بذل جهد في استنباط نموذج حي وعملي لمجتمع مسلم يحافظ على شريعته الإسلامية دون رفض الأديان السماوية الأخرى حسب المبدأ القرآني: «قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (سورة آل عمران). ولا ننسى أن النهضة كانت في الوقت نفسه أكثر الأحزاب شعبية وأشدها إثارة للجدل، وغالبًا ما استُخدمت فزاعةً انتخابية من قبل قوى النظام القديم التي أعادت ترتيب صفوفها بعد الثورة، خصوصًا بعد أهوال الحرب في سوريا. صحيح أن الكثير من أزمات الديمقراطية التونسية كانت ناتجة عن صراعات بين النخب وسعي بعضها للتهرب من المحاسبة على الفساد أو القمع في عهد بن علي، لكن لا يمكن تجاهل أن الانقسام الأيديولوجي متجذر في المجتمع التونسي نفسه رغم غياب الانقسامات الطائفية أو العرقية فيه. لم تكن هناك غالبية ساحقة متفقة على تصور موحد للنظام فيما بعد الثورة يمكن حشده ضد أقلية فاسدة. وإذا كانت المنافسة النخبوية قد عطلت مسار الحكم فإن قدرة هذه النخب واستعدادها لعقد الاتفاقات والتحالفات هو ما حافظ على الديمقراطية التونسية وسلمية الانتقال الديمقراطي بعكس ما وقع في سوريا خلال عهد حافظ ثم بشار الأسد. أبرز مثال على ذلك هو العلاقة الذكية التي نشأت بين الغنوشي والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي مؤسس حزب «نداء تونس» العلماني وأحد رموز النظام السابق الذي استندت حملته الانتخابية في 2014 إلى التخويف من التهديد الإسلامي. وبالرغم من العداء الظاهر فقد تكررت التسويات السياسية بين الخصوم في لحظات الأزمة مما أنقذ تونس من مصير شعوب ثارت على مستبديها لكنها وقعت في فوضى أخطر. وعودة سريعة لتحليل الأستاذ (أندرو مارش) من جامعة (ماساشوستس) الأمريكية الذي قال عن نضج تجربة الأستاذ راشد الغنوشي «إنها شكلت الوعي السياسي والفكري والحضاري قبل عودته إلى تونس سنة 2011 وقبل الاعتراف القانوني بحركة الاتجاه الإسلامي وهي التي شارك هو في تأسيسها سنة 1981 أثناء حكم الوزير الأول محمد مزالي رحمة الله عليه وهو السياسي المؤمن بالحريات للجميع وبأن الحركات الإسلامية ليست متطرفة ما دامت ملتزمة بالعمل الدستوري السلمي وهو الذي أقنع الرئيس بورقيبة بالاعتراف بثلاثة أحزاب مختلفة عن الحزب البورقيبي الأوحد! والمؤسف بعد إبعاد مزالي عن الوزارة الأولى في السابع من نوفمبر 1987 وإجباره على المنفى مع بعض رفاقه المقربين تم الزج بالأستاذ راشد الغنوشي في السجن وكان على قاب قوسين من حكم الإعدام.

180

| 23 يناير 2026

هل ينجح أعداء أمتنا في تقسيم دولنا؟

نعيش جميعا منعرجا تاريخيا يتمثل لدينا فيما نراه يوميا من تقسيم دولنا أعراقا وقبائل وفرقا وهو ما يسعى لتحقيقه مخططون من خارج بلداننا أو من داخلها كما يقع في العديد من دولنا التي تعاني من صراع الإخوة الأعداء وتتذكرون أيها القراء الأعزاء ما صرح به رئيس وزراء إسرائيل في حوار أجرته معه القناة 12 الإسرائيلية حين قال: «نحن نرفض خريطة الشرق الأوسط التي رسمها سايكس عن بريطانيا وبيكوعن فرنسا»، وأضاف: «اليوم لسنا في سنة 1916 واختفت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية وأصبح القطب الأمريكي هو الأوحد والأقوى ومن الطبيعي أن يعيد رسم الخريطة وتحوير الجغرافيا حسب مصالحه وخدمة للنظام العالمي الجديد بشرق أوسط جديد». وفي هذا السياق يقول الكاتب محمد العرب على موقع (الجزيرة نت): «ليست الفوضى التي تضرب العالم العربي اليوم حدثًا طارئًا أو نتيجة أخطائنا العشوائية بل هي حصيلة مشروع طويل الأمد صُمِّم بعناية وتغذّى على هشاشة الداخل قبل أن يُغذّى بتدخل الخارج». وأضاف الكاتب: «حين ننظر إلى الخريطة العربية خلال العقود الأخيرة نكتشف أن ما جرى لم يكن مجرد صراعات قوى أجنبية متفرقة بل مسارًا متكررًا لتفكيك الدول العربية والمسلمة من الداخل وتحويلها من كيانات سيادية إلى ساحات مفتوحة للتجاذب والتجريب». وتساءل: «من المستفيد من أن تبقى الدول العربية ضعيفة متنازعة وممزقة بين الهويات الفرعية؟ من المستفيد من أن تتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة صراع دائم بين مختلف الأعراق التي تشكلها؟». وحلل معضلة كل دولة على حدة مبتدئا بالعراق حيث لم يكن الغزو العسكري نهاية القصة بل بدايتها. فبعد إسقاط النظام الجامع بالرغم من كل أخطائه الكارثية وأفدحها احتلال الكويت الشقيقة جرى تفكيك مؤسسات الدولة لا إعادة بنائها فحُلَّ الجيش وتفكك الأمن وفُتحت الأبواب أمام الهويات الطائفية لتملأ الفراغ. وانتهى المحلل الواعي إلى الحقيقة الكبرى حيث أكد أن الهدف لم يكن تغيير نظام فاسد بل إعادة تشكيل وعي مجتمع كامل بحيث يصبح الانقسام هو القاعدة والوحدة استثناءً. وهكذا تحوّل العراق من دولة مركزية قوية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي تُدار فيها المعارك بالوكالة. أما في سوريا فلم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا حيث بدأت الأزمة بمطالب سياسية واجتماعية لكنها سرعان ما تحولت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية وانقسم المجتمع وتعددت الجبهات وتحوّلت الأرض إلى ساحة اختبار لموازين القوى. فلم تعد القضية فقط من يحكم بل من يملك قرار الحرب والسلم ومن يسيطر على الجغرافيا والموارد وحتى بعد رحيل الطاغية وهزيمة مشروع إيران في سوريا لا يزال هناك من يحاول خلق الفوضى والأزمات! واستعرض الكاتب الحالة في ليبيا التي كانت نموذجًا صارخًا لتحويل الدولة إلى فراغ فسقط النظام لكن الدولة تمزقت إذ تعددت الحكومات وتنازعت الميليشيات وتحوّل النفط من نعمة إلى لعنة! كل طرف خارجي وجد موطئ قدم وكل قوة رأت في الفوضى فرصة للنفوذ والنتيجة أمامكم: بلاد غنية بالموارد لكن فاقدة السيادة! وانتقل محمد العرب إلى تفكيك الحالة اليمنية حيث تتجلى المأساة بأوضح صورها: بلاد ذات تاريخ عميق وهوية متجذرة تمزقه الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية بين انقلابي ومتمرد يضعف الشرعية اليمنية وهنا لا تُستخدم الحرب فقط لإسقاط دولة بل لإعادة تشكيل وعي شعب بأكمله ودفعه إلى صراع طويل يُنهك الجميع بينما تتقاسم القوى المتدخلة الغنائم والنفوذ على حساب الدم اليمني المهدور! أما في فلسطين فتُختبر ذاكرة الأمة يوميًا لأن هناك لا تُقصف الأرض وحدها ولا يقتل البشر فقط بل تُحاصر الحقيقة وتُشوَّه الرواية ويُطلب من الضحية أن تبرر وجودها! فلسطين ليست مجرد أرض محتلة بل اختبار دائم لضمير العالم ومقياس لمدى قابلية البشر للإبادة وسحق الفلسطينيين واغتصاب أرضهم حين يُقدَّم بلغة قانون القوة! وحلل محمد العرب تفكك السودان حيث تتجلى الصورة بأكثر قسوة. فندرك أن السودان دولة ذات عمق تاريخي وإنساني عريق تُستنزف من الداخل عبر صراعات تتفاقم وتُدار بعناية فلم يكن الانقسام صدفة بل جاء نتيجة تراكمات استُثمر فيها التنوع للتقسيم فيتم تفكيك الدولة عبر إنهاك المجتمع حتى يصبح الوطن ساحة صراع لا مشروع حياة مع وجود طرف ميليشياوي انقلابي متمثل في (حميدتي) ومشروعه. وفي الأنموذج الصومالي وهو المثال الأوضح على ما يحدث حين تترك بلاد كاملة خارج معادلة الاهتمام العالمي بشعب أنهكته الحروب وتُرك للفوضى ثم قُدِّم للعالم كنموذج للفشل لا كضحية لتجارب دولية متعاقبة! ومع ذلك ظل الصومالي متمسكًا بكرامته يثبت أن الشعوب لا تموت حتى لو تآمر الجميع على نسيانها. واليوم نحن أمام مؤامرة إسرائيلية للتشطير واستغلال ما يسمى (أرض الصومال) بخيراته وموانئه والتصاقه بأفريقيا والشرق الأوسط! وتعرض المحلل إلى بقية الدول التي لم تنزلق إلى الحرب المباشرة مؤكدا أنها لم تكن بمنأى عن محاولات التفكيك الناعم! لأن الحروب اليوم لا تُخاض فقط بالسلاح بل بالإعلام والاقتصاد وإعادة تشكيل الوعي فتُضخ في مجتمعاتها سرديات تُفرغ الهوية من معناها ويُعاد تعريف الوطنية بوصفها عبئًا والانتماء بوصفه تهمة كما يُصوَّر الاستقرار على أنه استبداد والفوضى على أنها حرية. ويهتدي (محمد العرب) إلى أن المفارقة أنَّ كل هذا التفكيك المبرمج يحدث تحت شعارات براقة: الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية الأقليات ومكافحة الإرهاب أي شعارات نبيلة في ظاهرها لكنها تُستخدم أحيانًا كأدوات ضغط لا كمبادئ إنسانية خالصة وهنا تكمن خطورة المرحلة: حين تختلط القيم بالمصالح ويصعب التمييز بين الإصلاح الحقيقي والتفكيك الممنهج! ثم يطرح الكاتب السؤال الأهم وهو: من المستفيد إذًا من تفكيك دولنا؟ الجواب: «المستفيد هو كل من يرى في العالم العربي مجرد مساحة نفوذ وسوق سلاح وممر طاقة وساحة تصفية حسابات والمستفيد هو كل من يخشى قيام دول عربية قوية مستقلة القرار قادرة على إنتاج المعرفة والثروة وهو أيضًا من يجد في الانقسام الداخلي فرصة لتمديد نفوذه بأقل كلفة! ويستخلص المحلل العبرة التي تبعث الأمل في النفوس وهي أن التاريخ يثبت أن الشعوب التي تدرك مكامن الخطر قادرة على استعادة وعيها وأن المعركة الحقيقية اليوم ليست عسكرية فقط بل معركة وعي وإدراك أي حين يفهم المواطن أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج بل أحيانًا من السردية التي تزرع في داخله وعندما يعود هذا الوعي الضروري تبدأ أولى خطوات الخلاص. فإعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة بناء الإنسان وباستعادة معنى الانتماء وبفهم أن الخلاف السياسي لا يعني هدم الوطن فالدول لا تُحطَّم بالقنابل وحدها بل حين يفقد أبناؤها الإيمان بها.

