رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في البداية أبوح لكم بأني متمسك برأيين حول أوكرانيا صرح بهما رجلان حكيمان بلغا قرنا من العمر كل على حدة: الأول هو المفكر الأمريكي عالم الألسنيات من أصول يهودية وما زال حيا (ناحوم تشومسكي) والثاني متوفى ويسمونه ثعلب الدبلوماسية الأمريكية مخطط لقاء (كامب ديفيد) الذي أخرج مصر من المواجهة العربية الإسرائيلية (هنري كيسنجر) وسبق أن علق الرجلان على الحرب الروسية الأوكرانية فاتفقا على أن موقع أوكرانيا المنطقي والحقيقي هو الحياد وليست مؤهلة لا للعودة الى اتحاد الجمهوريات الروسية ولا للانضمام الى الحلف الأطلسي وعضوية الاتحاد الأوروبي. ولنحلل حالة العلاقات الدولية اليوم من خلال أوكرانيا ومخاطر حرب عالمية ثالثة تنطلق هذه المرة أيضا كسابقتيها من قلب أوروبا لتعم العالم. فقد نجح ترامب في الوصول إلى اتفاق تاريخي مع روسيا يبعدها عن التحالف مع الصين. وتذهب الخطة أبعد من ذلك حين تطالب خطة الرئيس (ترامب) نظيره الأوكراني بالتخلي عن أراضٍ ما تزال تحت سيطرتها لضمها رسميًا إلى روسيا مما يضطرنا للإقرار بأن الرئيس (زيلنسكي) حول أوكرانيا إلى ساحة صراع دولي لا يملك أي قرار فيه بل ترك مصير بلاده رهن حسابات قوى دولية كبرى متصارعة حين راهن على دعم أمريكي مطلق ليكتشف في النهاية أن أمريكا تتعامل معه كورقة تفاوض لا أكثر. واليوم فإن كل ما قُدم من تضحيات وكل ما خسرته أوكرانيا من أراضٍ واقتصاد واستقرار، ينتهي على طاولة تفاوض بين موسكو وواشنطن من دون أن يكون للرئيس (زيلنسكي) حق الاعتراض أو حتى مجرد الحضور! ثم إن تجاهل واشنطن للأوروبيين في هذه الصفقة ليس تفصيلًا بسيطا لأن الأوروبيين الذين أجبرتهم واشنطن ولنقل شجعتهم على الدخول في هذا الصراع هم المتأثرون مباشرة بالحرب بين روسيا وأوكرانيا ومع ذلك جرى تجاوزهم بالكامل! وكل ما استطاعوا إظهاره للعلن في قمتهم الأخيرة المنعقدة في بروكسل هو التعبير عن الانزعاج والخيبة، في مشهد يعكس عجزهم السياسي وانكشافهم الاستراتيجي. لقد اكتشفوا مرة أخرى أن واشنطن لا تتعامل معهم كشركاء بل كمجال نفوذ تتغير فيه السياسات بحسب المصالح الامريكية والروسية الاستراتيجية. لأن القوى النووية والاقتصادية الثلاث (واشنطن وموسكو وبيجين) لا تحمي أحدًا في الحقيقة بل تستخدم الجميع بدون اعتبارات أيديولوجية كانت سائدة قبل سقوط جدار برلين في نوفمبر1989 فيما عرف بالحرب الباردة. وما يجري اليوم مع (زيلنسكي) وأوروبا ليس إلا نموذجًا جديدًا يؤكد كيف تستدرج القوى العظمى بعض الغافلين من الحكام لتنفيذ أجنداتها ثم تتبرأ منهم عند أول فرصة! فهذا كان وما زال حال كل القوى العالمية المهيمنة على العالم ولم تختلف هذه السياسات إلا في مراحل الحكم الاسلامي للعالم منذ فجر الإسلام ودولة المدينة ثم الخلافة الأموية تليها العباسية انتهاء بالسلطان العثماني حتى سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924. وكما يعرفني قرائي منذ بدأت أنشر ما أعتقده فأنا لست ممن يدعو الى القطيعة بين دولنا والدول العظمى ولكن تحالفنا مع إحداها لا يعني الانسياق وراء مخططات قد تعود بالضرر على بلداننا وعيا منا جميعا أن ما يحكم العلاقات الدولية