رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تتكلم اللغة، فإنها لا تفعل ذلك طلبًا للاحتفاء، بل إعلانًا للسيادة. لا تتحدث من باب العاطفة، بل من موقع الوعي والقوة والمعرفة. ومع اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، لم تُنجز قطر كتابًا، بل أرست موقفًا حضاريًا واضحًا يقول إن اللغة ليست هامشًا ثقافيًا، بل ركيزة وجود، وأداة وعي، وعنوان ثقة
لقد تلاقت الدلالة مع الزمن؛ يوم عالمي للغة العربية في الثامن عشر من ديسمبر، ويوم وطني لدولة جعلت من الهوية مشروعًا، ومن الثقافة قرارًا، ومن اللغة استثمارًا استراتيجيًا وكأن التاريخ نفسه يتكلم، ليقول بوضوح لا يحتمل التأويل: هذا إنتاجنا، وهذه لغتنا، وهذه ثقتنا بأنفسنا وبمكاننا في العالم. هنا، لا تُصان العربية بالحنين، ولا تُرفع بالشعارات، بل تُبنى بالمشاريع، وتُحفظ بالعلم، وتُؤرَّخ بمنهج يليق بحضارتها
من معجم إلى موقف حضاري:
إن اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية لا يمكن قراءته بوصفه إنجازًا لغويًا معزولًا، بل هو تعبير عن رؤية دولة تدرك أن القوة الحقيقية تبدأ من المعرفة، وأن الحضور العالمي لا يُبنى فقط بالاقتصاد والسياسة، بل باللغة، والهوية، والعمق الثقافي. وقد أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أن اكتمال هذا المعجم يمثل مظهرًا من مظاهر التكامل العربي المثمر، ويعزز تمسك الشعوب بهويتها مع انفتاحها الواثق على العصر.
فالمعجم لا يعرّف الكلمات، بل يؤرخها، ولا يشرح الألفاظ، بل يكشف مسيرتها وتحولاتها وسياقاتها. إنه ينقل العربية من كونها لغة استعمال إلى لغة وعي، ومن كونها تراثًا محفوظًا إلى معرفة مُحلَّلة، ومن كونها لغة ماضٍ مجيد إلى لغة زمن ممتد يصل الماضي بالحاضر ويفتح أبواب المستقبل
اللغة كقوة ناعمة في زمن العولمة:
في عالم اليوم، لم تعد القوة تقاس فقط بما تملكه الدول من اقتصاد أو نفوذ، بل بما تملكه من سردية ثقافية قادرة على العبور والتأثير. وهنا تتجلى أهمية معجم الدوحة بوصفه أداة من أدوات القوة الناعمة. فتوثيق اللغة العربية تاريخيًا، وفق منهج علمي صارم، يمنحها قابلية أوسع للحضور في المنصات العالمية، والجامعات، ومراكز البحث، والتقنيات الرقمية. كما أنه يضع العربية في موقع الندّية مع لغات كبرى سبقتها في مشاريع التأريخ اللغوي، ويكسر الصورة النمطية التي تحصرها في إطار التراث أو القداسة وحدها، دون الاعتراف بديناميكيتها وقدرتها على التفاعل مع الحداثة.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة معجم الدوحة كجزء من استراتيجية ثقافية أوسع تعيد تعريف علاقة العرب بلغتهم، وعلاقة العالم بالعربية، ليس كلغة “آخر”، بل كلغة معرفة وشراكة إنسانية.
انعكاسات الحدث… من الدوحة إلى العالم:
هنا تبدأ الانعكاسات الكبرى. فمعجم الدوحة ليس مشروعًا عربيًا داخليًا فحسب، بل رسالة ثقافية عالمية. إنه يضع اللغة العربية على خريطة البحث اللغوي العالمي بوصفها لغة موثقة تاريخيًا وفق أعلى المعايير العلمية، وقابلة للاندماج في مشاريع الترجمة، والدراسات المقارنة، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المعرفة الرقمية.
كما يعيد هذا المشروع تقديم العربية للعالم لا كلغة مقدسة فقط، بل كلغة إنسانية حيّة، ساهمت في تشكيل الفكر الإنساني، وشاركت في بناء الحضارة، وما زالت قادرة على الإسهام في خطاب العصر. ومن هنا، تتحول قطر عبر هذا المعجم إلى فاعل ثقافي عالمي، يمارس عولمة لغوية مختلفة،عولمة تقوم على المعنى لا الهيمنة، وعلى الهوية لا الذوبان، وعلى الشراكة المعرفية لا الاستهلاك الثقافي.
العربية… لغة قرآن ولغة مستقبل
ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن مكانة اللغة العربية في القرآن الكريم؛ فهي لغة الوحي، ولغة المعنى العميق، ولغة القيم. والعناية بتاريخها هي في جوهرها عناية بالرسالة التي تحملها، وبالإنسان الذي خُوطب بها. ومعجم الدوحة يعيد الربط بين قداسة اللغة وحيويتها، بين ثبات النص ومرونة اللفظ، بين الجذور العميقة وآفاق العصر.
عولمة قطر اللغوية… حين تتكلم اللغة
إن ما فعلته قطر عبر معجم الدوحة هو أنها قدّمت نموذجًا جديدًا للحضور العالمي: حضور لا يفرض نفسه بالقوة، بل بالمعرفة؛ لا يذوب في العولمة، بل يعيد تعريفها؛ ولا ينسخ تجارب الآخرين، بل يقدّم تجربته الخاصة بثقة ووضوح.
وهكذا، حين تتكلم اللغة من الدوحة، فهي لا تخاطب العرب وحدهم، بل تخاطب العالم كله، قائلة: هذه لغة لها تاريخ، وهذه دولة تعرف وزن لغتها، وهذه أمة قادرة على أن تكون جزءًا من العالم… دون أن تفقد نفسها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3594
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1062
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
738
| 27 أبريل 2026