276

| 16 يناير 2026

زلزال فنزويلا

كل أنظار العالم ما تزال متجهة نحو ما سماه الناس «زلزال فنزويلا»، وشعر مليارات البشر في القارات الخمس بصدمات ارتداد الزلزال، وخاضوا في الشرح والتفسير ما بين مبرر ومستنكر وخائف، لأن الحدث جلل رغم أنه يتم للمرة الخامسة، فعام 1989 نزلت كتائب من الجيش الأمريكي واختطفت رئيس بنما من قصره وأخذته الى الولايات المتحدة وحاكمته محكمة أمريكية بالمؤبد ومات في سجنه، والسبب الحقيقي كما أدرك الجميع هو إقدام الرئيس الجنرال (نورياغا) على تأميم قناة بنما وبالتالي حرمان الأسطول الأمريكي المدني من عبورها بلا دفع رسوم. وعام 2003 كما يعلم جميع العرب عندما تعنت صدام حسين رحمه الله ورفض الانسحاب من الكويت التي احتلها في الثاني من أغسطس سنة 1990 واستغرق الاحتلال حوالي أربعة أعوام شكل بعدها صدام حسين حكومة كويتية صورية وأعلن بنفسه قيام «الجمهورية الكويتية»!. واندلعت حرب الخليج بغاية تحرير الكويت وقام في العراق نظام أجنبي برئاسة (بريمر) الى أن تم إلقاء القبض على صدام وتنظيم محاكمته التي انتهت بإعدامه شنقا على أيدي قوى شيعية صباح عيد الأضحى. وعام 2024 نزلت قوة أمريكية الى عاصمة (هايتي) واختطفت رئيس جمهوريتها (أريستيد) وهو نفسه الذي فرضته واشنطن ليحكم عوضا عن سلفه. لكن فنزويلا ليست هايتي ولا بنما وهي أشبه بالعراق اتساعا وثراء أي دولتان غنيتان تحكمان شعبين فقيرين ممزقين شيعا وأعراقا بسبب سوء الإدارة والركون للأمزجة عوض استعمال العقل. ولعل ما يعزز التشابه بينهما هو وجودهما في بؤر توتر تتميز بتدخلات أجنبية من القوى العالمية والإقليمية التي تريد حماية مصالحها أو توسيع رقعة نفوذها مما لا مجال لتعداده في هذا المقال. ونعود الى رئيس فينزويلا (نيكولاس مادورو) الذي قال قبل سويعات من احتجازه خلال احتفال أمام القصر الرئاسي في كاراكاس عندما أدرك اقتراب حدث جلل لم يعرف تفاصيله: «سيكون ثمة سلام واستقرار وعدالة واحترام القانون فأنا رجل سلام وحوار»، وذلك في ختام انتخابات أجريت في أجواء متوترة وتحدثت خلالها المعارضة عن أعمال ترهيب ومخاوف من التزوير وشككت في نزاهتها وشفافيتها. جاء اعترافه متأخرا ولم يجنبه ما وقع على أيدي قوة خارجية لديها أجهزة مخابرات متمكنة وتعتمد بلا شك على أعوانها في الداخل ومن ذوي المناصب العليا في الدولة الفنزويلية تم تجنيدهم من وقت بعيد استعدادا للحظة الانقضاض. وفي منظور التحليل المنطقي فإن من أخطاء الرئيس (مادورو) القاتلة هي تحويل جمهورية بلاده الى «جملكية» أي إنه رشح نفسه للرئاسة للمرة الثالثة في خرق واضح للدستور الذي حدد عدد الترشحات باثنتين لا ثالثة لهما. وهذا كان عامل فوضى وتشتت يحرم معارضيه من إمكانية حكم البلاد وهو حقهم الدستوري غير القابل للتأويل. ونذكر أن المعارضة الفنزويلية السلمية أعلنت فوز مرشحها المنافس للرئيس (مادورو) وهو السياسي المعتدل المعروف (غونزالس أوروتيا) بنسبة 70% من أصوات المقترعين رافضة طبعا الاعتراف بإعلان المجلس «الوطني» الانتخابي عن فوز (نيكولاس مادورو) بولاية ثالثة، مع العلم أن أعضاء المجلس الانتخابي اختارهم (مادورو) وعينهم لمراقبة الانتخابات! وقالت زعيمة المعارضة (ماريا كورينا ماتشادو) في تصريحات للصحفيين «لقد فزنا.. وحصلنا على 70% من الأصوات»، مضيفة «لفنزويلا اليوم رئيس جديد منتخب هو السيد (إدموندو غونزاليس أوروتيا) ولم تنس القوة الأمريكية المحتلة لفنزويلا مواقف مختلفة لعديد الدول من انتخاب رجل يعتبره الرئيس (ترامب) دكتاتورا ومتهما بتجارة المخدرات وبتبييض الأموال الى جانب اختلاس 700 مليون دولار من أموال الشعب الفنزويلي وإيداعها في مصارف جنات ضريبية منها سويسرا. من هذه المواقف اللافتة لنظر واشنطن موقف الصين التي قال المتحدث باسم وزارة خارجيتها السيد (لين جيان) للصحفيين خلال مؤتمر صحفي إن «الصين مستعدة لتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع كاراكاس ورئيسها السيد (مادورو) بما يخدم شعبي البلدين ويعزز التحالف بين الدولتين اقتصاديا وسياسيا». وتوالت ردود فعل الدول بعد الهجوم الأمريكي على كاراكاس واعتقال الرئيس (مادورو) حيث صرح الرئيس الفرنسي (ماكرون) على سبيل المثال قائلا «بأنه لا يمكن فرض حل في فنزويلا من الخارج وأن الشعب وحده من يقرر مصير البلاد» لكنه أضاف: «مع العلم أن الشعب الفنزويلي سعيد بالتخلص من دكتاتور» وهو موقف يمسك العصا من وسطها فيرضي الحليف الأمريكي ويرضي القانون الدولي في نفس الوقت. ومن جهتها دعت جنوب إفريقيا إلى عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي عقب الهجوم الأمريكي على فنزويلا فيما قال الأمين ‌العام للأمم ‌المتحدة: «إنه ⁠سيكون ‌للعملية الأمريكية في فنزويلا تداعيات مقلقة محتملة ⁠على المنطقة بأكملها». كما قالت الصين إنها «تدين بشدة» الضربات الأمريكية على فنزويلا، ودعت روسيا الى إطلاق سراح الرئيس (مادورو) وزوجته في أسرع وقت. ومن الجانب الأمريكي بدأت تنكشف شخصية المتعاون مع المخابرات الأمريكية في أعلى رأس الدولة وهي التي فتحت أبواب القصر الرئاسي في كاراكاس ومكنت كتيبة (دلتا) من تنفيذ المهمة دون خسارة أي من الطائرات أو مقتل جندي واحد. وتبين من خلال تقارير ملاحظين من مختلف الدول أن الجاسوسة التي مثلت على رئيسها دور المخلصة الوفية له ولسلفه (شافيز) بينما هي تعرف جيدا أن الرئيس (مادورو) أقام دكتاتورية عائلية هشة لن تصمد أمام مخططات واشنطن وتعرف أيضا أن بلادها تمتلك أكبر مخزون للنفط في العالم وهو ما يثير طمع قوى عديدة في اقتناص تلك الثروة.