هو المصلحة والمصلحة فقط وبحكم علمنا ان كل الدول العظمى في إطار رؤيتها للقرن الحادي والعشرين تسعى مثلا للسيطرة على القارة الافريقية وتحجيم الدور الأوروبي الاستعماري فيها وهو ما عبرت عنه انتفاضات عسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وآخرها الانقلاب العسكري في غينيا الوسطى يوم 26 نوفمبر الجاري وشرعت الشعوب الفرنكوفونية منذ 3 سنوات في الخروج من سيطرة باريس على مقدراتها وستتبعها الأمم التي خضعت لبريطانيا بلا ريب. ولا ننسى أن الغاية الجيوستراتيجية لواشنطن وموسكو تبقى هي القضاء على الوجود الصيني في افريقيا فقد توصل الرئيس ترامب الى اتفاق مع بوتين تضمن به الولايات المتحدة كسب موافقة (بوتين) على أن تكون موسكو شريكة لها في تحقيق ذلك. وبالعودة الى موضوعنا الأساسي فقد حدث اتفاق بين الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات الروسية يدخل بموجبه الرئيسان الأمريكي والروسي في تحالف غير معلن بين القوتين العظميين في مواجهة الصين! أي ضد المنافس الصيني الأخطر وهو ما يؤدي الى قطع امدادات الطاقة عنها عبر خط سيبيريا متى طلبت واشنطن ذلك مقابل السماح لروسيا بدور متقدم حتى على أوروبا في السياسة الدولية وهو ما يرضي غرور (بوتين) ونرجسيته وحلمه القديم باستعادة الإمبراطورية القيصرية لروسيا! فبعد أربع سنوات من الحرب الروسية الاوكرانية حققت واشنطن أهدافها بإضعاف روسيا واجبارها على الدخول تحت جناحها وكان لا بد من تقديم هدية للرئيس (بوتين) وهي المتمثلة في حصوله على أراض أوكرانية أكثر مما احتل ليظهر أمام شعبه بمظهر المنتصر في الحرب. ومن جهة ثانية اضعفت الأوروبيين وكشفت واقعهم الهزيل أمام شعوبهم وأمام العالم وأنهم بدون المظلة الأمريكية في السلم والحرب غير قادرين على فعل أي شيء بل غير قادرين حتى على حماية أنفسهم وهو ما سينعكس على سياسات أغلب الدول. أما الصين التي كانت تفتخر بأنها القوة العالمية القادمة فقد أفشلت واشنطن كل خططها من مبادرة الحزام وطريق الحرير الى منظمة (البريكس) الى تواجدها في كثير من موانئ العالم وحاصرتها باتفاقيات وتحالفات مع كل الدول المحيطة بها وآخرها الاتفاق مع الهند وحاليا مع روسيا مما شكل هلالا يحصر الصين في مجالها الجغرافي ويجبرها على الانكفاء والتسليم بقيادة أمريكا للعالم في هذا القرن. وستشهد السنوات القادمة مزيدا من هذه الهيمنة خاصة لو خطط خبراء الاستراتيجيات الأمريكان لتفكيك خريطة العالم القديمة وهو ما يسعى لتنفيذه العنصريون المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية حيث شرعوا في فصل الضفة عن القطاع وأعلن رئيس حكومتهم أنه لا يعترف بتقسيم (سايكس بيكو) لأن بريطانيا وفرنسا كانتا عام 1916 هما الامبراطوريتان الأقوى أما اليوم ونحن في سنة 2025فالعالم معترف بوحدانية القطب الأمريكي وبأن القاطرة التي تقود الشرق الأوسط هي إسرائيل! وهذا ما يجب على جميع العرب أن يعوه و يتعاملوا معه بذكاء كواقع مفروض على العالم كله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15192
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1857
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1650
| 10 فبراير 2026