309

| 09 يناير 2026

جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل

أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس العاديين والمسؤولين الكبار وخبراء استشراف المستقبل ولم يعد هذا الموضوع يقال همسا أو بمنطق السخرية أو كأغلب المسلمين بتقبل المؤمن لقضاء الله وقدره مرددين الآية الكريمة: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون» (سورة التوبة) وهذه الحقيقة تحولت يقينا عندما نكون شهودا رغما عنا على حرب أوكرانيا تهز قلب أوروبا وهي «القارة العجوز» التي ظلت في مأمن من الحروب طيلة ثمانين عاما كأنما استخلص أهلها الحكمة من عبث الحروب وفوضى مقتل الملايين بلا سبب وبلا هزيمة أو نصر. والقتال بين أوكرانيا وروسيا الذي يدخل عامه الخامس هو الدليل القاطع الساطع لأنموذج الحرب العبثية كما قال حكماء غربيون بسبب محدودية معرفة رئيس أوكرانيا (وهو في الأصل فنان كوميدي ذاعت شهرته في البرامج الترفيهية للتلفزيون الأوكراني) تقدم للانتخابات الرئاسية وفاز حيث تفاجأ الجميع بفوزه وكان هو نفسه أول المتفاجئين ورغم أن عهدته الرئاسية تنتهي دستوريا سنة 2024 لكن تفاقم الأوضاع وبالنظر الى الأخطار المهددة لشعبه فإنه تشبث بالسلطة ووعد العالم بأن لقاءه مع الرئيس (ترامب) سيحدد مصيره ومصير أوكرانيا لكنه أراد إلحاق بلاده بالاتحاد الأوروبي والظفر بعضوية حلف الناتو وهو يعلم حق العلم أن الرئيس (بوتين) لن يسمح أبدا بأن تنقلب أوكرانيا فجأة من دولة روسية تعتبر قلب روسيا حسب عقيدة (ستالين) الى دولة غربية عدوة تنتصب فيها صواريخ الناتو العدو على حدودها لتهدد سلامة وأمن اتحاد الجمهوريات الروسية! ثم إن تغيير طبيعة العلاقات الدولية جعلت من الزعيمين (ترامب) و(بوتين) حليفين قررا إنهاء الحرب الأوكرانية الروسية كما يريدان وبما يتناسب مع مصالحهما دون أي اعتبار لدول الاتحاد الأوروبي بل إن جميع اللقاءات الثنائية بين الرجلين تمت دون حضور الأوروبيين بينما ينشط الرئيس الفرنسي (ماكرون) في إقناع رؤساء دول الاتحاد بضرورة الدفاع عن أوكرانيا بل بحتمية تسليحها فاستجاب له أغلب القادة ورصدوا 90 مليار يورو لتمويل المجهود الأوكراني «لتحرير بلاده من المعتدي الروسي!!!» وأتذكر أنا حكماء الغرب الذين بلغ سنهم قرنا كاملا مثل (ناحوم شومسكي) عالم اللسانيات الشهير و(هنري كيسنجر) ثعلب الدبلوماسية الأمريكية وهما يؤمنان أن قدر أوكرانيا هو أن تبقى على الحياد وذلك أسلم وضع لها يخدمها ويخدم السلام ويجنب القارة الأوروبية ويلات الحرب. أما في بقية أنحاء العالم فقد أكد عام 2025 أن التطرف العنصري نفذ جرائم الإبادة الجماعية وأدانته الضمائر الحية ورأينا خروج مظاهرات مليونية من جامعة كولمبيا ومن كل عواصم الغرب تدين الإرهاب الرسمي وتترحم على أرواح 20 ألف طفل وعشرات آلاف النساء وكبار السن والأبرياء غير المسلحين الذين قتلوا بلا وجه حق. أهم ما يبقى في الذاكرة من تلك الكارثة هو أن المعتدي المحتل أصبح عبئا على أقرب حلفائه وطبعا على جيرانه المعتدى عليهم وأعتقد اصبح عبئا على الشعب الإسرائيلي نفسه ودليلنا على هذا هي المظاهرات الكبرى اليومية في تل أبيب وكل مدنهم منادية بوضع حد للحرب وإرجاع الرهائن الى أهاليهم والكف عن العناد والسباق من مرحلة الى مرحلة لمزيد تدمير القطاع والضفة بغاية منع إنشاء دولة فلسطين وهو المطلب الشرعي بضمان الأمم المتحدة المسمى بحل الدولتين. بمثل هذه الممارسات المارقة عن القانون يستمر توسيع رقعة الاستيطان ببناء آلاف المستوطنات وزرعها في قلب أرض فلسطين مثلما فعل الاحتلال عندما أقام جدار العار مقتطعا من أملاك المواطنين الفلسطينيين وأدانته منظمة الأمم المتحدة بل أمر مجلس الأمن بهدمه والمجلس كما تعلمون هو الذي لا اعتراض على قراراته وضرب به المحتل عرض الحائط. وخلال السنة التي نودعها نشطت الدبلوماسية القطرية لأداء رسالة الوساطة السلمية الخيرة وعدم الاكتفاء بالتنديد وتحملت من أجل مواقفها المبدئية قصفا غادرا غير متوقع لمقر اجتماع قيادات فلسطينية التأمت لإعداد رد مناسب على مقترحات أمريكية وإسرائيلية القصد منها إقرار السلام وتوفير الأمن والسعي الجاد لوقف النزيف والتمهيد لحل الدولتين وطي صفحات الماضي الأليمة. وطبعا بجرأة وصدق جاءت عبارات حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى من أعلى منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة تسمي إرهاب الدولة باسمه وتدين المروق عن الشرعية مع استمرار الوساطة بشروط خضوع المحتل للقانون الدولي. وفي سياقات أخرى عاشت شعوب عربية كوارث حروب أهلية مدمرة بسبب التدخلات الأجنبية واستعانة أهل البلاد بقوى معادية للتغلب على الخصوم مثلما يقع اليوم في السودان للعام الرابع بانقسام عبثي بين فصيلين فتح الأبواب للتدخلات الأجنبية المختلفة التي اغتنمت هشاشة اللاعبين السودانيين للتخطيط لاقتسام ثروات السودان الكبرى حين يسقط المتنافسون وتنتهي الحرب لكن بعد مقتل ألاف الضحايا وحصول أضرار بليغة تركت شقوقا في جدار وحدة الشعب ومرافقه وتعليم أجياله وجراحا لن تندمل. ونتمنى للشعب اليمني أن يتفق أهله على حلول عادلة وسلمية تبعد عنه أشباح الانقسامات وعودة الحرب الكارثية التي جربها اليمنيون منذ الستينات حين تدخل زعيم مصر جمال عبد الناصر رحمة الله عليه في شؤون اليمن ضد حكم عريق هو حكم الأئمة (آخرهم بدر وأحمد) ونصب المشير عبد الله السلال على رأس جمهورية لم تلبث أن انهارت وغيرت مسار تاريخ اليمن الحديث. ومن الأحداث المخيفة المؤسفة التي طبعت 2025 تلك المصائب التي نزلت على كل من سوريا ولبنان بسبب المطامع الإسرائيلية وبسبب التركيبة الأثنية والدينية لشعوبهما وهو ما فتح الأبواب مشرعة لعمليات قصف أجنبية بعلة حماية الدروز مثلا وأملنا جميعا أن تنجو سوريا مما يهددها من تقاتل أهلي وكذلك لبنان داعين بالصبر والقوة لرجلين متميزين هما أحمد الشرع وجوزيف عون ليعبرا ببلديهما الى سنة 2026 بسلام.

309

| 02 يناير 2026

معجم الدوحة للغة العربية وسام على صدر قطر

جميع العرب يعرفون مدى اهتمام دولة قطر منذ عقود بكل ما يعزز ثقافتها العربية الإسلامية وهي الدولة الفتية التي كانت رائدة ثقافيا بنشر مجلة (الدوحة) التي كانت توزع بأسعار رمزية في كل مجتمعات العالم العربي وهي الدولة التي بادرت بإنشاء (نادي الجسرة) في السبعينيات منارة فكرية بفضل محاضراته ونقاشاته الفكرية وهي الدولة التي نظمت في جامعتها المحاضرات الشهرية الكبرى التي كان يلقيها أشهر المفكرين والعلماء العرب وغير العرب. وها هي قطر اليوم تدعم ذلك المسار المشرف بحفل اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية الذي شهده حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى تتويجا لمسار علمي طويل امتد لعدة سنوات أنجز خلاله أحد أكبر المشروعات اللغوية العربية في العصر الحديث لتوثيق تاريخ الألفاظ العربية وتطور دلالاتها عبر العصور. وهذا المشروع بات مشروعا عربيا ذا إشعاع عالمي يعزز حضور لغتنا في البحوث العلمية العالمية إذ شارك فيه ممثلو منظمات إقليمية ودولية ونخبة من علماء اللغة العربية ورؤساء المجامع اللغوية العربية إلى جانب كبار المستشرقين المهتمين بالدراسات اللغوية العربية فضلا عن أعضاء المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي وخبرائه وباحثيه الذين أسهموا في إنجاز هذا العمل المعجمي المميز الذي يكشف عن تحولات الكلمة الدلالية والصرفية والاستعمالية على امتداد ما يزيد على عشرين قرنا. وفي هذا السياق، أكدت سعادة السيدة لولوة بنت راشد بن محمد الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، المكانة المحورية لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية ودوره الفاعل في دعم تعليم اللغة العربية مشددة على أهمية الاستثمار في المشاريع اللغوية الكبرى بوصفها ركيزة أساسية لبناء المعرفة وصون الهوية الثقافية وترسيخ مكانة اللغة العربية في الحاضر والمستقبل وأضافت أن اكتمال المعجم يجب ألا يقف عند حدود مشروع لغوي رائد وإنما عليه أن يكون استهلالا وأرضا خصبة لمشروع نهضوي أشمل مشيرة إلى أن المعجم يمثل الجدية والاستمرارية بالإضافة إلى القدرة على الجمع والتأليف بعدما أصبح العمل الفكري الجاد والمستمر في العالم العربي يعاني من غياب سوق رائجة له في ظل ما يطلق عليه الحالة الموسمية في المشهد الفكري والثقافي العربي وأكدت سعادتها أن أهمية المعجم تكمن في عدة عناصر منها جديته وطبيعته التراكمية علاوة على المؤسسة الحاضنة له والتي تتمتع بغزارة الإنتاج بالإضافة إلى زخم التأليف والترجمة والبرامج الأكاديمية. وقالت إن المعجم نجح في صهر التباينات بين المشتغلين عليه في ظل اختلاف مشاربهم وانتمائهم إلى مدارس فكرية متباينة إلا أنهم اجتمعوا وعلى مدى أكثر من 10 سنوات في سبيل إنجاز مشروع جامع ونافع وضمن إطار منهجي أسفر عن فتح آفاق معرفية فريدة ورائدة ظلت أجيال سابقة تحاول بلوغها في عالم عربي تضاءل فيه الحوار اللغوي منذ زمن نتيجة ما يعانيه من حالات استقطاب. وأكدت أن الدوحة التي مدت ظلالها وارفة في الماضي ليفد إليها مفكرون ومثقفون ومبدعون قادرة ومؤهلة لتلعب دورا خلال المرحلة المقبلة لاحتضان مشروعات فكرية ونهضوية تسهم في تحريك عجلة التاريخ لصالح الأمة ولصالح الإنسان المعاصر الذي ترفض فطرته أن يكون سلعة اقتصادية. ومن جانبه شدد الدكتور (عز الدين البوشيخي) المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية على الأهمية العلمية والمنهجية البالغة لهذا المشروع المعجمي الرائد بوصفه ثمرة عمل مؤسسي تراكمي امتد لسنوات طويلة ووصف المعجم بأنه «يمثل مشروعا علميا جادا يتميز بعمقه المعرفي والتاريخي ويهدف إلى حفظ الهوية اللغوية للغة العربية ويعيد للأمة الثقة في ذاتها وفي قدراتها ويحيي لديها الأمل في تحقيق طموحاتها الحضارية. وقال إن هذا الإنجاز يمثل ثمرة جهد علمي كبير وتعاون ممتد بين نخبة من العلماء والباحثين والمتخصصين في اللغة العربية وأنه لم يكن مجرد مشروع لغوي تقليدي بل رؤية معرفية شاملة تستهدف خدمة العربية وتوثيق تاريخها وتطور ألفاظها ودلالاتها عبر العصور مشيرا إلى أن الفريق حرص على تقديم مادة علمية دقيقة تلبي احتياجات الباحثين والمهتمين باللغة العربية وأضاف المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية أن هذا الإنجاز ما كان ليرى النور لولا العناية السامية التي أولاها حضرة صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله وتضافر الجهود والإيمان بأهمية خدمة اللغة العربية مشددا على أهمية مواصلة العمل والبناء على ما تحقق حتى يظل المعجم مشروعا حيا متجددا يخدم الأجيال القادمة مثل منارة تضيء الطريق. وأشهد شخصيا بعد أن أتيح لي الاسهام في المسار الثقافي لدولة قطر على مدى أكثر من ثلث قرن بأن المعجم استكمال عملاق لذلك المسار وهو ثمرة خيارات القيادة لإيلاء الهوية مكانتها الراقية وتأصيل أجيال المستقبل في بيئتهم الحاضنة الأوسع وبذلك تضمن القيادة الرشيدة نشأة عواطف الانتماء لحضارة ثرية كان وما يزال لديها الكثير الكثير من العطاء للإنسانية ولم تعرف في تاريخها ما عرفه الغرب من «عصور الظلام».

261

| 26 ديسمبر 2025

في الهوية الوطنية القطرية ومسير الخير

شهدت أمس باعتزاز تجسيدا حيا للتلاحم التلقائي بين القيادة والشعب خلال العرض العسكري الذي أشرف عليه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، بمشاركة رمزية من جيوش دول صديقة تدل على مكانة قطر العالية بين الدول وتشير إلى رسالة دبلوماسيتها القيمية والمبدئية في وساطات الأمن والسلام التي تؤديها الدولة وكذلك تعزز محور مقالنا هذا الأسبوع حول الهوية الوطنية القطرية كما صادف أن استمعت هذا الأسبوع إلى برنامج إذاعي بثته الإذاعة القطرية حول ما سماه الزملاء الأساتذة المشاركون في الحوار الشيق (الهوية الوطنية القطرية) ولفتت سمعي عبارة من أحدهم حيث قال: «إن الوطن تقاس قيمته بهويته وثقافته قبل أن تقاس بثرائه الاقتصادي وثرواته الطاقية» وهنا باركت بيني وبين نفسي هذا التعريف الصحيح للمجتمع القطري الذي كتب الله لي أن أساير نهضته الفكرية والحضارية والاقتصادية منذ أن حللت بهذا البلد الأمين منذ أكثر من ثلث قرن. وعرفت الليلة أنني شخصيا ساهمت بقسطي المتواضع في تأسيس الهوية الوطنية القطرية دون أن أتميز عن زملائي القطريين والمقيمين في بناء ذلك الصرح العتيد. وكنت بفضل رصيدي الأدبي والتربوي والثقافي حاضرا في مجال التربية والتعليم بسبب ارتياد أولادي للمؤسسات التعليمية واطلعت على ذكاء برامجها التي تحرص على ربط الطالب بتاريخه وتراثه وبيئته بغاية تأصيله فيما يسمى الهوية الوطنية. كما كنت حاضرا في محاضرات نادي الجسرة الثرية والمحاضرات الشهرية الكبرى في جامعة قطر بل وألقيت واحدة منها سنة 1992 حول العلاقات التاريخية بين الإسلام والغرب وقدمني للحاضرين الزميل د. علي أحمد الكبيسي. أما تواجدي في عالم الثقافة فمن خلال معارض الكتاب ونشر كتبي في سلسلة تصدرها وزارة الأوقاف وكان أول كتاب لي بعنوان (الإسلام وصراع الحضارات). عرفتني هذه المجالات مجتمعة بالمحور الهام الذي خصصته إذاعة قطر. وكما توقعت فإن الحوار الإذاعي كان حريصا على أن هوية قطر هي عربية إسلامية وتعتمد على أركانها الثابتة وهي دين الأمة ولغة القرآن العربية والتراث التقليدي المشترك بين دول الخليج وهو مما دعم غرس الشباب القطري في بيئته بكل مقوماتها الحضارية. ويدرك قارئ التاريخ أن المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، طيب الله ثراه، قبل أن يفكر في إنشاء الدولة في القرن التاسع عشر خطط لتحقيق اتحاد المجتمعات الخليجية منذ ذلك التاريخ إلى أن تم تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي سنة 1981 تحت ضغوط إرادة التوسع والاستكبار لدى بعض قادة دول الشرق الأوسط قبيل حرب الخليج واستيلاء صدام حسين على الكويت. ونعيد نشر بعض فقرات من التحليل المتميز لقضية الهوية والتباس أمر العروبة والإسلام لدى الرأي العام العربي عموما والذي ساهم به الكاتب والمفكر (حازم صاغية) في مؤتمر نظمه «مركز القاهرة لحقوق الانسان» حيث ناقش الكاتب والمفكر الحر إشكالية بعنوان: “بعض أسئلة المزاج الليبراليّ في الوضع العربيّ الراهن” وطرح فيها كعادته الكثير من الأسئلة أو الإشكاليات التي عوّقت فهم أفكار الليبرالية في العالم العربي على حقيقتها وهو نفس ما حصل من قبل مع أفكار القومية والماركسية أيضاً. وهنا سأستعرض لقرائي تجربتي الشخصية مع هذه القضايا في وطني تونس ولا أخفيكم أنني عندما بدأت أنشغل بمسائل الاستعمار الجديد وريث الاستعمار العسكري والإداري المباشر أدركت أن المستعمر حينما يغادر بلادنا (هنا أتكلم عن تونس كأنموذج) نتيجة مقاومة شعبية فهو يرتب بدهاء مرحلة ما بعد مغادرته بلادنا بضمان استمرار مصالحه بتمكين «نخبة» من أهل البلاد في الحكم تحت شعارات مضللة مثلما كان تمكين الزعيم الحبيب بورقيبة من رئاسة الجمهورية التونسية بعد الإطاحة بالنظام الملكي وإعلان الجمهورية يوم 25 يوليو 1957. وكما يقول المؤرخون اليوم فإن الاستعمار الفرنسي ساعد بورقيبة دون كل الزعماء على الاستفراد بحكم تونس وطبعا القضاء على منافسه الأقوى الزعيم صالح بن يوسف إلى أن اغتيل في غرفة من غرف فندق (روايال) بمدينة (فرنكفورت) يوم 12 أغسطس عام 1961 على أيدي ميليشيا مسلحة من ميليشيات حزب بورقيبة وهو ما اعترف به بورقيبة نفسه سنة 1973 في سلسلة محاضراته حول حياته أمام طلاب معهد الصحافة وعلوم الأخبار وكنت حينئذ طالبا فيه ومستمعا لما كشف عنه رئيس الجمهورية الملقب بـ «المجاهد الأكبر» من أسرار وخفايا تتعلق بحياته العائلية بل وحتى الحميمية وهي ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الحكام العرب وغير العرب. وفسرت أنا هذه الاعترافات بهوس الزعيم بورقيبة بالبقاء في التاريخ كمؤسس الدولة الحديثة في تونس وهو يؤمن بأن جيلي من خريجي الصحافة والإعلام سيحتفظ في ذاكرته بكل تفاصيل حياة الزعيم وربما دونها في كتب ونشرها على القراء! ونعود إلى أطروحات (حازم صاغية) الذي يرى أن معظم البلدان العربية تفتقر إلى إجماعات تأسيسيّة (إجماعات تعني توافقات) في التفريق بين الوطن والدولة والشعب حيث الغالب الأعمّ هو الانتماء إلى ما قبل الدولة وإلى ما دونها وقد فاقم من تلك المشكلة “التوهُّم” بإمكان التعويض عن ذلك بـتعريف الوطنيّة بالعداوة للمستعمِر والإمبرياليّ والأجنبيّ فقط دون تعمق في فهم الوطنية مثلا كمحرك للعمل الجماعي وتحفيز الاستثمار وخلق الثروة الوطنية والعدالة في توزيعها مما يعطي محتوى اقتصاديا لمفهوم الوطن بل وإعلاء كلمته في العالم بفضل دبلوماسية جريئة تضع الوطن في فلك العالم بل يؤثر فيه. اليوم وقطر تحتفل باليوم الوطني وفي العرض الكبير بالكورنيش وفي كل معالم الدوحة نلمس فرحا غامرا صادقا من الأعماق يرتسم على ملامح الجميع من مواطنين ومقيمين وفي لباسهم العيدي وراياتهم العنابية المرفرفة ورغبتهم في رؤية صاحب السمو وهو يقترب منهم بابتسامته المعهودة وتواضعه المعروف ويصافح بعضهم وهم يهتفون بحياته وحياة صاحب السمو الأمير الوالد. ذلك هو التعريف الحقيقي بالهوية القطرية والنتيجة الطبيعية لجهود الدولة في ترسيخها.

300

| 19 ديسمبر 2025

عام على رحيل الأسد وانتصار الشعب

كان منتدى الدوحة المنعقد يومي 6 و7 ديسمبر الجاري فرصة متاحة للرئيس أحمد الشرع حتى يستخلص العبر من المقاومة العادلة لمنظومة الظلم والقهر والتنكيل والقتل التي عرفها العالم عن عهدي حافظ وبشار على مدى 54 عاما أسفر عن هجرة 14 مليون سوري من وطنهم الى شتى أصقاع الأرض بعد أن تحولت سوريا الى سجن مفتوح يضم سجونا رهيبة مثل (صيدنايا). وآخر الأخبار تقول بأن الرئيس أحمد الشرع استقبل في البيت الأبيض بحفاوة وتقدير حتى إن الكونغرس الأمريكي ألغى قانون القيصر تجاه سوريا (وهو القانون الذي يقر عقوبات صارمة على الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة مارقة وتمارس دوس حقوق الإنسان) وهذا يعني أن أحمد الشرع تصرف دبلوماسيا بذكاء ومرونة تحسب له وتعود سوريا بفضل النظام الجديد في ظرف سنة واحدة الى لعب دورها المتناسب مع حجمها وثرواتها وكفاءات السوريين والسوريات. وفي المنتدى أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن بلاده تسير في الاتجاه الصحيح وتحولت من منطقة مصدّرة للأزمات إلى نموذج للاستقرار وأن العالم يؤيد بلاده في مطالبتها بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي احتلتها مؤكدا أن إسرائيل هي المدانة دوليا بتصدير الأزمات. وفي رده على من يتهم الدولة في عهده بكونها دولة محاصصة وتمييز بين السوريين فقال إن الجمهورية قائمة على نظام مؤسساتي قابل للاستمرار سواء بوجود الأشخاص أو برحيلهم. وفي رده على مخاوف بشأن الوحدة الداخلية رفض الشرع توصيف أن السوريين يشعرون بالخوف، قائلًا «اليوم ومنذ أسبوع وحتى الآن وإلى بضعة أيام أخرى هناك ملايين ينزلون بشكل عفوي ويعبرون عن فرحتهم بسقوط النظام. فهل هؤلاء خائفون؟ وأضاف «أنا أعتقد أن سوريا تعيش الآن أفضل ظروفها وسوريا بلد واعد وليس هناك بلد في العالم لا يعاني من بعض المشكلات الداخلية أو يحقق توافقًا بنسبة مئة في المئة». وشدد على أن سوريا كانت دائمًا مثالًا للتعايش السلمي عبر التاريخ، مؤكدًا أن «سوريا قدمت دروسًا للعالم كله في كيفية تعايش البشر مع بعضهم». وأوضح أن «جميع أطياف الشعب السوري شاركوا في الثورة»، مضيفًا أن «المسيحيين تأثروا من النظام السابق، وحتى العلويين كانوا من أكثر من دفع ثمن ممارسات النظام من تجويع وفقر واستغلال أبنائهم». وبخصوص الأحداث الأمنية الأخيرة، قال الشرع إن الحكومة شكلت لجان تقصي الحقائق واستقبلت لجانًا دولية، وأنشأت محاكم، وأعلنت عن محاكمة من ارتكب جرائم في الساحل أو السويداء، مؤكدًا أن «هذه ظواهر سلبية، لكن رغم فظاعتها فإنها كانت محدودة، ونحن لا نبررها بل نحاسب مرتكبيها بشدة وفيما يتعلق بالانتخابات، أوضح الرئيس السوري أنه بعد تحرير دمشق، أُعلن عن مؤتمر وطني شامل شارك فيه كثير من الناس، وانبثق عنه إعلان دستوري مؤقت ريثما يُكتب الدستور وقال «هذا الإعلان الدستوري أعطى صلاحية للرئيس الحالي أن يستمر لمدة 5 سنوات، ثم تبدأ الانتخابات»، مضيفًا أنه «خلال هذه السنوات الخمس ستُسن الكثير من القوانين والإجراءات الداخلية، وسيُكتب دستور ويُعرض على الشعب، ليكون المرجعية الأساسية لتنظيم الحكم في البلد. وفي رده على أسئلة حول ماضيه المرتبط بتنظيم القاعدة، رفض الشرع وصفه بالإرهابي، متسائلًا «ما معنى كلمة إرهابي؟ ما هو تعريف الإرهاب أساسًا وقال «الحكم عليّ بأنني إرهابي هو من الأحكام المسيسة المنتشرة في العالم، إذ تُطلَق تهم الإرهاب على أشخاص دون أدلة كافية»، مضيفا أن الإرهابي في التصور العام هو من يقتل الأبرياء والأطفال والناس، ويستعمل وسائل غير شرعية لإيذائهم وأشار إلى أنه إذا وُضع هذا التعريف على كثير من الدول في العالم، فإن «عدد الضحايا في غزة يقارب 60 ألف بريء»، مضيفًا أنه «في سوريا خلال 14 عامًا، هناك أكثر من مليون إنسان قضوا، وحتى هذه اللحظة لدينا أكثر من 250 ألف مفقود». وتابع «نحن حررنا كل السجون لكننا لم نجد هؤلاء، كما تسبب النزاع في تهجير أكثر من 14 مليون إنسان، ومع ذلك لا يُسمّى هذا إرهابًا!». وشدد الشرع على أنه «لم يؤذِ مدنيين على الإطلاق»، قائلًا «قاتلت في جبهات متعددة لأكثر من 20 سنة، وقاتلت بشرف. عشت في مواجهة المخاطر وعرّضت نفسي وكل من معي للخطر كي لا يتعرض المدنيون لأي أذى». وأشار إلى أن «الواقع قد كذّب كل هذه المقولات، وأدرك العالم في النهاية أن هذه السياسة كانت خاطئة والتوصيفات كانت خاطئة»، مضيفًا أن حتى مجلس الأمن وصف بالإرهابي وأضاف أن المرأة في سوريا مُمكّنة بالفعل وحقوقها محفوظة، مؤكدا أنهم يسعون لأن تكون مشاركة في الحكومة وفي مجلس النواب ومجلس الشعب أيضا. وعن فظائع العهد الأسدي في مرحلة حافظ ثم بشار قال الرئيس الشرع: «تُشكّل التسريبات هذا الأسبوع لما بات كثيرون يسمّونه “ملفات دمشق” تذكيرًا وحشيًا ـ إن كان ثمة حاجة لمزيد من التذكير ـ ببشاعة وانحطاط نظام بشار الأسد، وبالارتياح البالغ تجاه زواله. الأرشيف الجديد من الصور والوثائق، الذي يوازي ويعمّق أدلّة سابقة على التعذيب والقتل المنهجي داخل مراكز الاحتجاز السورية، يجبرنا مجددًا على مواجهة البيروقراطية الهادفة لإدارة العنف في سوريا. وهو أيضًا تذكير صارخ في هذه الذكرى المهمة بأنه لا يمكن لـ“سوريا جديدة” أن تنشأ ببساطة دون مواجهة فظائع الماضي. ومما نعتبره وساما تاريخيا يوشح صدر دولة قطر هو أن صاحب السمو أميرها يتمتع برؤية سياسية وحضارية صائبة حيث كان أول زائر في أعلى مستوى لدمشق مع أول اعتراف رسمي بالنظام الجديد. ونذكر بأن قطر أغلقت سفارة الأسد في الدوحة ولم تفتحها إلا مع سقوط النظام الأسدي ومنحت ائتلاف المعارضة السورية اول سفارة بقيت منذ اندلاع الثورة حتى نجحت واسترد السوريون حريتهم وهو ما لن ينساه له السوريون.

270

| 12 ديسمبر 2025

الرقمنة والتحول الرقمي في قطر.. إنجازات وتحديات

تعود بي الذكريات الى أواسط التسعينيات وكنت في أواسط تلك العشرية أشتغل خبيرا إعلاميا لدى سعادة الدكتور جمعة الكبيسي نائب مدير الجامعة وبدأت أتلمس طريقي للتعرف تدريجيا على أسرار نجاح دولة قطر فيما كان يسمى (الحكومة الإلكترونية.. إي غوفرنمنت) وكان المشرف عليها أحد الأساتذة الجامعيين القطريين وكان مقرها مبنى قديما مجاورا لفندق الخليج (ماريوت وريكسوس الخليج اليوم) وفندق الواحة المتواضع. وأدرك اليوم ونحن على مسافة ثلاثين سنة من ذلك التاريخ أن دولة قطر كانت سباقة ورائدة فيما نسميه الثورة الرقمية. وتشهد بذلك إنجازات كبيرة حققتها دولة قطر في مجال الرقمنة والتحول الرقمي حيث تمثل هذه الإنجازات جزءاً أساسياً من رؤية قطر الوطنية 2020 2030 والتي تهدف إلى تحقيق تقدم شامل وتنمية مستدامة في كل جوانب الحياة. وتعكس إنجازات دولة قطر في مجال الرقمنة والتحول الرقمي التزامها التام بتحقيق التقدم والابتكار وفي أغلب الأحيان التميز عبر مختلف القطاعات مما عزز مكانة دولة قطر كلاعب رئيسي في عصر الابتكار والتكنولوجيا والتقدم التقني ولنأخذ مثلا لذلك مرفق التعليم بكل مستوياته وخاصة التربية والتعليم ما نلمسه اليوم في قطاع التربية والتعليم العالي بفضل جهود صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر من خلال مؤسسة قطر الرائدة، ثم لنأخذ كذلك مجال الرياضة، حيث تحول تنظيم كأس العالم سنة 2022 الى أنموذج عالمي بسبب سلامة وأصالة الرموز التي عبر عنها والكفاءة العالية للمنظمين وتجلت في الملاعب وأمن الجماهير وأحباء الفرق المتبارية وأيضا سلامة المباريات من أول مباراة الى تسليم الكأس. ونذكر هنا بالكلمة التي ألقاها الرئيس (ترامب) حينما استقبله حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد، حفظه الله ورعاه، في بهو الديوان الأميري حيث بدأ كلامه بالإشادة بصاحب السمو قائلا بأنه من أهم رجال الدولة الكبار ثم قال الرئيس (ترامب): «إنني أرجو أن تساعدنا قطر بفضل نجاحها الكبير في تنظيم كأس العالم في جهودنا لأننا سنكون المنظمين لنفس الكأس مع كندا». وحسب تقرير صادر عن (قنا) وكالة الأنباء القطرية وتقرير ثان أعده موقع (الجزيرة نت) فإن دولة قطر تعتبر أحد الأمثلة البارزة على التقدم في مجال الرقمنة والتحول الرقمي، حيث نجحت في تحقيق إنجازات ملموسة في هذا المجال الفاتح لأبواب المستقبل وهو ما يعكس التزام قطر بتحقيق تنمية شاملة تعتمد على التكنولوجيا لتعزيز مستوى الخدمات في القطاعات الحيوية المختلفة وتقديم مستوى أفضل من الخدمات للمواطنين والمقيمين في الدولة. فشرعت منذ عقدين في تطوير بنية الاتصالات والإنترنت مما أدى إلى توفير خدمات إنترنت فائقة السرعة ومستدامة. تلك الخطوة ساهمت بشكل كبير في رفع مستوى التواصل وتيسير تبادل المعلومات وهو مما بوأ قطر المرتبة الأولى بين أعلى الدول في العالم في مجال نشر شبكات الألياف الثابتة وتتصدر قطر التصنيفات العالمية في مؤشرات جودة الحياة الرقمية وانتشار الإنترنت بين السكان بفضل تحديث مستمر لشبكات الهواتف المحمولة من جيل الى جيل أكثر تطورا وذلك قبل عديد المجتمعات صانعة هذه الأجيال من الهواتف. وتحتل قطر المرتبة الثانية عالميًا من بين 175 دولة في مجال اختبار سرعة الإنترنت عبر شبكات الهاتف الجوال. مع العلم أن دولة قطر نجحت في تحقيق تكامل التكنولوجيا في التعليم بجميع مراحله مما أسهم في تحسين جودة التعليم ومهارات الطلاب وكوادر المدرسين. وكذلك كان التوفيق حليف المجتمع القطري حيث استفادت قطر من الابتكارات في مجال الصحة الرقمية مع تقديم خدمات الاستشارات الطبية عبر الإنترنت وتوفير سجلات طبية إلكترونية مما عزز كفاءة الرعاية الصحية. وفي ذات السياق شهدت الخدمات الحكومية في قطر تحولاً رقميًا كبيرًا حيث وفرت لمواطنيها العديد من الخدمات التي يحتاجونها عبر الإنترنت مما سهل إجراءات التفاعل مع الحكومة وحسن مستوى الكفاءة الإدارية. واستخدمت الحكومة القطرية آليات الذكاء الاصطناعي بشكل فعال سواء في تحليل البيانات أو استخدامه بحكمة ومعرفة في كل القطاعات الحيوية في البلاد مثل الطاقة. وضمن جهودها المبذولة في مجال الرقمنة والتحول الرقمي اتخذت دولة قطر إجراءات فعالة لتعزيز الأمن السيبراني مع التركيز على حماية الأنظمة والبيانات الحيوية. ولا تجد اليوم ونحن في نهاية سنة 2025 قطاعا واحدا لم تشمله الرقمنة وهو ما يسر حياة المواطنين والمقيمين بصفة سريعة وناجعة. فلو أخذنا أمثلة الدبلوماسية والطاقة والصحة والنقل والرياضة والتعليم والإدارة والبحث العلمي والعدل بوزارته وملحقاتها والزراعة والسياحة وتنظيم حركة المرور وخاصة توفير أمن المجتمع وحمايته من الجريمة والانحراف لأدركنا بأن الدولة التي كانت سباقة ورائدة منذ ثلث قرن لم تزل كذلك اليوم وبفضل توجيهات حضرة صاحب السمو أميرها، والقيم والمبادئ التي يتمسك بها ستستمر الريادة القطرية محافظة على نفس الخيارات. لو أوجزنا في كلمات قليلة تلك المكاسب التي عددناها لقلنا بأن قطر بعد أن كسبت رهانات الحاضر تتهيأ لرفع تحديات المستقبل لأجيال قادمة خططت دولتهم لضمان مستقبلهم وتوفير حياتهم وهي عقيدة احترام القادم دون أنانية التمتع بخيرات البلاد لجيل اليوم وحده وهنا يكمن جوهر التميز القطري.

579

| 05 ديسمبر 2025

البعد الإستراتيجي للحرب الروسية الأوكرانية

في البداية أبوح لكم بأني متمسك برأيين حول أوكرانيا صرح بهما رجلان حكيمان بلغا قرنا من العمر كل على حدة: الأول هو المفكر الأمريكي عالم الألسنيات من أصول يهودية وما زال حيا (ناحوم تشومسكي) والثاني متوفى ويسمونه ثعلب الدبلوماسية الأمريكية مخطط لقاء (كامب ديفيد) الذي أخرج مصر من المواجهة العربية الإسرائيلية (هنري كيسنجر) وسبق أن علق الرجلان على الحرب الروسية الأوكرانية فاتفقا على أن موقع أوكرانيا المنطقي والحقيقي هو الحياد وليست مؤهلة لا للعودة الى اتحاد الجمهوريات الروسية ولا للانضمام الى الحلف الأطلسي وعضوية الاتحاد الأوروبي. ولنحلل حالة العلاقات الدولية اليوم من خلال أوكرانيا ومخاطر حرب عالمية ثالثة تنطلق هذه المرة أيضا كسابقتيها من قلب أوروبا لتعم العالم. فقد نجح ترامب في الوصول إلى اتفاق تاريخي مع روسيا يبعدها عن التحالف مع الصين. وتذهب الخطة أبعد من ذلك حين تطالب خطة الرئيس (ترامب) نظيره الأوكراني بالتخلي عن أراضٍ ما تزال تحت سيطرتها لضمها رسميًا إلى روسيا مما يضطرنا للإقرار بأن الرئيس (زيلنسكي) حول أوكرانيا إلى ساحة صراع دولي لا يملك أي قرار فيه بل ترك مصير بلاده رهن حسابات قوى دولية كبرى متصارعة حين راهن على دعم أمريكي مطلق ليكتشف في النهاية أن أمريكا تتعامل معه كورقة تفاوض لا أكثر. واليوم فإن كل ما قُدم من تضحيات وكل ما خسرته أوكرانيا من أراضٍ واقتصاد واستقرار، ينتهي على طاولة تفاوض بين موسكو وواشنطن من دون أن يكون للرئيس (زيلنسكي) حق الاعتراض أو حتى مجرد الحضور! ثم إن تجاهل واشنطن للأوروبيين في هذه الصفقة ليس تفصيلًا بسيطا لأن الأوروبيين الذين أجبرتهم واشنطن ولنقل شجعتهم على الدخول في هذا الصراع هم المتأثرون مباشرة بالحرب بين روسيا وأوكرانيا ومع ذلك جرى تجاوزهم بالكامل! وكل ما استطاعوا إظهاره للعلن في قمتهم الأخيرة المنعقدة في بروكسل هو التعبير عن الانزعاج والخيبة، في مشهد يعكس عجزهم السياسي وانكشافهم الاستراتيجي. لقد اكتشفوا مرة أخرى أن واشنطن لا تتعامل معهم كشركاء بل كمجال نفوذ تتغير فيه السياسات بحسب المصالح الامريكية والروسية الاستراتيجية. لأن القوى النووية والاقتصادية الثلاث (واشنطن وموسكو وبيجين) لا تحمي أحدًا في الحقيقة بل تستخدم الجميع بدون اعتبارات أيديولوجية كانت سائدة قبل سقوط جدار برلين في نوفمبر1989 فيما عرف بالحرب الباردة. وما يجري اليوم مع (زيلنسكي) وأوروبا ليس إلا نموذجًا جديدًا يؤكد كيف تستدرج القوى العظمى بعض الغافلين من الحكام لتنفيذ أجنداتها ثم تتبرأ منهم عند أول فرصة! فهذا كان وما زال حال كل القوى العالمية المهيمنة على العالم ولم تختلف هذه السياسات إلا في مراحل الحكم الاسلامي للعالم منذ فجر الإسلام ودولة المدينة ثم الخلافة الأموية تليها العباسية انتهاء بالسلطان العثماني حتى سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924. وكما يعرفني قرائي منذ بدأت أنشر ما أعتقده فأنا لست ممن يدعو الى القطيعة بين دولنا والدول العظمى ولكن تحالفنا مع إحداها لا يعني الانسياق وراء مخططات قد تعود بالضرر على بلداننا وعيا منا جميعا أن ما يحكم العلاقات الدولية هو المصلحة والمصلحة فقط وبحكم علمنا ان كل الدول العظمى في إطار رؤيتها للقرن الحادي والعشرين تسعى مثلا للسيطرة على القارة الافريقية وتحجيم الدور الأوروبي الاستعماري فيها وهو ما عبرت عنه انتفاضات عسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وآخرها الانقلاب العسكري في غينيا الوسطى يوم 26 نوفمبر الجاري وشرعت الشعوب الفرنكوفونية منذ 3 سنوات في الخروج من سيطرة باريس على مقدراتها وستتبعها الأمم التي خضعت لبريطانيا بلا ريب. ولا ننسى أن الغاية الجيوستراتيجية لواشنطن وموسكو تبقى هي القضاء على الوجود الصيني في افريقيا فقد توصل الرئيس ترامب الى اتفاق مع بوتين تضمن به الولايات المتحدة كسب موافقة (بوتين) على أن تكون موسكو شريكة لها في تحقيق ذلك. وبالعودة الى موضوعنا الأساسي فقد حدث اتفاق بين الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات الروسية يدخل بموجبه الرئيسان الأمريكي والروسي في تحالف غير معلن بين القوتين العظميين في مواجهة الصين! أي ضد المنافس الصيني الأخطر وهو ما يؤدي الى قطع امدادات الطاقة عنها عبر خط سيبيريا متى طلبت واشنطن ذلك مقابل السماح لروسيا بدور متقدم حتى على أوروبا في السياسة الدولية وهو ما يرضي غرور (بوتين) ونرجسيته وحلمه القديم باستعادة الإمبراطورية القيصرية لروسيا! فبعد أربع سنوات من الحرب الروسية الاوكرانية حققت واشنطن أهدافها بإضعاف روسيا واجبارها على الدخول تحت جناحها وكان لا بد من تقديم هدية للرئيس (بوتين) وهي المتمثلة في حصوله على أراض أوكرانية أكثر مما احتل ليظهر أمام شعبه بمظهر المنتصر في الحرب. ومن جهة ثانية اضعفت الأوروبيين وكشفت واقعهم الهزيل أمام شعوبهم وأمام العالم وأنهم بدون المظلة الأمريكية في السلم والحرب غير قادرين على فعل أي شيء بل غير قادرين حتى على حماية أنفسهم وهو ما سينعكس على سياسات أغلب الدول. أما الصين التي كانت تفتخر بأنها القوة العالمية القادمة فقد أفشلت واشنطن كل خططها من مبادرة الحزام وطريق الحرير الى منظمة (البريكس) الى تواجدها في كثير من موانئ العالم وحاصرتها باتفاقيات وتحالفات مع كل الدول المحيطة بها وآخرها الاتفاق مع الهند وحاليا مع روسيا مما شكل هلالا يحصر الصين في مجالها الجغرافي ويجبرها على الانكفاء والتسليم بقيادة أمريكا للعالم في هذا القرن. وستشهد السنوات القادمة مزيدا من هذه الهيمنة خاصة لو خطط خبراء الاستراتيجيات الأمريكان لتفكيك خريطة العالم القديمة وهو ما يسعى لتنفيذه العنصريون المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية حيث شرعوا في فصل الضفة عن القطاع وأعلن رئيس حكومتهم أنه لا يعترف بتقسيم (سايكس بيكو) لأن بريطانيا وفرنسا كانتا عام 1916 هما الامبراطوريتان الأقوى أما اليوم ونحن في سنة 2025فالعالم معترف بوحدانية القطب الأمريكي وبأن القاطرة التي تقود الشرق الأوسط هي إسرائيل! وهذا ما يجب على جميع العرب أن يعوه و يتعاملوا معه بذكاء كواقع مفروض على العالم كله.

354

| 28 نوفمبر 2025

قال لي بوتفليقة في التسعينيات كلاماً أستعيده اليوم

اللهم احمِ الاتحاد المغاربي من الهزات والعواصف واهد شعوبه إلى طريق الرشاد والوعي، وبلِّغهم شاطئ الأمان في عالم متقلب لا يرحم، وإقليم مغاربي هش وعلى ضفاف بحيرة المتوسط الرابطة بين شمال أفريقيا وجنوبه وهي الجسر الذي يصل دول الاتحاد الأوروبي بدول منطقة الشرق الأوسط. اليوم ونحن نشاهد على القنوات التلفزيونية تفاصيل اعتراف مجلس الأمن بمغربية الصحراء أي بأن ما كان يسمى بالساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) هي جزء من المملكة المغربية وأن مخطط الملك محمد السادس المتمثل في تمتيع سكانها بالاستقلال الذاتي ضمن السيادة المغربية هو المخطط المنطقي والمقبول الذي تؤيده منظمة الأمم المتحدة. وهنا نبارك الزيارة الرسمية التي أداها الرئيس عبد المجيد تبون إلى موسكو والحفاوة التي استقبل بها كما نبارك تقبل السلطات الجزائرية بصدر رحب النقد والمقترحات والمعارضة البناءة لتوجهات رسمية دأبت عليها الدولة منذ عقود وهذه الظاهرة الصحية كدنا نيأس منها حتى رأينا ما وقع في الجزائر من مظاهرات سلمية قامت بها جماهير الشباب والكهول وهي تنزل إلى شوارع الجزائر ووهران وقسنطينة وسطيف رافضة منطق الجمود والغموض وحالة استمرار الوصاية الأحادية تحت شعار العهدة الخامسة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ولفت نظري مؤشر رمزي عميق يتمثل في مشاركة المجاهدة الجزائرية الرمز الخالد لثورة جيش التحرير الجزائري في هذه المظاهرات وهي (جميلة بوحيرد) التي عرفناها منذ طفولتنا وسمعنا ببطولاتها ونقلت لنا السينما المصرية بعض ملحمة تعذيبها وصمودها حين مثلت ماجدة دورها فرسخت قصة (جميلة بوحيرد) في ذاكرتنا رمزا للمقاومة ورفض الاستعمار وفرض أقدار الحرية لشعب المليون شهيد. نعم جميلة شاركت فيما اعتقدته عام 2019 تحريرا ثانيا للشعب من أجل تحقيق حريته بعد أن ساهمت في تحقيق استقلاله. وأنا عادت بي الذاكرة إلى عامي 95 و96 في الدوحة وكنت أنا نفسي لاجئا فيها بفضل مروءة قيادتها التي استجرت بها فأجارتني بعد أن حصلت على اللجوء السياسي من فرنسا وأسعدتني الصدف وعلاقاتي الطيبة بالإخوة القطريين أن ألتقي عديد المرات بالمناضل الجزائري الكبير وصانع الدبلوماسية الجزائرية بعد استقلالها وأحد أبرز مؤسسي التضامن الأفريقي- الآسيوي وحركة عدم الانحياز عبد العزيز بوتفليقة هو ذاته الذي تظاهرت الجماهير الجزائرية ضد عهدته الرئاسية الخامسة بسبب مرضه الذي أقعده نهائيا وحَوّل ذلك الرجل السياسي إلى مجرد واجهة مدنية تحكم من ورائه مجموعة مراكز قوة.! تذكرت الأحاديث التي دارت بيننا حين كان بعيدا عن الشأن السياسي يعمل مستشارا لأمير دولة الإمارات الشيخ زايد آل نهيان، رحمة الله عليه، ويعيش في أبو ظبي يتابع من بعيد تطور أحداث العشرية السوداء في وطنه بمرارة وعمق تفكير. وكان يتردد على الدوحة أيام الخميس والجمعة بدعوات أخوية من أصدقائه القطريين وهم لا شك يذكرون ما كان يدور بيننا وبينه من حديث مشحون بالتاريخ واستشراف المستقبل وكانت تجمعنا سهرات طويلة في بيت الشيخ علي بن جاسم صديقه يحضرها شقيقاه الشيخ حمد بن جاسم رئيس غرفة التجارة والصناعة والشيخ خليفة بن جاسم الذي تسلم رئاسة الغرفة من بعده. كما اجتمعنا حول غداء سمك الهامور والصافي والكنعد في بيت السفير محمد آل خليفة وقد تحمل أمانة سفير لدولة قطر في الجزائر وتعرف عن كثب على وزير الخارجية المقتدر النشيط عبدالعزيز بوتفليقة وكان يحضر معنا دبلوماسي عماني يجمع بين الأدب والإعلام والسياسة هو الصديق علي بن مسعود المعشني المقيم آنذاك في الدوحة. أحاديثنا كانت تبدأ عادة من تحليل ضاف ورصين يقدمه لنا بوتفليقة عن الحالة الجزائرية بعد تفاقم الإرهاب وتشعب الصراع بين ما بقي من جبهة الإنقاذ الإسلامي وفرعها المسلح وبين ما بقي من جبهة التحرير الوطني وفرعها العسكري فيؤكد لنا بوتفليقة أنه يؤمن بأن حلا سلميا مدنيا وطنيا لا يزال ممكنا بل هو الحل الوحيد إذا ما اقتنع الجزائريون بأن نفق القتال المسلح بات مسدودا وإذا ما استطاع كل فصيل من الفصيلين المتقاتلين أن يعتبر الخصم مواطنا جزائريا له حقوق وعليه واجبات فيتغير نوع العلاقة بينهما من عداء دموي إلى نقاش أخوي. وبدأ بوتفليقة منذ ذلك الزمن يهيأ في ذهنه الحل الذي يتضمن العفو التشريعي المشروط وإلقاء السلاح وإعلان الهدنة التي تتحول إلى وفاق، وطي صفحة الماضي وكنت أنا ألحّ عليه في قبول بعض المناشدات التي تصله من رفاق دولة الاستقلال ليتولى هو مهمة الوفاق والسلم المدني وهو كما يذكر الإخوة يرفض قطعيا أن يعود للعمل السياسي بعد الذي جرى ثم أقول له أنا مبتسما: «قال بعض الحكماء إن الرجل السياسي لا يموت إلا بموت حقيقي أما إذا كتب الله له الحياة فهو كالبركان يظنه الآخرون منطفئا ميتا لكنه هادئ إلى حين ثم ينفجر حمما ويبعث من جديد»، فلا يجيبني إلا بحركة رأسه الرافضة وبحيرة ترتسم في عينيه الخضراوين ثم أواصل ضاحكا: «نتصور أنك يوما ما ستمسك بخيوط السلطة فأرجوك ابدأ بحل قضية الصحراء والبوليساريو لأن المغرب العربي معطل بسبب هذا الخلاف بين الجزائر والمغرب»، فيجيبني «إن ملف الصحراء هو ملف الهواري بومدين رحمه الله شخصيا وهذه المعضلة ستجد حلا بين الأشقاء والجيران إذا ما وصل للحكم رجل يتحرر من وطأة المواريث السياسية الثقيلة! وأعطاني بوتفليقة رقم هاتف والدته لكي أتصل به إذا ما عاد للجزائر ثم حدث ما أصر بوتفليقة على رفضه بعد سنوات قليلة ولم تحل قضية الصحراء وبالطبع لم أتصل به في الهاتف لأن الوضع غير الوضع ولله في خلقه شؤون! كان الهاتف على ملك والدته وباسمها لأن عبد العزيز ليس متزوجا ويقال إنه بفضل وسامته وعينيه الخضراوين كان محبوبا جدا لدى النساء.

378

| 21 نوفمبر 2025

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

9876

| 08 فبراير 2026

alsharq
الشمال يتألق وأم صلال يتراجع

عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...

2163

| 04 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1164

| 10 فبراير 2026

alsharq
فريدريك ما زال حياً

حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...

1005

| 04 فبراير 2026

alsharq
هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...

753

| 04 فبراير 2026

alsharq
تعاون إقليمي من أجل ضمان الاستقرار

انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...

651

| 04 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

639

| 10 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

618

| 05 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

519

| 09 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

471

| 08 فبراير 2026

alsharq
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر

لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...

471

| 09 فبراير 2026

alsharq
الجنة وطريقها..

«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...

417

| 05 فبراير 2026

أخبار محلية